٢٩٦ - أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَاتَ، ولا يَقْبَل مِنْها إلا الطَّيِّب، فَيَأْخُذها بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيها كما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّه أو فَصيلَه" (^١).
_________________
(١) إسناده حسن، أخرجه بلفظ مقارب الترمذي (٣/ ٦٦٢): عن عبَّاد بن منصور حدثنا القاسم بن محمد قال: سُمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله -ﷺ-: "إنَّ الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيُربِّيها لأحدِكم كما يُربي أحدُكم مُهرَه، حتى إنَّ اللقمةَ لتصيرُ مثلَ أُحُد" وتصديق ذلك في كتاب الله -﷿-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ و﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح. وقد روي عن عائشة عن النبي -ﷺ- نحو هذا. قلت: وإسناده حسن، عباد بن منصور صدوق وكان يدلس، لكنه قد صرَّح هنا. وصححه المنذري في الترغيب (٢/ ٣). وحديث عائشة رواه ابن حبان في صحيحه (٨١٩ - زوائد) والطبراني، وقال الهيثمي (٣/ ١١١): رجاله رجال الصحيح. * وله طريق أخرى: رواها البزار (١/ ٩٣١ - زوائد) وقال الهيثمي (٣/ ١١٢): ورجاله ثقات. ويشد للحديث ما بعده. * فائدة: قال الترمذي عقب تخريجه لهذا الحديث: وقد قال غيرُ واحدٍ من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبُه هذا من الروايات، من الصِّفات، ونزول الربِّ ﵎ كلٍّ ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تُثبت الروايات في هذا ويُؤْمَنُ بها ولا يُتَوهَّمُ، ولا يقال: كيف؟ هكذا رُوي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: امرُّوها بلا كيف، وهكذا قولُ أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهميةُ فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه. وقد ذكر الله -﷿- في غير موضع من كتابه: اليدَ والسَّمعَ والبصرَ، فتأوَّلت الجهمية هذه الآيات ففسرُّوها على غير ما فسَّرَ أهلُ العلم، وقالوا: إنَّ الله لم يخلُق آدمَ بيده، وقالوا: إن معنى اليد ههنا القُوة. =
[ ٣٥٢ ]
وفي لفظ آخر قال: "مَنْ تَصَدَّق بِتَمْرةٍ مِنْ كَسْبِ طَيَّبٍ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي مَوْضِعِها، أَخَذَها الله بِيَمِينِهِ، فَلمْ يَزَلْ يُرَبِّيها كما يُرَبِّي أَحَدُكُمَ فَلُوَّهُ، حَتَّى تكونَ مَثْلَ الجَبَل أو أَفْضَل" (^١).
وفي لفظٍ آخر: "إنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ بِيَمنِهِ، ولا يَقْبَلُ مِنها إلا مَا كَانَ طيِّبًا، وإنَّ الله لَيُرَبيِّ لأَحَدِكُم صَدَقَته، كما يُرَبيِّ أَحَدُكُم مَهْرَهُ أو فَصِيلَه حَتَّى يُوافي بها يومَ القيامةِ وهي أَعْظَم من أُحُد" (^٢).
_________________
(١) = وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التَّشبيه إذا قال: يدٌ كيدٍ، أو مثلَ يدٍ، أو سمعٌ كسَمعٍ أو مثل سمعٍ، فإذا قال: سمعٌ كسمعٍ أو مثل سمعٍ فهذا التشبيه. وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يدٌ وسمعٌ وبَصَرٌ، ولا يقول كيفَ، ولا يقولُ مثل سمعٍ ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ اهـ كلامه -﵀- تعالى. وهو كلام نفيس، جارٍ على قانون السلف رحمهم الله تعالى، من إمرار آيات الصفات وأحاديثها، وإثبات معانيها، وعدم التعرض لها بالتكييف أو التشبيه أو التأويل والتحريف.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٢/ ٣٣١) والبخاري تعليقًا (٣/ ٢٧٨) (١٣/ ٤١٥) عن عبد الله بن دينار عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة به ولفظه مقارب للفظ السابق. ورواه البخاري في الموضعين السابقين موصولًا، ومسلم في الزكاة (٢/ ٧٠٢) من طرقٍ عن أبي صالح عن أبي هريرة به. ورواه مسلم (٢/ ٧٠٢) والترمذي (٣/ ٦٦١) والنسائي (٥/ ٥٧ - ٥٨) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٦١، ٦٣) عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن سعيد بن يسار به، ولفظه: قال رسول الله -ﷺ-: "ما تصدَّق أحدٌ بصَدقةٍ من طيِّب، ولا يقبل الله إلا الطيِّبَ، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإنْ كانت تمرةً، فتربُوا في كَفِّ الرحمنِ، حتى تكون أعظم من الجبل، كما يُربِّي أحدكم فَلُوّه أو فَصيله". وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة انظر "التوحيد" لابن خزيمة (ص ٥٩ - ٦٣). معنى: فتربو، أي: تزيد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، فلوه أو فصيله: الفلو المهر، سُمِّي بذلك لأنه فُلي عن أمه، أي: فصل وعزل، والفصيل ولد الناقة إذا فصل من إرضاع أمه.
(٣) انظر ما سبق.
[ ٣٥٣ ]
٢٩٧ - وفي حديث آخر: رواه ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "تَصَدَّقُوا فإنَّ أَحَدَكم يُعْطي اللُّقْمة أو الشَّيء، فَيَقَع في يد الله تعالى قبلَ أنْ تَقَعَ في يَدي السَّائل، ثُمَّ تَلَى هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]. فيُربِّيها كما يُرَبيِّ أَحدكُم مَهْرَهُ أو فَصِيله، فيُوفِّيها إيَّاهُ يومَ القيامة" (^١).
اعلم أنَّه غيرُ ممتنع حملُ الخَبَر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحق، لأنَّا لا نُثْبتْ "كفًّا" (^٢) هُو جارحة ولا بَعض، بل
_________________
(١) ذكره بهذا اللفظ دون الآية، الديلمي في "الفردوس بمأثور الخطاب" (٢/ ٥٢). وأخرج الطبراني في "الكبير" (١١/ ٣٢٠/ ١٢١٥٠) قال حدثنا محمد بن أبان الأصبهاني ثنا الحسين بن محمد بن شيبة الواسطي ثنا يزيد بن هارون أنا شريك عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس رفعه قال: "ما تقصت صدقةً من مالٍ قط، وما مدَّ عبدٌ بصدقةٍ إلا أُلقيتْ في يد الله قبل أن تقع في يدِّ السائل، ولا فتح عبدٌ بابَ مسألةٍ له عنها غنىَ، إلا فتح الله عليه بابَ فقر". ذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ١١٠) وقال: وفيه من لم أعرفه! قلت: وفيه ضعيفان يزيد بن أبي زياد وهو القرشي الهاشمي، وشريك القاضي، ولا أدري لِمَ لم يُعل الحديث بهما؟! * وله شاهد من حديث ابن مسعود موقوفًا، أخرجه ابن المبارك في الزهد (ص ٢٢٧ - ٢٢٨) ومن طريقه الطبراني في الكبير (٩/ ١٠٩/ ٨٥٧١) واللالكائي (٣/ ٤٢٠) عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن عبد الله بن قتادة المحاربي عن عبد الله قال: ما تصدق رجلٌ بصدقة إلا وقعت في يد الرب قبل أن تقع في يد السائل، وهو يضعها في يد السائل، قال: وهو في القرآن فقرأ عبد الله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾. وأخرجه الدارمي في النقض (ص ٣٦) عن شعبة عن عبد الله بن السائب به. وذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ١١١) وقال: وفيه عبد الله بن قتادة المحاربي ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله ثقات.
(٢) كذا قال! ولم يسق فيما تقدم اللفظ الذي فيه لفظ "الكف"، وهو ثابت كما سبق في رواية مسلم وغيره " … فَتَربُو في كَفِّ الرَّحْمن".
[ ٣٥٤ ]
نثطلق كفًا هو صفةٌ كما أطلقنا يدين ووجهًا وعينًا وسمعًا وبصرًا وذاتًا، كذلك لا يمتنع إطلاق ذلك في الكَفِّ، ويكون فائدة الخبر الترغيب والحث في الصَّدقة، وأنَّها مما يَجَبُ أنْ يُقصد بها الطَّيب من المال، لحصولها في كَفِّ الرحمنِ، وأنه لا يقبل منا إلا الطَّيب.
فإن قيل: معنى الكفِّ ها هنا: المُلكُ والسُّلطان، فيكون تقديره يقع في ملكه وسلطانه، قال الأخْطَل (^١):
أَعَاذِلَ إنَّ النَّفْسَ في كَفِّ مَالكٍ … إذا ما دَعَا يومًا أجَابَتْ به الرسلا
وكان عمر -﵁- يُنشد كثيرًا هذين البيتين:
هَوَّن عليكَ فإنَّ الأَمورَ … بكفِّ الإلهِ مَقادِيرها
فليس بآتِيكَ مَنْهِيُّهَا … ولا قَاصِرٌ عنكَ مَأمُورُها (^٢)
وهذا مستعمل في كلامهم: فلان في كفي، يُريدون بذلك يَجْري عليه أمري، وربما قيل المراد بالكف: الأثرُ والنِّعمة، ومعناه تقع منكم بنعمةٍ من الله وتوفيقه إياكم لفعلها، ومنه قول ذي الإصبع (^٣):
_________________
(١) هو الأخطل التغلبي النصراني، واسمه غياث بن غوث بن الصلت. قيل للفرزدق: من أشعر الناس؟ قال: كفَاكَ بي إذا افتخرت، وبجرير إذا هجا، وبابن النصرانية إذا امتدح، وقد حصَّل أموالًا جزيله من بني أمية، ومات قبل الفرزدق بسنوات. انظر: المؤتلف والمختلف (ص ٢١)، الشعر والشعراء (٣٩٣)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٨٩).
(٢) أخرجه البيهقي في "الأسماء" (ص ٣٣٢) عن حماد بن عمرو الأسدي عن حماد بن ثلج عن ابن مسعود قال: كان عمر بن الخطاب -﵁- كثيرًا ما يخطب: أن يقول على المنبر، فذكر البيتين وفيه: خفض عليك، بدل: هون عليك، وفيه: حماد بن ثلج لم أجد له ترجمة!
(٣) هو ذو الإصبع العَدواني واسمه حرثان بن حارثة بن محرث، ويقال: الحارث بن ثعلبة بن ضرب، وقيل له: ذو الإصبع، لأنَّ أفعى ضربت إبهام رجله فقطعها، وهو أحد حكماء الشعراء، عمر دهرًا، وهو القائل: يا عمرو إلا تَدَع شتمي ومَنقصتي … أضربك حيث تقول الهَامَة اسْقُوني انظر "المؤتلف والمختلف" لأبي القاسم الآمدي (١١٨).
[ ٣٥٥ ]
زَمَانٌ به لله كفٌّ كريمة … علينا ونعمًا لهن بَشير
أرادَ بذلك نعمة ظاهرة لله -﷿- فيه (^١).
قيل: هذا غلطٌ، لأنه ليس شيءٌ من الأشياءِ خارجٌ عن ملكه وسُلطانه، ومن نفى ذلك كفر، وكذلك جميع الطَّاعات تقع بنعمةٍ من الله وتوفيقه، وإذا كان كذلك، فلا فائدة في تخصيص الصَّدقة بالنِّعمة وغيرها من الطاعات من جُملة نِعَمِه، وكذلك لا فائدة في تخصيص الصَّدقة بالمُلْكِ والسُّلطان وغيرها في ملكه وسلطانه، فوجب حمل الخبر على ظاهره، وما قاله الشاعر فهو على طريق المجاز، لأنَّ الحقيقة في هذه التَّسمية خِلافُ ذلك، ولا يَجوز إضافة المَجَازِ إلى صفات الله، لانَّ المجاز لا حَقيقة له.
فإن قيل: كيف يصح حمله على ظاهره، والصَّدقة من جُملة المُحْدَثات، والمحدثات لا تلاقي القديم!.
قيل: كما صَحَّ حمل قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. على ظاهره وإنْ كان آدم من جملة المُحدثات، كذلك ها هنا لا يمتنع حمل (^٢) ذلك على ظاهره
_________________
(١) كذا تأوله ابن فورك في "مشكل الحديث" (ص ٩١ - ٩٢). وتأوله ابن الأثير في "النهاية" (١٨٩ - ١٩٠) بالقبول للصدقة! قال: "هو كناية عن محل قبول الصدقة! فكأن المتصدق قد وضع صدقته في محل القَبُول والإثابة، وإلا فلا كف لله ولا جارحة! تعالى الله عما يقول المشبهون عُلوًا كبيرًا! ". وبنحوه قال المازري في كتابه "المعلم بفوائد مسلم" (٢/ ٢٥) ونقله النووي في شرحه (٧/ ٩٨) ونقله عن عياض أيضًا. كذا قالوا!! والحديث النبوي قد نطق بإثبات الكف للرحمن جلَّ شأنه، فتأويلهم باطل لا مستند له من الحديث ولا غيره. وقد ردَّ عليهم المصنف ها هنا، وانظر ما تقدم في إثبات اليمين في (الجزء الأول/ ١٦٨).
(٢) في الأصل: حمله، وليس بمستقيم.
[ ٣٥٦ ]
على وجه لا يقتضي الملاقاة (^١) كما قلنا في خلق آدم.
٢٩٨ - وفي معنى هذا الحديث: ما ناه أبو القسم نا محمد بن عبد الرحمن بن العباس البزاز نا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري نا أحمد بن يوسف ابن خلد التغلبي نا صفوان بن صالح نا الوليد بن مسلم قال حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ما مِنْ دَمْعَةٍ تَقَعُ من عَين يَتيم، إلا وَقَعت في كَفِّ الرحمن، وذلك أنْ لا يظلمه ولا يُؤذيه في غير حق" (^٢).
* * *
_________________
(١) قوله: "على وجه لا يقتضي الملاقاة" سبق القول فيه، وأنَّه نفي لم يأت به نص، وأن الصواب خلافه. انظر (الجزء الأول/ ص ٢٠٦ - ٢٠٨).
(٢) لم أجد من خرَّجه. وإسناده هنا: مرسل ضعيف، فإن ضمرة بن حبيب وهو الزبيدي أبو عتبة الحمصي، ثقة من أواسط التابعين تقريبًا، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، ضعيف وكان قد سُرق بيته فاختلط، قاله الحافظ.
[ ٣٥٧ ]