٣٢٤ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إنَّ العَبْد إذا قَامَ في الصَّلاةِ فإنَّه بينَ عَيْنَي الرَّحْمنَ جلَّ اسْمه، فإذَا التَفَتَ قَالَ له الرَّبُّ جَلَّ اسْمه: يا ابن آدم إلى مَنْ تَلْتَفِتُ؟ إلى خيرٍ لك مني! أَقْبِلْ إليَّ أَنَا خَيرٌ لَكَ مِمنْ تَلْتَفِتُ إليه" (^١).
اعلم أنَّه غيرُ ممتنعٍ حملُ الخبر على ظاهره، في إثبات "عينين" هما صِفتانِ زائدتان على البصر والرؤية، ليستا بجارحتين، والوجه في ذلك أنَّ الله تعالى وَصَف نفسه بذلك بقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]. وقال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]. ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨].
وقول النبي -ﷺ-: "الدَّجَّال أَعْور وإنَّ رَبكم ليس بأَعْور" (^٢).
_________________
(١) أخرجه البزار (١/ ٥٥٣ - زوائد) عن إبراهيم بن يزيد عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا به، لكن فيه: "بين يدي الرحمن" بدل: "بين عيني الرحمن" قال البزار: رواه طلحة بن عمرو عن عطاء عن أبي هريرة موقوفًا. وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ٨٠) وقال: رواه البزار وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو ضعيف. ورواية طلحة بن عمرو عن عطاء لم أقف عليها.
(٢) تقدم تخريجه. وهو دليل واضح على غثبات صفة العينين، فإن العور نقصٌ، وقد نفاه الرسول -ﷺ- عن ربه تعالى، وكل نفي في الكتاب والسنة فإنما هو لثبوت كمال ضده، كما هو مقررٌ في محله من كتب العقيدة. وقد أثبت هذه الصفة أئمة من السلف، مننهم: الدارمي عثمان بن سعيد، فقد قال في "النقض" (ص ٤٨): "في تأويل قول رسول الله -ﷺ-: "إنَّ الله ليس بأعور" بيان أنه بصير ذو عينين خلاف الأعور". وقال ابن خزيمة في التوحيد (ص ٤٢) بعد أن ذكر الآيات التي ساقها المصنف هنا: "فواجب على كلِّ مُؤمن أنْ يُثبت لخالقه وبارئه ما أثبتَ الخالق البارئ لنفسه من "العين"، =
[ ٣٩٢ ]
٣٢٦ - وروي: "أنَّ مَلِكًا كان في بني إسرائيل فَفُرِشَت له النساء فجعل يمشي على صدورهن، فبينما هو على صدر امرأة منهن إذْ رَفَعَت رأسَها إلى السَّماء فقالت: اللهم إنَّ هذا بعينك، فقال الله تعالى: عليَّ تَمَرَّدْ يا أَرْضُ خُذِيه، قال: فَخَسَفت به الأرض والناسُ يَنظرون".
٣٢٧ - وروى عبد الله في كتاب "السُّنَّة" بإسناده: عن ابن عباس: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]. قال: بعين الله -﷿- (^١).
_________________
(١) = وغير مؤمن من ينفي عن الله ﵎ ما قد ثبتَّه في مُحكم تنزيله، ببيان النبي -ﷺ- الذي جعله الله مبينًا عنه -﷿- في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فبيَّن النبي -ﷺ- أن لله "عينين" فكان بيانه موافقًا لبيان محكم التنزيل، الذي هو مسطورٌ بين الدّفتين، مقروءةً في "المحاريب والكتاتيب". ثم ذكر حديث أبي هريرة الذي ساقه المصنف في الفصل قبل السابق (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات) وحديث الدَّجَّال.
(٢) لم أجده في المطبوع، وقد أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢١) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٣١٣) م عن حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس -﵄- ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قال: بعين الله ﵎. وسنده في ضعف، من أجل عطاء بن أبي مسلم الخراساني. وعزاه السيوطي في "الدر" (٤/ ٤١٨) إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وفيه قال: بعين الله ووحيه. وقد فسَّر ابن جرير الآية كذلك فقال: "وقوله ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ يقول: بعين الله ووحيه كما يأمرك" ولم يذكر غيره. وليس تفسير من فسَّر الآية ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ بمرأى منَّا، وبحفظنا وكلاءتنا بغلط، بل هو تفسير صحيح، فقد فسَّره كذلك البغوي في تفسيره (٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠) نقلًا عن ابن عباس وابن كثير (٢/ ٤٤٤)، ولا يخالف ذلك القول بأن الله تعالى "عينًا" فهذه الآية والآيات السابقة نصٌ في إثباتها، إذْ لو لم تكن لله عين لَمَا وصف نفسه بذلك، وقد صرَّح لنبيه -﵇- أنه يحفظه بعينه. وللدارمي -﵀- في "النقض" كلامٌ جيد هنا، فقال في (ص ١٩٠ - ١٩١): "فيقال لهذا المعارض: أما ما ادعيت أن قومًا يزعمون أن لله عينًا، فإنَّا نقوله، لأنَّ الله تعالى قاله، ورسوله قاله، وأما جارح كجارح العين من الإِنسان على التركيب، فهذا كذبٌ ادَّعيته علينا عمدًا! لما أنك تعلم أن أحدًا لا يقوله، غير أنك لا تألُوا ما شَنَّعت؛ ليكون أنجع لضلالك في قلوب الجهال، =
[ ٣٩٣ ]
فإن قيل: قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] أيْ، بمرأى منِّي وبمشهدٍ مني، وقيل فيه: بحفظي وكلائتي، وكذلك قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]. أي بحفْظِنا وكلائتنا.
وقيل بمرآى ومشاهدةٍ منَّا، وكذلك قوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. وكذلك قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
وقيل: المراد به أعينُ الماء التي أخرجها من الأرض، وكذلك قول النبي -ﷺ- في المُصلِّي: "بين عيني الرحمن" أي: بحفظه وكلائته، ومعناه: أنَّ الله حافظٌ للمصلي، ألا ترى أنَّه قال: أنا خيرٌ لك ممن تلتفت إليه.
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّ الله تعالى كان رائيًا له، ومُشَاهِدًا له قبل جريان الفلك، وقبل طَرْحِه في اليَمِّ، وكذلك كان حافِظًا وكالِئًا قبل وجود الجَرَيان، وطرحه في اليم، بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]. فتبيَّن أنَّ كلائته لنا بالليل والنهار.
* * *
_________________
(١) = والكذب لا يصلح منه جدًّ ولا هزل، فمن أي الناس سمعت أنه قال: جارحٌ مركب؟ فأشر إليه، فإن قائله كافر! فكم تقرر قولك جسم مركب، وأعضاء وجوارح وأجزاء، كأنك تُهوِّل بهذا التشنيع علينا، أن نكفَّ عن وَصْفِ الله بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به الرسول!! ونحن وإن لم نصف الله بجسمٍ كأجسام المخلوقين، ولا بعضو ولا بجارحة، لكنَّا نصفه بما يغيظك من هذه الصفات التي أنت ودعاتك لها منكرون، فنقول: إنه الواحد الأحد، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ذو الوجه الكريم، والسمع السميع، والبصر البصير، نور السماوات والأرض ثم قال: وأما تفسيرك عن ابن عباس فمعناه الذي ادَّعينا، لا ما ادعيت أنت، يقول: بحفظنا وكلاءتنا بأعيننا، لأنه لا يجوز في كلام العرب أن يوصف أحد بالكلاءةِ إلا وذلك من ذوي الأعين، فإنْ جهلت فسمِّ لنا شيئًا من غير ذوي الأعين يوصف بالكلاءة، وإنما أصل الكلاءة من أجل النظر، وقد يكون الرجل كالثًا من غير نظر، ولكنه لا يخلو أن يكون من ذوي الأعين، وكذلك قولك: عين الله عليك، فافهم! ".
[ ٣٩٤ ]