٣٢٨ - ناه أبو القسم بإسناده: عن ابن عمر أنَّ النبي -ﷺ- رأى نُخَامةً في قِبْلة المسجد وهو يُصلي، فلما انصرف أَخَذَ عُودًا فاتاها فَحكَّها، ثم قال: "يَا أيُّها النَّاسُ إنَّ أَحَدَكُم إذا كان في صَلاتِهِ، فإنَّه يُوَاجِهُ رَبَّه جَلَّ اسْمُهُ، فلا يَتَنخَّمَنَ أحَدٌ في قِبْلَتِهِ، ولا عَنْ يَمينِهِ" (^١).
٣٢٩ - وفي لفظٍ آخرٍ: رواه أنس عن النبي -ﷺ- قال: "إنَّ العبْد إذا قَامَ يُصلِّي فإنَّما يُنَاجِي رَبَّه جلَّ اسْمُهُ، فيما بَينه وبينَ القِبْلةِ" (^٢).
٣٣٠ - وفي لفظٍ آخر: رواه ابن عمر عن النبي -ﷺ-: "إنَّ أَحَدَكُم إذا صلَّى فإنَّ الله قبلَ وجْهِهِ".
وفي لفظٍ آخر: "إنَّ الله قِبَلَ وجْهِ أحَدِكم، إذا كان في الصلاة" (^٣).
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ "فإنه يواجه ربه" وأقرب الألفاظ إليه ما أخرجه أحمد (٢/ ٣٤) ثنا عبد الرزاق ثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: صلَّى رسول الله -ﷺ- في المسجد فرأى في القبلة نخامة، فلما قضى صلاته قال: "إنَّ أحدكم إذا صلى في المسجد فإنه يُناجي ربَّه، وإنَّ الله ﵎ يستقبله بوجهه، فلا يتنخمنَّ أحدُكم في القبلة ولا عن يمينه" ثم دعا بعودٍ فحكَّه ثم دعا بخَلُوقٍ فخضبه" وأخرجه البخاري (٢/ ٢٣٥) تعليقًا. وإسناده صحيح، وسيأتي مزيد من تخريجه من حديث ابن عمر بنحوه.
(٢) أخرجه البخاري في الصّلاة (١/ ٥٠٧ - ٥٠٨، ٥١٠، ٥١١، ٥١٣) (٣/ ٨٤) ومسلم في المساجد (١/ ٣٩٠) عن قتادة وحميد عن أنس مرفوعًا به، واللفظ تقريبًا للبخاري في الموضع الأول، وتمامه: "فلا يبزقنَّ أحدُكم قِبَلَ قِبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدميه" ثم أخذ طرفَ رِدائه فبصق فيه، ثم ردَّ بعضه على بعض فقال: "أو يفعل هكذا".
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٧٢) والبخاري (٢/ ٢٣٥) ومسلم (١/ ٣٨٨) ولم يسق لفظه وابن ماجه (٧٦٣) عن الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا ولفظه: "إنَّ أحدكم إذا كان في الصلاة فإنَّ الله قِبَلَ وجهه، فلا يَتَخَمنَّ أحدٌ قبل وجهه في الصلاة". وأخرجه البخاري (١/ ٥٠٩) ومسلم (١/ ٣٨٨) عن مالك بن نافع عن ابن عمر مرفوعًا ولفظه: "إذا كان أحدُكم يصلي فلا يَبصُقْ قبل وجهه، فإنَّ الله قِبَلَ وجهه إذا صلى". =
[ ٣٩٥ ]
٣٣١ - وفي حديث آخر: رواه أبو ذر قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا يَزَالُ الله جلَّ اسْمُهُ مُقبِلًا على العَبْدِ ما لم يَلْتَفِتْ، فإذا التَفَتَ انصرفَ عنه".
وفي لفظ آخرٍ قال: "إذا لينصرف (^١) وجهه عنه".
وفي لفظ آخر قال: "إذا التَفَتَ أَعْرَضَ عنه" (^٢).
اعلم أنَّ الكلام في فصلين:
أحدهما: قوله: "إن الله قبل وجهه ومواجهه".
والثاني: في الإعْرَاض.
أما الأول فغير ممتنعٍ حَمْلُه على ظاهره، إذْ ليس في ذلك ما يُحيل صفاته، لأنَّ ذلك لا يوجب الجهة في حَقِّه، كما لم يُوجب الجهة في القول بجواز رؤيته في الآخرة، وإنْ كُنَّا نعلم في الشاهد أنَّ المَرْئِي لا يكون إلا في جهة كذلك ها هنا، وفي هذا إسقاطٌ لقولهم أنَّ وَصفه بذلك يُفضي على الجِهَةِ والمحاذاة والمقابلة، لأنَّه لا يُفضي إلى ذلك، كما لم يُفض هذا القول إلى القو بجواز رؤيته، وفي القول بالإِستِواء على العرش (^٣).
_________________
(١) = وأخرجه أحمد (٢/ ٦، ١٤١) والبخاري (٣/ ٨٤) ومسلم (١/ ٣٨٨) ولم يسق لفظه والدارمي في سننه (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥) عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا بنحوه. وأخرجه البخاري (١٠/ ٥١٧) عن جُويرية عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا ولفظه: "إنَّ أحدَكم إذا كان في الصلاة فإنَّ الله حِيَالَ وجههِ، فلا يتنخمنَّ حِيال وجهه في الصلاة". وأخرجه أحمد (٢/ ٢٩، ٥٣) ومسلم (١/ ٣٨٨) ولم يسق لفظه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا به. وأخرجه أحمد (٢/ ٩٩) عن ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا به.
(٢) كذا في الأصل! ولعله: "فإذا صرف وجهه انصرف عنه" وهي رواية أحمد.
(٣) سبق تخريجه والكلام عليه في (الجزء الأول/ ٢٦٣).
(٤) نفي الجهة من الألفاظ المحتملة التي تحتمل الحق والباطل، وقد سبق الكلام على ذلك في أول الكتاب. =
[ ٣٩٦ ]
فإن قيل: معناه ثوابُ الله يَنْزل على هذا المصلي قِبَلَ وجهه وكرامته، ومثله قول النبي -ﷺ-: "يجيء القُرْآنُ بينَ يَدَي صَاحِبِه يومَ القِيامة" (^١).
_________________
(١) = والحديث حقٍّ على ظاهره، وأنه سبحانه فوق العرش وهو قِبَلَ وجه المصلي، فإن الإنسان لو أنَّه يناجي السماء أو يناجي الشمس والقمر، لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت أيضًا قبل وجهه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- بعد أن ذكر الحديث وحديث أبي رزين المشهور، قال: "ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وخاطبه -إذا قدر أن يخاطبه- لا يتوجَّه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه، فهو مستقبلٌ له بوجهه مع كونه فوقه، ومِنَ الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصدِه التامِّ له، وإن كان ذلك ممكنًا، وإنما يفعل ذلك من ليس مقصوده مخاطبته، كما ليسمع هو الخطاب، فأما مع زوال المانع فإنما يتوجه إليه. فكذلك العبد إلى قام إلى الصلاة، فإنه يستقبل ربَّه وهو فوقه، فيدعوه من تلقائه لا من يمينه ولا من شماله، ويَدعوه من العلو لا من السفل، كما إذا قُدِّر أنه يخاطب القمر. وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: "لينتهين أقوامٌ عن رفع أبصارهم في الصَّلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم" واتفق العلماء على أن رفَع المصلي بصره إلى السماء منهيٌّ عنه، فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلًا للفطرة، لأنَّ الداعي السائل الذي يُؤمر بالخشوع -وهو الذُّل والسكوت- لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحيةِ مَنْ يدعوه ويسأله، بل يناسب حاله الإطراق وغض بصره أمامه". انظر مجموع الفتاوى (٦/ ٥٧٦ - ٥٧٨) (٥/ ١٠٧).
(٢) حديث صحيح، وقد ذكره المصنف بالمعنى، أخرجه الترمذي (٥/ ٢٩١٥) وابن خزيمة كما في الترغيب (٢/ ٣٥٠) - ومن طريقة الحاكم (١/ ٥٥٢) عن عبد الصمد بن عبد الوارث أخبرنا شعبة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ-: "يجيء القرآنُ يومَ القيامة فيقول: يا ربِّ حَلَّة، فيَلْبَسُ تاجَ الكرامة، ثم يقول: يا ربِّ زِدْهُ، فيلبس حُلَّةَ الكرامة، ثم يقول: يا ربِّ إرضَ عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقْرأْ وارقَ وتَزَاد بكل آيةٍ حسنةً". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وعبد الصمد تابعه محمد بن جعفر: أخرجه الترمذي بعد الحديث السابق موقوفًا على أبي هريرة، وقال: وهذا أصحُّ من حديث عبد الصمد عن شعبة. قلت: وذلك لأن عبد الصمد وإنْ كان ثقة في شعبة، لكن محمد بن جعفر المدني البصري =
[ ٣٩٧ ]
أي يجيء ثوابه، ويحتمل أنْ يكون ذلك على معنى الترغيب في إدْمانِ الخشوعِ وإحضارِ القلب حين يشغله ذلك عن غيره (^١).
قيل: هَذا غلطٌ، لأَنَّ ثوابَ الله تعالى وكرامته لا تَختصُّ بالمصلي، ولا يختص تلقاء وجهه، لأنَّها عامة قَبل الصَّلاةِ وبعدها، وأمامه ووراه، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].
* * *
_________________
(١) = المعروف "بغندر" أوثق وأتقن منه في شعبة، قال الحافظ في تهذيب التهذيب: محمد بن جعفر المعروف بغندر صاحب الكرابيس، روى عن شعبة فأكثر، وجالسه نحوًا من عشرين سنة وكان ربيبه، وقال العجلي: بصري ثقة، وكان من أثبت الناس في حديث شعبة، وقال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حَكَمٌ بينهم. (انظر تحفة الأحوذي ٨/ ٢٢٨). والحديث وإن كان موقوفًا فله حكم الرفع، فمثله لا يقال بالرأي، والله أعلم.
(٢) انظر "مشكل" ابن فورك (ص ١٠٧).
[ ٣٩٨ ]
الفصل الثاني
[ ٣٩٩ ]