١٨٤ - ناه أبو القسم عبد العزيز من طرقٍ مختلفةٍ بألفاظٍ مختلفة.
أحدها: عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تَزَالُ جَهَنَّم تقولُ: هل من مزيد؟ قال: فَيُدْلي رَبُّ العِزَّة جَلَّ اسمه فيها قَدَمَهُ، فَيَنْزوي بعضها على بعض، وتقول: قَط قَط بعزتك".
وفي لفظٍ آخر "فَيَضَعُ رَبُّ العِزَّة قَدَمه". وفي لفظ آخر "فيدلي رب العالمين جلَّ اسمه قدمه، قال: فينزوي بعضها إلى بعض" (^١).
١٨٥ - وفي لفظٍ آخر رواه أبو هريرة: أخبرناه أبو القسم قال أنا أبو بكر بن مالك إجازة وقرأته على أبي عنه قال نا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال نا عبد الرزاق بن همام نا معمر نما همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "تَحَاجَّت الجنةُ والنارُ، فقالت النار: أُوثرتُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/ ٥٩٤) (١٢/ ٥٤٥) (١٣/ ٣٦٩) ومسلم (٤/ ٢١٨٧، ٢١٨٨) عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول: هل من مزيد، حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قَطِ قطِ بعزّتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فَضْلٌ حتى يُنشيء الله لها خلقًا، فيُسكنهم فضل الجنة" لفظ مسلم. أما رواية "فيدلي رب العالمين قدمه"، فقد أخرجها مسلم (٤/ ٢١٨٨) والدارمي في "النقض على المريسي" (ص ٦٩) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٨٨، ٩٧) وابن جرير (٢٦/ ١٠٦) من طريق أبان بن يزيد العطار حدثنا قتادة عن أنس مرفوعًا به. وسندها صحيح، أبان بن يزيد ثقة له أفراد، قاله الحافظ فلعل هذه الرواية من أفراده، فإن عامة من روى الحديث قال: يضع. وقال الشيخ الهراس ﵀ في تعليقه على هذه الرواية: لعل هذه رواية بالمعنى، فإن أغلب الروايات بلفظ "يضع" وهو -أي التدلي- معنى صحيح فإنه الالتقاء من علو إلى سفل، ولا شك أن النار في أسفل مكان، والله هو العلي الأعلى جل شأنه. اهـ
[ ٢٣٠ ]
بالمتكبِّرين والمُتجبِّرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضُعفاءُ الناس وسفلهم، فقال الله ﷿ للجنة: إنما أنت رحمة أرحمُ بك من أشاءُ من عبادي، وقال للنار: [أنت عذابي] (^١) أعذبُ بك من اشاءُ من عبادي، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلْئُها، فأما النارُ فلا تمتلئ حتى يَضَعَ الله رجله فيها تقول: قط قط أي حسبِي، هنالك تمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله تعالى من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله يُنشئ لها خلقًا" (^٢).
١٨٦ - وفي لفظ آخر "لا تزالُ جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يَضَعَ الجبار جل اسمه قدمه فيها، فتقول: قط قط يعني: حسبي حسبي" (^٣).
وفي لفظ آخر "فيضعُ الله تعالى قَدَمه فيها فتقول: قط قط لكرمك (^٤) وعظمتك".
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٤٢٢ - ٤٢٣) وأحمد (٢/ ٣١٤) والبخاري (٨/ ٥٩٥) ومسلم (٤/ ٢١٨٦ - ٢١٨٧) عن معمر به. وله طرق أخرى عن أبي هريرة، انظر المسند (٢/ ٢٧٦، ٤٥٠) والبخاري (١٣/ ٤٣٤) ومسلم (٤/ ٢١٨٦).
(٣) حسن، أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (ص ٩٢) حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور السليمي حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى السلمي حدثنا هشام -وهو ابن حسان- عن محمد -وهو ابن سيرين- عن أبي هريرة مرفوعًا: اختصمت الجنة والنار … " وفيه: حتى يضع الجبار فيها قدمه … " وليس فيه: قط قط يعني: حسبي حسبي. قلت: وإسناده حسن، إسماعيل بن بشر، صدوق تكلم فيه للقدر. والحديث أخرجه الدارقطني في الصفات (ص ٣٢) عن محمد بن سيرين به بلفظ: لا تزال جهنم … حتى يضع الجبار ﵎ فيها قدمه. وعزى الحافظ في الفتح (٨/ ٥٩٥) زيادة: حسبي حسبي لعبد الرزاق، ولم أجدها في مصنفه، فالظاهر أنها في تفسيره.
(٤) في الأصل: لكرْمك، وهو خطأ.
[ ٢٣١ ]
١٨٧ - وفي لفظ آخر "فلا تمتلئ حتى يَضَعَ الله قدمه فَتقول: قط قط قط، فهنالك تمتليء ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يَظلم الله تعالى أحدًا من خلقه" (^١).
١٨٨ - وفي حديث آخر رواه أبو سعيد الخدري "فيضعُ الله قدمه عليها فتُزوى وتقول قدني قدني" (^٢). وقد ذكر أبو الحسن الدارقطني هذا الحديث من
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة (ص ٩٣ - ٩٤) عن يونس عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- به. وأخرجه (ص ٩٤) بالطريق التي تقدمت برقم (٢). وفي كلا الطريقين تكررت "قط" ثلاث مرات.
(٢) صحيح، أخرجه أحمد (٣/ ١٣، ٧٨) وابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٢٣٣) والدارمي في "النقض" (ص ٦٩ - ٧٠) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٩٣، ٩٤، ٩٨) والدارقطني في الصفات (ص ٣١، ٣٤) عن حماد عن عطاء بن السائب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -ﷺ- قال: "افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: أي رب يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين، فيقول الله ﵎ للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها، فيلقى في النار أهلها فتقول: هل من مزيد، قال: ويلقي فيها وتقول: هل من مزيد، ويلقي فيها وتقول: هل من مزيد، حتى يأتيها ﵎ فيضعُ قدمه عليها فتزوى وتقول: قدي قدي، وأما الجنة فيبقى فيها أهلها ما شاء الله أن يبقى، فينشئ الله لها خلقًا ما يشاء". وفي رواية ابن خزيمة (ص ٩٨): وتقول: قدني قدني. والحديث فيه: عطاء بن السائب وقد اختلط، وحماد بن سلمة ممن روى عنه قبل الاختلاط وبعده كما في "الكواكب النيرات" (ص ٣٢٢ - ٣٣١). ورواه ابن خزيمة (ص ٩٥) عن جرير عن عطاء بن السائب به لكن قال: عن أبي هريرة! والظاهر أنه من اختلاط عطاء، فإن جرير أيضًا ممن روى عن عطاء بعد الاختلاط. لكن يشهد للحديث ما أخرجه أحمد (٣/ ٧٩) ومسلم (٤/ ٢١٨٧) عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله -ﷺ- "احتجت الجنة والنار" فذكر نحو حديث أبي هريرة إلى قوله "ولكليكما عليّ ملؤها" ولم يذكر ما بعده من الزيادة.
[ ٢٣٢ ]
طرق وألفاظ مختلفة نحو ما ذكرنا (^١).
وقد ذكر البخاري ومسلم "القدم" في الصحيحين جميعًا (^٢).
_________________
(١) انظر كتاب الصفات للدارقطني (ص ٢٦ - ٣٥).
(٢) في الأحاديث السابقة إثبات صفة "الرجل" و"القدم" لربنا ﵎، وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها. فقد روى الترمذي في سننه (٤/ ٦٩٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم … " وفيه "ويبقى أهل النار فيُطرح منهم فيها فوج، ثم يقال: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ ثم يطرح فيها فوج فيقال: هل امتلأتِ؟ فتقول: هل من مزيد؟ حتى إذا أَوْعَبُوا فيها وضع الرحمن قَدَمه فيها، وأزوى بعضها إلى بعض، ثم قال: قط، قالت: قَطْ قَطْ … " الحديث، وإسناده حسن. ثم قال الترمذي: وقد روي عن النبي -ﷺ- روايات كثيرة مثل هذا ما يُذكر فيه أمر "الرؤية"، أنّ الناس يرون ربهم، وذِكرُ القدم وما أشبه هذه الأشياء. والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل: سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم، أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا: تُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يقال: كيف؟ وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الأشياء كما جاءت، ويُؤْمَنُ بها ولا تُفسِّر ولا تُتَوهم، ولا يقال كيف؟ وهذا أمرُ أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه. اهـ وقال ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٩٠): باب ذكر إثبات الرَّجْل" لله ﷿. وإن رغمت أنوف المعطلة الجهمية الذين يكفرون بصفات خالقنا ﷿ التي أثبتها لنفسه في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه المصطفى -ﷺ-، قال الله ﷿ يذكر ما يدعو بعض الكفار من دون الله ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ (١٩٥)﴾ [الأعراف: ١٩٥]. اهـ. وهذا هو مذهب سلف الأمة في هذه الصفة وغيرها من الصفات، أن نؤمن بها كما جاءت من غير ين نُبدِّل معانيها أو نحرّفها أو نعطلها، ولو عرف لها السلف غير معانيها الظاهرة لتكلموا بها وجرت على ألسنتهم. وقد تهجم إمام الجهمية في هذا العصر الكوثري -عليه من الله ما يستحق- على تبويب ابن خزيمة السابق فقال في تعليقه الآثم على كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص ٣٥١): وكلمة ابن خزيمة في التوحيد (باب إثبات الرجل لله ﷿ وإن رغمت أنوف المعطلة الجهمية) مما يقضي =
[ ٢٣٣ ]
اعلم أنه غير ممتنعٍ حمل هذا الخبر على ظاهره، وأنَّ المراد به "قدم" هو صفة لله تعالى وكذلك "الرجل".
١٨٩ - وقد نص أحمد على ذلك في رواية المروذي وقد سأله عن الأحاديث "يضع قدمه" وغيرها قال: نُمِرَها كما جاءت.
١٩٠ - وقال ابن منصور قلت لأبي عبد الله: "اشتكت النار إلى ربها حتى يضع قدمه فيها" فقال أحمد: صحيح.
١٩١ - وقال أبو بكر الأثرم قلت لأبي عبد الله حَدَّث مُحدث وأنا عنده بحديث "يَضَعٌ الرب ﷿ قدمه" وعنده غلام فأقبل على الغلام فقال: نعم إن لهذا تفسيرًا، فقال أبو عبد الله: انظر إليه كما تقول الجهمية سواء.
١٩٢ - وقال في رواية حنبل قال النبي -ﷺ-: "يضع قدمه" نُؤمنُ به ولا نرّد على رسول الله -ﷺ-.
فقد نصَّ على الأخذ بظاهر ذلك لأنه ليس في حمله على ظاهره ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عمَّا تستحقه، لأنَّا لا نثبت قدمًا جارحة ولا أبعاضًا، بل نثبت ذلك قدمًا صفة، كما أثبتنا يدين ووجهًا وسمعًا وبصرًا وذاتًا، وجميع ذلك صفات، وكذلك القدم والرجل، ولأنَّا لا نصفه بالانتقال والمماسة لجهنم، بل نطلقُ ذلك كما أطلقنا الاستواء على العرش والنَّظر إليه في الآخرة.
وقد احتج أبو بكر بن خزيمة في كتاب "التوحيد" (^١) على إثبات الرجل
_________________
(١) = بمحو اسمه من ديوان العلماء!! إلى أن قال: ومثله لا يلتفت إليه في باب الاعتقاد! فإذا كان ابن خزيمة إمام الأئمة يُمحى اسمه من ديوان العلماء، ولا يلتفت إليه في باب الاعتقاد، فمن يكتب اسمه في ديوان العلماء ويلتفت إليه في باب الاعتقاد، أأنت وأمثالك من الجهمية المعطلة أشباه اليهود والنصارى؟! الذين عطلوا صفات خالقهم حتى كادوا يعبدون عدما!
(٢) التوحيد (ص ٩٠).
[ ٢٣٤ ]
بقوله تعالى ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] وبقول أمية:
رجل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد
وإن رسول الله صدقه فقال: صدق أمية بن الصلت" (^١).
وقد اعترض عليه بعضهم في هذا الدليل، وقال: لو كان التمسكُ بظاهر الآية صحيحًا، لوجب القول بإثبات الأرجل والأيدي والأعين والآذان على وجه الجمع، لأن أرجل اسم جمع، وقد أجمع المسلمون على إنكار ذلك، وكذلك الآذان، قال هذا القائل: فَعُلمَ أنَّ الله تعالى أراد به ردَّ الكافرين عن عبادة الأصنام، قال هذا القائل: فَعُلمَ أنَّ الله تعالى أراد به ردَّ الكافرين عن عبادة الأصنام، وعرَّفهم أنكم تأنفون من عبادة من له رجلٌ يمشي بها ويدٌ يبطش بها وعينٌ يُبصر بها وأذنٌ يسمعُ بها، فكيف تعبدون من ليس له شيء من ذلك، يقرّعهم على عبادة الأصنام التي هي جماد وموتان، ليس لها فعلٌ ولا قُدرةٌ ولا سمعٌ ولا بصر.
وهذا الذي ذكره هذا القائل لا يمنع الاحتجاج بالآية، لأنَّ الدليل قد دلَّ على نفي إثبات هذه الصفات التي هي الأذن وجمع الأرجل فنفيناه، وبقي ما عدا ذلك على ظاهره، وهذه طريقةٌ ظاهرةٌ على أصول الفقهاء، وإنَّ الدليل إذا تناول شيئين فقام الدليل على إسقاط أحدهما، لم يُوجب ذلك إسقاط باقيه، كذلك ها هنا.
فإن قيل: يُحمل قول أمية على أنَّه إنما أراد يمين العرش ويساره.
قيل: هذا غَلَطٌ لوجهين: أحدهما أنَّ صفة اليمين واليسار في حقيقة اللغة إنما يُضاف إلى الذات دون الجمادات.
_________________
(١) صحيح، وقد سبق الكلام عليه عند أحاديث رؤية النبي -ﷺ- لربه ﷿.
[ ٢٣٥ ]
والثاني: أنَّ ها هنا كِناية ومكني، فيجبُ أنْ تَرجعَ إلى المقصود بالذكر هو الله سبحانه، كما لو قال: فلان عن يمين الخليفة، لا ينصرف ذلك إلى غيره.
فإن قيل: معنى القدم ها هنا المتقدم من المشركين يضعه في النار، لأنَّ العرب تقول للشيء المتقدم: قدم، وعلى هذا تأويل قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]. أي أي سابقة صِدْق (^١)، قال وضَّاح اليمن (^٢):
صلِّ لرَبِّك واتخذ قَدَمًا … يُنْجيك يوم العثار والزلل
أراد بذلك ما تقدم من الشرف، وما يفتخر به.
قيل: هذا غلطٌ لوجهين: أحدهما: أنَّ قوله "يضع قدمه" هاءُ كناية، وهاء الكناية ترجع إلى المذكور، والمذكور في الخبر الله سبحانه، وفي لفظٍ آخر "الجبَّار" وفي لفظٍ آخر "رَبُّ العزة"، فوجب أن يرجع إليه، فأمّا المتقدم من الكفار فلم يتقدَّم ذكرهم، فلا يجب رجوع الهاء إليهم.
والثاني: أنَّ هذا يُسقط فائدة التخصيص بالنار، لأنَّ المتقدم بفعل الخير يضعه في الجنة، فلو كان المراد بالقدم المتقدم لم يكن لتخصيصه بالنار فائدة، فوجب حَمْلهُ على ظاهره ليُفيد فائدة.
وأمّا قوله سبحانه ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] فقد روي عن زيد بن أسلم المراد به محمد -ﷺ- (^٣).
_________________
(١) حكاه ابن فورك في "مشكل الحديث" (ص ٤٤) عن النضر بن شميل. وقاله ابن حبان، انظر الإحسان (١/ ٤٢٧ - ٤٢٨) ط الأرنؤوط.
(٢) هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال المعروف بوضَّاح اليمن، من آل خولان من حمير، شاعر رقيق الغزل، عجيب النسيب. توفي نحو ٩٠ هـ. (فوات الوفيات (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٥)، الأعلام (٣/ ٢٩٩).
(٣) ضعيف، أخرجه ابن جرير (١١/ ٥٩) حدثني المثني حدثنا إسحاق حدثنا عبد الله بن الزبير عن ابن عيينة عن زيد بن أسلم به. =
[ ٢٣٦ ]
وقيل: المراد به الثواب، رُوي بذلك عن ابن زيد وغيره (^١).
وإنما حمل القدم هناك على السابق من الرسول والثواب، لأن في ظاهر اللفظ ما دلَّ عليه، وهو قول سبحانه ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢] وإنما قالوا ذلك في الرسول وكذلك قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣] إنما يبشرون بما سبق لهم من الأعمال، فهناك ما دلَّ على أن المراد بالقدم السابقة، وليس في الخبر ما يدلَّ على ذلك، بل فيه ما يدل على خلاف ذلك من الوجه الذي ذكرنا.
فإن قيل: فقد رُوي بكسر القاف: قِدمه، وإذا كان كذلك كان معناه ما ذكرنا من التقدم من المشركين.
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّه لا يُحفظ عن أحدٍ من أصحاب الحديث أنَّه رواه
_________________
(١) = إسحاق هو ابن الحجاج الطاحوني، أورده ابن أبي حاتم (٢/ ٢١٧) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، وشيخ ابن جرير: المثنى وهو ابن إبراهيم الآملي لم أجد له ترجمة.
(٢) أخرجه ابن جرير (١١/ ٥٩) حدثني يونس أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾، قال: القدم الصدق: ثواب الصدق بما قدموا من الأعمال. وابن زيد هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال أبو زرعة: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث، كان في نفسه صالحًا وفي الحديث واهيًا. قلت: وضَعْفُه في الحديث لا يمنع من الأخذ بتفسيره، فإنه كان صالحًا في نفسه كما قال أبو حاتم. وأخرجه ابن جرير (١١/ ٥٩) من قول ابن عباس وسنده تالف. وأخرجه عن مجاهد من وجوه فيها ضعف وانقطاع، تتحسن بمجموعها. وأخرجه من طريقين عن الربيع ابن أنس، وفيهما أبو جعفر الرازي، سيء الحفظ. ثم قال أبو جعفر ﵀: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال معناه: أن لهم أعمالًا صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثواب، وذلك أنه محكي عن العرب: هؤلاء أهل القدم في الإسلام، أي: هؤلاء الذين قدموا خيرًا فكان لهم فيه تقديم، ويقال: له عندي قَدَم صدق وقَدَم سوء، وذلك ما قدم إليه من خير أو شر، ومنه قول حسان بن ثابت -﵁-. لنا القَدَمُ العُليا إليك وخلفنا … لأولنا في طاعةِ الله تابعٌ
[ ٢٣٧ ]
بالكسر، فلا يجوز دعوى ذلك، والذي يدل على بطلانه ما ذكرنا.
فإن قيل: المراد بالقدم ها هنا: خلق من خلق الله تعالى يخلقه الله تعالى يوم القيامة، فَيُسميه: قَدَمَا، ويضعه الله من طريق الفعل والملك يضعه في النَّار فتمتلئ منه.
وقيل المراد: قدم بعض خلقه فأضاف ذلك إليه كما يقال: ضرب الأمير اللص، فيضاف إليه على معنى أنَّه يأمره.
قيل: هذا غلطٌ لما تقدِّم من الوجهين أحدهما: أنَّ هاء الكناية ترجع إلى المذكور المتقدم، والذي تقدم ذكره هو الله سبحانه.
والثاني: أنَّه يُسقط فائدة التخصيص بالنار، لأنه قد ينشئ خلقًا يوم القيامة فيدخلهم الجنة، فتخصيص النار بذلك لا معنى له.
فإن قيل: قوله "فيضُع الجبار" جنس الجبابرة وهم الكفرة المعاندون.
وقيل: المراد به إبليس وشيعته لأنه أول من استكبر، فقال تعالى ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ [ص: ٧٤] (^١).
قيل: هذا غلط، لأنَّا قد روينا في الحديث "يضعُ الله قَدَمه" وفي لفظ آخر، "فيضعُ ربُّ العزَّة قدمه" وهذا صريح في أنَّ المراد بالجبار هو الله ربُّ العزة.
وجوابٌ آخر: وهو أنَّ في الخبر تقول "قطِ بعزَّتك وعظمتك"، وهذه صِفَةٌ تختص الله سبحانه، لأنَّ هذا قَسَمٌ منها بالله سبحانه، خَرَجَ منها مخرج الخضوع والتذلل، ولا يكون هذا منها بوضع الجبابرة ومن يستحق العذاب لأنها سحق لهم، ولأنَّه قال: "لا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها"، والرجلُ لا يعبر بها عن الجبابرة، والمتقدم من المشركين.
_________________
(١) انظر مُشكل الحديث لابن فورك (ص ٤٥).
[ ٢٣٨ ]
ولأنَّ قوله "لا تمتلئ" تعظيمًا لحالها وشدَّة غيظها، قال تعالى ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] وما هذا صفته لا يَكُفُّه وضع بعض الجبابرة من الكفار، وإنما يكفيه قَدَمُ الصفة، ولأنه قال: "ينزوي بعضها إلى بعض" يعني يجتمع، وهذا لا يُوجد ببعض خلقه، لأنَّ النار تسحقه، كما قال ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [تبارك: ١١] وإنما تجتمع من قَدَمِ الصِّفة.
فإن قيل: الحديث الذي رُوي فيه "يضع رجله" لم يروه إلا بعضهم على الشك، فرواه الدارقطني بإسناده: عن أنس عن النبي -ﷺ- أنه قال: "يُلقى في النار وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رجله فيها -أو قال: قدمه- فتقول: قِط قِط" (^١)، فذكره على لفظ الشك فاحتمل أن يكون لما التبس عليه اللفظ وتَوَهَمَ أنَّ القدم لا يكون إلا رجلًا بدل القدم الرجل.
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّا قد روينا هذها اللفظ بإسناده عن أبي هريرة من غير شك في اللفظ.
فإن قيل: فنتأول الرجل على نحو تأويلنا القدم، إمّا أن يُريد رجل بعض خلقه فأضافه إليه مُلْكًا وفعلًا، أو يُراد به رجل المتجبرين من خلقه، ولأنَّه قد قيل الرجل للجماعة الكثيرة، ولأنَّ العرب تقول: مَرَّ بنا رجل من جراد، أي "قطعة منها" (^٢).
قيل: هذا غلطٌ لما تقدم، وهو أن هاء الكناية يرجع إلى المذكور المتقدم ولأنَّه صرح باسمه الأعظم.
_________________
(١) كتاب "الصفات" للدارقطني (ص ٢٨).
(٢) انظر مشكل الحديث لابن فورك (ص ٤٦)، وذكر هذا التأويل الخطابي كما في "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص ٣٥٢).
[ ٢٣٩ ]
فإن قيل: حَمْلُ الخبر على ظاهره يُوجبُ رَدَّ القرآن، لأنَّ الله سبحانه يقول ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] فأخبر أنَّ الإلهية: لا تردها، وفي جواز وضع القدم فيها إيرادٌ لها، وقال تعالى ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ [ص: ٨٥] وظاهرُ الخبر يقتضي أنها تمتلئ بالقدم، وهذا خلاف ظاهر القرآن، فوجب تأويله.
قيل: هذا غلطٌ، لأنَّ حمله على ظاهره لا يوجب ردَّ القرآن، وذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] معناه: ما وردوها على وجه الخوف والفَزَع والعقوبة، قال تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وأرادَ على وجه الخوف، ثم قال تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] وهذا المعنى معدوم في حقه سبحانه.
وأما قوله تعالى ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٨٥] فنحن نقول بظاهره، وأنها تمتلئ به وبمن تبعه، لكن بعد وضع القدم وانزواء بعضها إلى بعض، ولا نقول أنها تمتلئ بالقدم.
فإن قيل: فَقَدَمُ الصِّفة لا يجوز وصفها بالوضع في المكان، وإنما قَدَمُ الجارحة، وذلك لا يليقُ بصفاته.
قيل: لا يمتنع إطلاق ذلك لا على وجه الحدِّ والجهة والحلول، كما جاز وصف الذات بالعُلوِّ على العرش لا على وجه الحد والجهة، وإنْ كنا نعلم أنَّ العُلو غير السفل، ولهذا نَصفُه بالعلو ولا نصفه بالسفل، ثم لم يُوجب ذلك وصفه بالجهة وكذلك رؤيته.
فأما قوله: قط قط، أيّ حسبي، وقد ورد هذا مفسرًا في بعض الألفاظ، وهذا كما تقول العرب:
[ ٢٤٠ ]
امتلأ الحوض وقال قطني … مهلًا قليلًا قد ملْأتَ بطني (^١)
وقد قيل: إنَّ ذلك حكاية صوت جهنم.
"حديث آخر في هذا المعنى":
١٩٣ - ثنا أبو محمد الحسن بن محمد قال نا أبو حفص من شاهين قال نا الحسين بن جعفر الكوكبي قال نا العباس بن عبد الله قال نا أبو المغيرة قال نا صفوان قال نا سريج بن عبيد عن أبي بشر الأذرمي عن كعب قال: إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إني واطٍ على بعضك، فانتسفت إليه الجبال، فتصعصعت الصخرة فشكر لها ذلك، فوضع عليه قدامه (^٢).
* * *
_________________
(١) كتب في الأصل متصلًا.
(٢) الخبر من الإسرائيليات، كعب هو الإحبار.
[ ٢٤١ ]