٢٦٨ - حدثنا أبو القسِم بإسناده: عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال: قامَ فينا رسولُ الله -ﷺ- بأربع كلمات قال: "إنَّ الله لا يَنَام ولا ينبغي أنْ ينام، يَخْفض القِسْط ويَرفعه، يُرفَعُ إليهِ عَمَلُ النَّهارِ قبلَ الليل، وعملُ الليلِ قبل النّهار، حِجابُه النَّارُ، لو كَشَفَها أَحْرَقت سُبُحَاتُ وَجْهِه كل شيءٍ أدركه بَصَرُهُ".
وفي لفظٍ آخر: "حجابُهُ النُّورُ لو كَشَفَها لأَحْرَقت سُبُحاتُ وَجْهِهِ كل شيءٍ أدْركه بَصرَهُ من خَلقه" (^١).
٢٦٩ - وحدثنا أبو القسم بإسناده: عن سهل بن سعد قال رسول الله -ﷺ-: "دُون الله سَبعون ألف حجابٍ من نُور وظُلمة، وما تَسمعُ نَفْسٌ شيئًا من حسِّ تلك الحُجُبِ إلا زَهَقَتْ نفسها" (^٢).
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٤٠٥) ومسلم في الإيمان (١/ ١٦١ - ١٦٢) وابن ماجه (١/ ٧٠) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٩، ٧٥) والآجرّي في "الشريعة" (ص ٣٠٤) من طريق أبي معاوية الضرير حدثنا الأعمش عن عمرو بن مُرَّة عن أبي عبيدة به. وعند مسلم الراويتان معًا: "حجابه النور" و"حجابه النار". وأخرجه مسلم (١/ ١٦٢) والدارمي في "الرد على الجهمية" (ص ٥٣، ٦١) وفي "النقض على المريسي" (ص ١٧٢) والبيهقي في "الأسماء" (ص ١٨٠) عن جرير عن الأعمش به. وقد تابع شعبةُ الأعمش عند مسلم (١/ ١٦٢). وتابعه سفيان. أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (١٩ - ٢٠) والآجري في "الشريعة" (ص ٢٩٠ - ٢٩١) والبيهقي في "الأسماء" (ص ١٨٠) عن سفيان عن عمرو بن مرة به. والمسعودي عند البيهقي في الأسماء (ص ١٨٠ - ١٨١).
(٢) ضعيف، أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٧٨٨) وأبو يعلى -كما في المجمع (١/ ٧٩) - والطبراني في الكبير (٦/ ١٤٨/ ٥٨٠٢) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٤٠٢) وابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ١١٦) عن مكي بن إبراهيم ثنا موسى بن عبيدة الربذي عن عمر بن الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعن أبي حازم عن سهل بن سعد -﵄- به. =
[ ٣٢١ ]
٢٧٠ - وذكر أبو بكر أحمد بن إسحاق الصَّبغي (^١) أخبارًا أُخر في هذا المعنى في كتاب الأسماء والصفات: فروى عن عبد الرحمن بن سمرة عن النبي -ﷺ- قال: "رأيتُ البارحة عَجَبًا، رأيت من أمتي رجلًا جاثيًا على رُكبتيه بينه
_________________
(١) = قال البيهقي: تفرد به موسى بن عبيدة، وهو عند أهل العلم بالحديث ضعيف. وبذلك أعلَّة الهيثمي في المجمع (١/ ٧٩). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٣٦٤) إلى العقيلي وذكره بسنده في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ١٤)، ولم أجد في مطبوعة الدكتور!! ورواه الدارقطني في الأفراد -كما في "الآلئ المصنوعة (١/ ١٤) - وعنه ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١١٦) بسياق أطول وفي سنده: حبيب بن أبي حبيب زريق الحنفي أبو محمد المصري كما في تهذيب الكمال (١/ ٢٢٧) فإنه يروى عن هشام بن سعد وعنه محمد ابن يوسف ابن أبي معمر، قال أحمد: كان يكذب، وقال أبو داود: كان من أكذب الناس. وليس هو أخو حمزة الزيات كما قال السيوطي!
(٢) هو الإمام العلامة المفتي المحدث، شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري الشافعي المعروف بالصِّبْغي مولده ٢٥٨ هـ، سمع من إسماعيل بن قتيبة والحارث ابن أبي اْسامة وغيرهما، حدث عنه أبو علي الحافظ وأبو أحمد الحاكم وأبو بكر الإسماعيلي وأبو عبد الله الحاكم، وجمع وصنف وبرع في الفقه، وتميَّز في علم الحديث. قال الحاكم سمعت أبا الفضل بن إبراهيم يقول: كان أبو بكر بن إسحاق يخلف إمام الأئمة ابن خزيمة في الفتوى بضع عشرة سنة في الجامع وغيره. وقال الحاكم: ومن تصانيفه كتاب "الأسماء والصفات" و"الإيمان" و"القدر" و"الخلفاء الأربعة" و"الرؤية" و"الأحكام"، و"الإمامة". ومات في شعبان ٣٤٢ هـ. تنبيه: تصحَّفَ في الكتاب إلى "الضبعي" وكذا في العبر والشذرات وطبقات الشافعية، والصواب "الصَّبغي" نسبة إلى بيع الصبغ، كما في الأنساب واللباب وغيرهما، وكذا ضبطه الذهبي في المشتبه (٢/ ٤٠٧). (الأنساب (٨/ ٣٣ - ٣٤)، العبر (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، السير (١٥/ ٤٨٣ - ٤٨٩) طبقات الشافعية (٢/ ٨١ - ٨٢».
[ ٣٢٢ ]
وبين الرَّب حجابٌ، فأخذ بيده فأدخله على الله تعالى ذكره" (^١).
٢٧١ - وذكر حديثُ صُهيب أنَّ النبي -ﷺ- قرأ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وذكر الحديث وقال فيه: "فيكشف لهم عن الحجاب، فينظرون إليه" (^٢).
٢٧٢ - وذكر حديث عُمر أنَّ النبي -ﷺ- قال: "إنَّ موسى قال: يا رب أَرني أَبَانا آدم" وذكر الحديث فقال فيه: "فقال آدم: من أنت؟ قال: موسى، فقال: أَنت الذي كلَّمك الله مِنْ وراءِ الحجابِ، لم يَجعل بَينك وبَينه رسولًا مِنْ خَلقه" (^٣).
_________________
(١) لم أجده!
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٤/ ٣٣٢ - ٣٣٣) (٦/ ١٥ - ١٦) ومسلم في الإيمان (١/ ١٦٣) والترمذي (٤/ ٢٥٥٢) والنسائي في الكبرى -كما في التحفة (٤/ ١٩٨) - وابن ماجه (١/ ١٨٧) عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب مرفوعًا: "إذا دَخَل أهل الجنةِ الجنةَ قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبَيَّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتُنَجِّنا من النَّار؟ قال: فيكشِفُ الحِجَابَ فما أُعطوا شيئًا أَحَبَّ إليهم من النَّظر إلى ربهم ﷿، ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. لفظ الإمام مسلم.
(٣) حديث صحيح، أخرجه بهذا اللفظ أبو داود (٥/ ٤٧٠٢) ومن طريقه البيهقي في "الأسماء" (ص ١٩٣ - ١٩٤) وابن أبي عاصم (١٣٧، ٦٠١) وأبو عوانة - كما في الفتح (١١/ ٥٠٦) وأبو يعلى (١/ ٢٠٩) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٤٣ - ١٤٤) والدارمي "في الرد على الجهمية" (ص ١٤٠) وأحمد النجاد في "الرد على من يقول القرآن مخلوق" (٣٠) والآجري (ص ١٧٩ - ١٨٠) عن ابن وهب أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إنَّ موسى قال: يا ربِّ، أَرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنَّة … " الحديث. وإسناده حسن، من أجل هشام بن سعد المدني وهو من رجال مسلم، صدوق له أوهام، وحسَّن حديثه الذهبي كما في الكاشف. والحديث في الصحيحين من رواية أبي هريرة من طرق عنه، انظر البخاري (٦/ ٤٤١) (٨/ ٤٣٤ - ٤٣٥) (١١/ ٥٠٥) (١٣/ ٤٧٧) ومسلم في القدر (٤/ ٢٠٤٢ - ٢٠٤٤) والترمذي =
[ ٣٢٣ ]
٢٧٣ - وذكر حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله -ﷺ- وذكر وصيته نوح ابنه فقال: "أَنهاكَ عن الكِبْر والشِّرك، فإنَّ الله يحتجب عنهما" (^١).
_________________
(١) = (٤/ ٢١٣٤) والنسائي في الكبرى -كما في التحفة (١٠/ ١٢٧ - ٢١٤) - وابن ماجه (١/ ٨٠). قال ابن عبد البر: هذا الحديث ثابت بالاتفاق رواه عن أبي هريرة جماعةً من التابعين، وروي عن النبي -ﷺ- من وجوهٍ أخر من رواية الأئمة الثقات الأثبات. قال الحافظ: وقع لنا من طريق عشرة عن أبي هريرة، ثم ذكرها، انظر الفتح (١١/ ٥٠٦).
(٢) إسناده صحيحن أخرجه أحمد (٢/ ١٦٩ - ١٧٠، ٢٢٥) والبخاري في "الأدب المفرد" (٥٤٨) والحاكم (١/ ٤٨ - ٤٩) والبيهقي في "الأسماء" (ص ١٠٣): عن الصقعب بن زهير عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله -ﷺ- فجاء رجل من أهل البادية عليه جُبَّةُ سيجان مَزْرُورة بالدَّيباج، فقال: "ألا إنَّ صاحبكم هذا قد وضع كل فارس ابن فارس -قال يريد: يضع كل فارس ابن فارس- ويرفع كل راعٍ ابن راع، قال: فأخذ رسول الله -ﷺ- بمجامع جُبَّته وقال: "ألا أرى عليك لباسَ مَنْ لا يَعقل! " ثم قال: "إنَّ نبي الله نوحًا" -ﷺ- لمَّا حضرته الوفاةُ قال لابنه: إني قاصُّ عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنها عن اثنتين، آمرك: بلا إله إلا الله، فإن السَّماوات السَّبع والأرضين السبع لو وُضعتْ في كَفَّةٍ، ووضعت لا إله إلا الله في كَفَّةٍ رجحت بهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاةُ كُلِّ شيء، وبها يُرْزَقُ الخَلْقُ، وأنهاك عن الشِّرك والكِبْر" قال قلت أو قيل: يا رسول الله هذا الشرك قد عرفناه، فما الكبر؟ قال: أنْ يكون لأحدنا نعلان حَسَنَتان لهما شراكان حَسَنان؟ قال: "لا" قال: هو أنْ يكون لأحدنا حُلَّة يلبسها؟ قال: "لا"، قال: "الكبر هو أنْ يكون لأحدنا دابة يركبها؟ قال: "لا" قال: أفهو أن يكون لأحدنا أصحابٌ يجلسون إليه؟ قال: "لا" قيل: يا رسول الله فما الكِبْر؟ قال: "سَفَهُ الحقِّ، وغَمْضُ الناس". قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجا للصقعب بن زهير، فإنه ثقة قليل الحديث، ووافقه الذهبي وزاد: ورواه ابن عجلان عن زيد بن أسلم مرسلًا. وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٢٠) ثم قال: رواه كله أحمد والطبراني بنحوه ثم قال: ورجال أحمد ثقات. وهو كما قالوا. وليس في هذه الرواية (رواية ابن عمرو) ذكر الحجاب، وإنما ورد ذلك في رواية ابن عمر.=
[ ٣٢٤ ]
٢٧٤ - وذكر حديث عائشة -﵂- أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: "إنَّ لله ديكًا يُجاوِزُ رَأْسه كذا، والحجاب السَّبْعين، ورِجْلاه قد جَاوَزَتا السَّبْع الأرضين" (^١).
اعلم أنه غير مُمتنع إطلاق حجاب هو نور من دون الله، لا على وجه الإحاطة والجدِّ والمحاذاة، كما أجزنا رؤيته سبحانه لا على وجه الإحاطة به والجهة والمقابلة، وإنْ كُنَّا لا نجد في الشاهد مرئيًا إلا في جهة المقابلة، وكما جاز إطلاق وصفه بالاستواء على العرش، لا على وجه الجهة والحد والانتقال، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠] فأثبت الوقوف عليه لا في جهة، ويعضد ذلك قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] فوصف نفسه بالحجاب، كذلك ها هنا.
_________________
(١) = أخرجها البزار (٤/ ٣٠٦٩) عن أبي معاوية الضرير عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: "ألا أخبركم بوصية نوح ابنه؟ … " الحديث، وفيه: "وأنهاك عن اثنتين: الشرك والكبر، فإنهما تحجبان عن الله". ذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٤) وقال: وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وهو ثقة، وبقية رجاله رجال الصحيح. والحديث يعتضد بما قبله.
(٢) فيه جهالة، أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ٥٢٣) عن حرب بن سريج حدثتنا زينب بنت يزيد العتكية قالت: كنا عند عائشة -﵂- فجاء رهطٌ من أهل الشام فيهم شهر بن حوشب، فذكروا الصلاة ومواقيتها، فقالت: إني أحبّ أن أتخذ ديكًا، إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إنَّ لله ﵎ ديكًا رجلاه تحت سبع أرضين، ورأسه قد جَاوز سبع سماوات، يَسْقع في إبان الصلوات، فلا يبقى ديكٌ من ديكةَ الأرض إلا أجابه" فلا أحب أن يعدم بيتي أن اتخذ الديك. زينب العتكية لم أجد لها ترجمة، وليس فيه ذكر الحجاب. وأورده السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ٦١) عن أبي الشيخ.
[ ٣٢٥ ]
فأما قوله: "كل شيء أدركه بصره من خلقه" معناه: أنَّ نور وجهه يحرق ما يدركه من خلقه.
٢٧٥ - وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب "الإبانة" قال أبو بكر عبد العزيز قال: أبو بكر أحمد بن هرون قال سألت ثعلبًا عن قول النبي -ﷺ-: "لأَحرقت سُبُحات وَجهه" فقال: السَّبحات -يعني من ابن آدم- الموضع الذي يَسْجد عليه (^١).
فإن قيل: الحجاب راجعٌ إلى الخَلْق، لأنهم هم المحجوبون عنه بحجابٍ يخلقه فيهم، وهو عدمُ الإدْراكِ في أبصارهم، ولا يجوز أنْ يكون الله سبحانه مُحتجبًا ولا محجوبًا بحجاب، لأنَّ ما سُتِر بالحجاب، فالحجاب أكبر منه ويكون متناهيًا محاذيًا جائزًا عليه المماسة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]. فجعل الكفار مَحْجوبين عن رؤيته لما خُلِق فيه من الحجاب، ويبين هذا أنه لم يُضف الحجاب إلى الله تعالى بل أطلق ذكر الحجاب.
ويبين صحة هذا: ما رَوى علي كرم الله وجهه، رواه عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي أنه مَرَّ بقَصَّابٍ وهو يقول: لا والذي احتجب بسبعة أطباق، فقال علي -﵁-: "ويحك يا قصاب، إنَّ الله لا يحتجب عن خلقه" وفي لفظٍ آخرٍ "إن الله لا يحتجب عن خلقه بشيء ولكن حَجَب خلقه عنه" (^٢).
_________________
(١) لم أجده في المطبوع من كتاب "الإبانة" وهو يحوي المجلد الأول من الكتاب الأصلي. وسيذكر المصنف أحاديثًا وآثارًا أخرى، ولعلها في الباقي من الكتاب الذي لم يطبع. وفي لسان العرب (٣/ ١٩١٦): ويقال السُّبُحاتُ مواضع السجود. ولم يعزه لأحد.
(٢) لم أجده.
[ ٣٢٦ ]
قيل: هذا غَلَطٌ، لما بيّنا أننا نُثبت حجابًا لا يُفضي إلى التناهي والمحاذاة والمُمَاسَّة، كما أثبتنا رؤيته لا على وجه التناهي والمحاذاة.
وقوله: "لم يُضف الحجاب إليه" غلطٌ، لأن في حديث أبي موسى: "حجابه النور" وهذا صريح في الإضافة.
وأما قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].
فلسنا نمنع أنْ يكون الخلق في حجابٍ عن ربهم، ولا نمنع إنْ يكون دونه حجاب نور، لوُرود الشرع بذلك، فليس في الآية ما ينفي ذلك.
وأما ما رُوي عن علي فإنما أنكر على القصاب حجابًا معقولًا، لأنَّ القصاب قال: احتجب بالسماوات، فرجع الإنكار إلى ذلك، ونحن لا نصف الحجاب بذلك.
وعلى أنه يعارض قول عليَّ ما ذكره أحمد بن سليمان النَّجاد بإسناده: عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال: "والذي نفسي بيده، إنَّ دون الله يوم القيامة سَبعون ألفَ حجاب إن منها حجابٌ، من ظُلمةٍ ما ينفذها شيءٌ، وإن منها لحجاب من نُورٍ ما يستطيعه شيءٌ، وأن منها حجابًا لا يَسمعها أَحَدٌ لا يَربط الله على قلبه إلا انْخَلَعَ فُؤاده" (^١).
فإنْ قيل: قوله في حديث ابن سمرة: "بينه وبين الرب حجاب" المراد به حجاب العبد من رحمة الرب، يعني أنَّه كان ممنوعًا من الرحمة، وقوله:
_________________
(١) موقوف صحيح، أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (٢٧٣) حدثنا الوليد حدثنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا ابن أبي حازم حدثنا أبو حازم عن عمر بن الحكم ابن ثوبان عن عبد الله موقوفًا بنحوه. ورجاله ثقات، سوى عمر بن الحكم فإنه تابعي صدوق، والوليد هو ابن أبان الأصبهاني، ثقة. وأورده السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ١٥ - ١٦) عن أبي الشيخ.
[ ٣٢٧ ]
"أدخله على ربي" معناه: في رحمة ربي.
قيل: من سبق في علمه أنه يرحمه، لم يجعل بينه وبين رحمته حجاب، وكذلك من سبق في علمه عذابه، لا يجعل بينه وبين العذاب حجاب.
وأما تأويلهم الدخول، على الدخول في الرحمة، فلا يصح، كما لم يصح تأويل قوله: "ترون ربكم" على رؤية رحمته.
فإن قيل: قوله: "لو كَشَفها عن وجهه" معناه: لو كشف رحمته عن النار لأحرقت سُبُحات وجهه، أي أحرقت محاسن وجهه المحجوب عنه بالنار، فالهاء عائدةٌ على المحجوب لا إلى الله تعالى.
قيل: قد بَيَّنا أنَّ السُّبُحات صفة لوجهه سبحانه، وأنَّ الإِحراق يكون لجميع ما يدركه نوره (^١).
فإن قيل: لا يصحُّ أنْ يكون المحدث ولا القديم محجوبًا بشيءٍ من سَوَاتر الأجسام المغطية المكتنفة المحيطة، وإنما يقال لهذه الأجسام الساترة أنها حجابٌ عن رؤية المحدث لما رآه، من أجل أنَّ المنع من الرؤية يحدث عنده فيسمى باسم ما يحدث عنده، وعلى هذا ما نقوله إنَّ البارئ سبحانه لا نراه في الدنيا لأنَّه في حجابٍ على طريق المجاز، وإنما المانع من رؤيته ما يحدثه من المنع، وإنَّما في حجابِ على طريق المجاز، وإنما المانع من رؤيته (^٢) ما يحدثه من المنع، وإنَّما كان كذلك لأنَّ المانع من معرفة الشيء ورؤيته ومعاينته ما يمنع من وجود معرفته ومعاينته وما يمنع
_________________
(١) وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي نحوًا من هذه التأويلات وردَّ عليها، في كتاب "النقض على المريسي" (١٦٩ - ١٧٣) فراجعه فإنه نفيس.
(٢) في الأصل: رؤية، ولا تناسب مع الجملة.
[ ٣٢٨ ]
من ذلك فهو الذي يضاد وجوده، وذلك لا يصح إلا في العَرَضين المُتَضادين المتعاقبين، ولا يصح أنْ يكون الجسم منها ولا مانعًا من عرض أصلًا لأنه لا يصح أنْ يكون بين العَرَضين والجسم تنافٍ وتضاد (^١).
قيل: هذا لا يمنع من إطلاق اسم الحجاب على القديم سبحانه، كما لا يمنع من إطلاقه على غيره، وإن كان هذا المعنى الذي ذكروه موجودًا فيه.
٢٧٦ - وقد روى في معنى هذا حديث أبي القسم بن بشران بإسناده: عن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ وَلَّاهُ الله مِنْ أمرِ النَّاسِ شيئًا، فاحْتَجَب عن حَاجتِهم وخَلَّتهم وَفَاقِتهم، احتَجَب الله يومَ القيامةِ عن حاجَتِهِ وَفاقتِه" (^٢).
_________________
(١) انظر "مشكل الحديث" لابن فورك (ص ١٢٤ - ١٢٥). وكذا تأوله الحافظ في الفتح (١/ ٤٠٥) على أنَّه يحتجب بأمر معنوي يتعلق بقدرته!
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٤٨) والترمذي (٣/ ٦١١) -ولم يسق لفظه- وحميد بن زنجويه في "الأموال" (١/ ٦٤) والحاكم (٤/ ٩٣ - ٩٤) والبيهقي (١٠/ ١٠١ - ١٠٢) وعلَّقه البغوي (١٠/ ٧٠ - ٧١) عن يزيد بن أبي مريم أن القاسم بن مخيمرة أخبره أنَّ أبا مريم الأزدي قال: دخلت على معاوية فقال: ما أنعَمَنا بك أبا فلان؟ وهي كلمة تقولها العرب، فقلت: حديثًا سمعتُه أخبرك به، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: فذكره، قال: فجعل (أي معاوية) رجلًا على حوائج الناس. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وإسناده شامي صحيح ووافقه الذهبي. وهو كما قالا، أبو مريم الأزدي صحابي، اختلف في اسمه، ذكره الحافظ في الإصابة (٤/ ١٧٩) وذكر حديثه هذا، والقاسم بن مخيمرة ثقة فاضل، ويزيد بن أبي ممريم وثَّقه ابن معين ودحيم وأبو حاتم وقال أبو زرعة: لا بأس به. * وله طريق أخرى: أخرجها أحمد (٤/ ٢٣١) والترمذي (٣/ ٦١٠) والحاكم (٤/ ٩٤) عن علي بن الحكم حدثني أبو الحسن قال عمرو بن مُرَّة لمعاوية: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة، والخلة والمسكنه، إلا أغلق الله اْبواب السماء، دون خلَّته وحاجته ومسكنته" فجعل معاوية رجلًا على حوائج الناس. =
[ ٣٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الترمذي: حديث عمرو بن مرة حديث غريب. وقال الحاكم: صحيح ووافقه الذهبي. لكن فيه: أبو الحسن وهو الجزري قال ابن المديني: مجهول ولا أدري سمع من عمرو ابن مرة أم لا؟ ونقل في التهذيب عن الحكم أنه قال: أبو الحسن هذا اسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن ثقة مأمون (١٢/ ٧٣). والحديث يتقوى بما قبله. وللحديث شاهد من حديث معاذ، أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٨ - ٢٣٩) مرفوعًا بنحوه. وفيه شريك القاضي، وحديثه حسن في المتابعات. وذكره الهيثمي في المجمع (٥/ ٢١٠) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله أحمد ثقات.
[ ٣٣٠ ]