٢٣٥ - رواه أبو عبد الله بن بطة بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "عجب الله ﷿ من قومٍ جيء بهم في السَّلاسل، حتى يُدخلهم الجنة" (^١).
٢٣٦ - ورواه بإسناده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: "عجب ربّنا من رجلين: رُجلٌ ثَارَ عن وِطَائِه ولِحافه، من بين حِبِه وأهله إلى صلاته، طلب ما عندي، ورجلٌ غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه، فَعَلِمَ ما عليه في الانهزام، وماله في الرُّجُوع، فَرَجَع حتى هُرِيق دمه، فيقول الله لملائكته: انُظُروا إلى عبدي رَجَعَ رغبةً فيما عندي، وشفقَةً من عذابي، حتى هُرِيق دمه" (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٥٧) والبخاري (٦/ ١٤٥) عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة مرفوعًا به. وتابعه حماد بن سلمة عن محمد بن زياد عند أحمد (٢/ ٣٠٢، ٤٠٦) وأبي داود (٣/ ١٢٧). وله طريق آخر عند أحمد (٢/ ٤٤٨) فقد رواه عن كامل أبو العلاء سمعت أبا صالح عن أبي هريرة مرفوعًا به. وسنده حسن، كامل هو ابن العلاء، وثقة ابن معين ويعقوب بن شيبة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وقال الحافظ: صدوق يخطئ.
(٢) صحيح، أخرجه أحمد (١/ ٤١٦) (٣٩٤٩ - طبعة شاكر) وأبو داود (٣/ ٤٢ - ٤٣) (القسم الثاني من الحديث فقط) وابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٢٤٩) والدارمي في "النقض" (ص ٢٠٢) وابن حبان (٤/ ١١٤ - ١١٥) والطبراني في الكبير (١٠/ ٢٢١/ ١٠٣٨٣) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٦٧) والحاكم (٢/ ١١٢) (القسم الثاني منه) وكذا البيهقي في السنن (٩/ ٤٦)، وأخرجه بتمامه في موضع آخر (٩/ ١٦٤) وفي الأسماء (ص ٤٧٢) والبغوي في "رح السنة" (٤/ ٤٢ - ٤٣) كلهم عن حماد بن سلمة أخبرنا عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود مرفوعًا به. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. =
[ ٢٨٩ ]
٢٣٧ - ومن ذلك قول النبي -ﷺ-: "عَجب رَبُّك من شابٍ ليست له صبوة" (^١).
_________________
(١) = وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٥٥) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير، وإسناده حسن. وقال العلامة أحمد شاكر: إسناده صحيح. قلت: لكن فيه عطاء بن السائب وقد اختلط، وحماد بن سلمة سمع منه قبل الاختلاط، وبعده قاله العقيلي، وإنما قال الشيخ أحمد شاكر: صحيح، لكونه يرجح أن حماد سمع من عطاء قبل الاختلاط فقط، انظر تعليقه على الحديث (٣٩٥١) من المسند. لكن له طريق آخر عن ابن مسعود موقوفًا يتقوى به. أخرجه عبد الرزاق (١٠/ ١٨٥). والطبراني في الكبير (٩/ ١٥٩/ ٨٧٩٨) عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: رجلان يضحك الله إليهما: رجل تحته فرس من أمثل خيل أصحابه، فلقيهم العدو فانهزموا وثبت رجلان يضحك الله إليهما: رجل تحته فرس من أمثل خيل أصحابه، فلقيهم العدو فانهزموا وثبت الآخر، إن قُتل قتل شهيدًا، فذلك يضحك الله إليه، ورجل قام من الليل لا يعلم به أحد فاسبغ الوضوء وصلى على محمد -ﷺ-، وحمد الله، واستفتح القراءة، فيضحك الله إليه يقول: انظروا إليه عبدي لا يراه أحدى غيري". اللفظ للطبراني قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٥٥): وفيه أبو عبيدة ولم يسمع من أبيه. وأخرجه عبد الرزاق (١٠/ ١٨٥ - ١٨٦) عن سعيد الجريري عن أبي العلاء بن عبد الله ابن الشخير عن أبي ذر قال: ثلاثة يستبشر الله إليهم: رجل قام من الليل وترك فراشه ودفاءه، ثم قام يتوضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة فيقول الله للملائكة: ما حمل عبدي على هذا؟ أو على ما صنع؟ فيقولون: أنت أعلم، فيقول: أنا أعلم ولكن أخبروني، فيقولون: خوفته شيئًا فخافه، ورجَّيته شيئًا فرجاه، قال فيقول: فإني أشهدكم أني قد أمّنته مما خاف، وأعطيته ما رجا، ورجل كان في سرية فلقي العدو … " الحديث. قلت: وإسناده صحيح، الجريري وإن كان قد اختلط لكن سماع معمر منه قبل الاختلاط.
(٢) حسن، أخرجه (٤/ ١٥١) وأبو يعلى (٣/ ٢٨٨) والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٩) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٤٧٦) عن قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة عن أبي عشانة عن عقبة ابن عامر مرفوعًا به. وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٧٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني، وإسناده حسن. قلت: وإسناده حسن، فابن لهيعة قد روى عنه قتيبة بن سعيد وحديثه عنه صحيح، ففي =
[ ٢٩٠ ]
اعلم أنَّ الكلام في هذا الحديث، كالكلام في الذي قبله، وأنَّه لا يمتنع إطلاق ذلك عليه، وحمله على ظاهره إذ ليس في ذلك ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنَّا لا نُثبت عَجبا هو تعظيم لأمرٍ دَهَمَة استعظمه لم يكن عالمًا به، لأنَّه مما لا يليق بصفاته، بل نُثبت ذلك صفة كما أثبتنا غيرها من صفاته (^١).
فإن قيل: المراد به تعظيم ذلك وتكثيره عند أهله حثًّا على فعلها، وترغيبًا في المبادرة إليها، ويحتمل أن يكون المراد به الرِّضا له والقبول، لأنَّ من أعجبه الشيء فقد رَضِيَه، ولا يصح أنْ يَعجب مما يُسخطه ويكرهه.
٢٣٨ - وقد أومئ أبو عبد الله بن بطة إلى هذا في كتاب "الإبانة" فقال: التعجب على ضربين: أحدهما المحبة بتعظيم قدر الطاعة، والسخط بتعظيم قدر الذنب، ومن ذلك قول النبي -ﷺ- "عجب ربك من شاب ليست له صبوة" أي أنَّ الله مُحِبٌ له راضٍ عنه، والتعجب على معنى الاستنكار للشيء، ويتعالى عن ذلك، لأنَّ الاستنكار هو الجاهلُ الذي لا يعرف فلما عرفه استنكره (^٢) وعجب منه.
_________________
(١) = "شرح العلل" لابن رجب (ص ١٣٨): قال قتيبة قال أحمد: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح، قلت: لأنا كنا نكتب من كتاب عبد الله بن وهب ثم نسمعه من ابن لهيعة. اهـ. ورواية ابن وهب عنه صحيحة كما هو معلوم لأنه من العبادلة. ورواه عن ابن لهيعة: كامل بن طلحة وهشام بن عمار، أخرجه ابن أبي عاصم (١/ ٢٥٠) (عن هشام وحده) وابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٤٦٥ - ١٤٦٦).
(٢) قلت: وهو الصواب الذي عليه سلف الأمة، أن تثبت الصفات كما جاءت دون تأويل.
(٣) هو في الأصل: استكبره وفي المواضع السابقة: الاستكبار، وهو خطأ.
[ ٢٩١ ]
قيل: الطريق الصحيح ما ذكرنا من حمله على ظاهره، وهو الأشبه بأصول أحمد في نظائره من الأخبار لما بينَّا، وهو أنَّه ليس في ذلك ما يحيل صفاته، وما ذكروه من التأويل لا يصح، لأن الله تعالى راضٍ بذلك قبل وجود هذه الأفعال منهم، ومُعَظِّمٌ لها قبل وجودها، فرضاه وتعظيمه لا يختص ما ذكر في الأخبار، فلم يصح حملها عليه، لأنه حَمْلٌ على ما لا يفيد.
فأما قوله "يقادون إلى الجنة بالسلاسل" فقيل فيه إنهم يَكرهون الطاعة التي يصلُون بها إلى الجنة، من حيثُ تخالف أهوائهم وشهواتهم، وتكرهها نُفُوسهم من حيثُ تَشُقُّ عليهم، وتصدهم عن الراحات واللذات في الحال، لكنها سائقة لهم إلى الجنة، وهي دَارُ الراحات.
٢٣٩ - وقد قال أحمد في رواية الفضل بن زياد (^١) وقد سأله عن قول النبي -ﷺ- "عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل" قال: هو هذا السبي الذين يسبون فيدخلون في الإسلام، ونحو ذلك نقل أبو الحرث (^٢).
٢٤٠ - فأمَّا قوله ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ [الصافات: ١٢]، فقد رُوي عن
_________________
(١) هو أبو العباس الفضل بن زياد القطان البغدادي، ذكره أبو بكر الخلال فقال: كان من المتقدمين عند أبي عبد الله، وكان أبو عبد الله يعرف قدره ويكرمه، وكان يصلي بأبي عبد الله، فوقع له عن أبي عبد الله مسائل كثيرة، وحدث عنه جماعة منهم: يعقوب بن سفيان الفسوي. (تاريخ بغداد ١٢/ ٣٦٣)، طبقات الحنابلة (١/ ٢٥١ - ٢٥٣).
(٢) يؤيد هذا القول ما أخرجه البخاري في التفسير (٨/ ٢٢٤) عن أبي هريرة -﵁- ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، قال: خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. قال ابن الجوزي: معناه أنهم أُسروا وقيدوا، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعًا فدخلوا الجنة، فكان الإكراه على الأسر والتقييد هو السبب الأول، وكانه أُطلق على الإكراه التسلسل، ولما كان هو السبب في دخول الجنة أقام المسبب مقام السبب (الفتح ٦/ ١٤٥).
[ ٢٩٢ ]
ابن مسعود كان يقرأ بضم التاء، وروي عن شريح إنكار هذه القراءة (^١)،
_________________
(١) صحيح، أخرجه الحاكم (٢/ ٤٣٠) وعنه البيهقي في "الأسماء" (ص ٤٧٥) عن أبي زكريا العنبري حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: قرأ عبد الله -﵁- ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾، قال شريح: إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم، قال الأعمش فذكرت لإبراهيم فقال: إن شريحًا كان يعجبه رأيه، إن عبد الله كان أعلم من شريح، وكان عبد الله يقرأها ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا، محمد بن عبد السلام عن ابن بشار أبو عبد الله النيسابوري ثقة، له ترجمة في تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٤٩). وأخرجه الفرّاء في "معاني القرآن" (٢/ ٣٨٤) قال حدثني مِندل بن علي العنزي عن الأعمش قال قال شقيق: قرأت شريح … فذكر نحوه. وإسناده ضعيف لضعف مندل. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٨٢) إلى أبي عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقال ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٢٩): قوله ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ اختلفت القراء في قراءة ذلك فقرأته عامة قراء الكوفة ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ بضم التاء، من عجبت بمعنى بل عظم عندي وكبر اتخاذهم لي شريكًا وتكذيبهم تنزيلي وهم يسخرون. وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة (بل عجبتَ) بمعنى بل عجبت أنت يا محمد ويسخرون من هذا القرآن، والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. فإن قال قائل: كيف يكون مُصيبًا القارئ بهما مع اختلاف معنييهما؟ قيل: إنهما وإنْ اختلف معنياهما فكل واحد من معنييه صحيح، قد عجب محمد -ﷺ- ما أعطاه الله من الفضل، وسخر منه أهل الشرك بالله. وقد عجب ربُّنا من عظيم ما قاله المشركون في الله، وسخر المشركون مما قالوه. اهـ وللفراء كلام نفيس جار على قاعدة السلف في فهم صفات الخالق سبحانه فقد قال في "معاني القرآن" (٢/ ٣٨٤): و"العجب" وإن أُسند إلى الله، فليس معناه من الله كمعناه من العباد، ألا ترى أنه قال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ وليس السُخْرِيُّ من الله كمعناه من العباد، وكذلك قوله ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ليس ذلك من الله كمعناه من العباد، ففي ذا =
[ ٢٩٣ ]
فإن كانت صحيحة لم يمتنع حملها على ظاهرها، وأنَّ ذلك صفة لله تعالى، على ما ذكرنا في ظاهر الخبر.
فإن قيل: هذا خَرَجَ على طريق المجازاة على عجبهم، لَمَّا أخبر عنهم أنهم عجبوا من الحق لما جاءهم، وقالوا: هذا شيء عجاب، وهذا شيء عجيب، كما قاله القائل:
فنجهل فوق جَهل الجَاهلينا (^١).
وكما قال تعالى ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقال ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فسمَّى الثاني باسمها.
قيل: إنما يكون هذا على طريق المجازاة، إذا تقدم العجب منهم، ولم يجر له ذكر في هذه السورة، وإنما جرى ذكره في سورة ص، فلا يخرج هذا مخرج المجازاة، ألا ترى أنَّ المواضع التي استشهدوا بها، تقدم ذكر ذلك من جهتهم فخرج الإنكار من الله تعالى على طريق المجازاة.
فإن قيل: المراد به النبي -ﷺ- فأخبر عن نفسه، والمراد به النبي -ﷺ- كما قال: "مَرِضْتُ فلم تعدني"، وكما قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٥٧] معناه: أولياءه.
قيل: هناك قد دلَّ الدليل على أنَّ هناك مُضمر محذوف، وليس ها هنا ما دل على ذلك، فوجب التمسك بحقيقة اللفظ، وهو الإضافة إلى نفسه، وعلى
_________________
(١) = بيان لكسر قول شريح، وإن كان جائزًا لأن المفسرين قالوا: بل عجبت يا محمد ويسخرون هم، فهذا وجه النصب.
(٢) عجز بيت من معلقة عمرو بن كلثوم صدره: ألا لا يَجْهَلن أحدٌ علينا. (انظر شرح المعلقات السبع لأبي عبد الله الحسين بن أحمد الزوزني ص ١٠٢).
[ ٢٩٤ ]
أنَّ في الآية ما يدل على أنَّ ذلك راجع إليه سبحانه، لأنَّه عَطَفه على نفسه بقوله تعالى ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ [الصافات: ١١]، وهذا كله راجع إليه سبحانه، ثم عطفه فقال: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ فكان ذلك راجعًا إليه.
* * *
[ ٢٩٥ ]