٣١٣ - ناه أبو القسم قال: أبو بكر أحمد بن الحسن بن شاذان نا عبد الله بن محمد البغوي نا هُدْبة بن خالد نا حماد بن سلمة عن ثَابت عن أنس ابن مالك قال: قَرَأَ رسول الله -ﷺ-: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال: "وضَعَ إبْهامه على قريب مِنْ أُنْملة خُنْصُرِهِ، فَسَاخَ الجبلُ" قال حميد لثابت: تقول هذا! فَرَفَعَ ثابتٌ يده فضربَ بها صَدْرَ حميد، وقال: يَقوله رسولُ الله -ﷺ- ويقوله أنس وأنا أكْتمه؟!
وفي لفظٍ آخر: قال فوضع رسول الله الإبهام على المِفْصَل من الخنصر، فسَاخَ الجبلُ (^١).
٣١٤ - ونا أبو القسم، علي بن إبراهيم السكوني نا موسى بن عبيد الله بن يحيى المقري نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي، معاذ ابن معاذ، حماد بن سلمة، ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قثال: "هكذا" يعني أنَّه أَخْرَج طَرفَ الخنصر، قال أبي: أَرَاناه معاذ، فقال حُميد: ما تريدُ في هذا يا أبا مُحمد؟ قال فضَرَبَ صَدره ضربةً شديدةً، وقال: من أنت يا حميد وما أنت يا حميد، يحدثني به أنس بن مالك عن النبي -ﷺ- تقول أنت ما تريد؟!
٣١٥ - وأنا أبو محمد الحسن بن محمد قال: يحيى بن علي المعمري من
_________________
(١) حديث صحيح، تقدم تخريجه في (ص ٨٢). وما بعده أسانيد المصنف إليه.
[ ٣٧٨ ]
أصلِ كتابه (^١) قال نا محمد بن جعفر بن رميس (^٢) قال نا علي بن إشكاب قال نا معاذ بن معاذ العنبري عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن رسول الله -ﷺ- في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال: "أَخْرَج أَوَلَ مِفْصل من إصْبعه الخُنْصُر" قال علي بن إشكاب: ورأيتُ معاذ أخرج أول مفصل من إصْبعه الخنصر.
٣١٦ - وذكره أبو الحسين بن السّثوْسَنْجِرْدي (^٣) في "حديثه" بإسناده: عن أنس قال: قرأ رسول الله -ﷺ-: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال: "وَضَعَ إبْهامه على قريب أُنْمُلةِ خُنْصُره" وفعل حماد هكذا وأرانا طَرَفَ الخُنصر، ووضع مَوضع المفصل فَسَاخَ الجبل.
اعلم أنَّ الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: إثبات التَّجَلِّي، والثاني: في الخنصر.
فأمَّا التَّجلي فهو راجعٌ إلى الذات، وذلك غير ممتنع، كما لم يمتنع أنْ يتجلى للمؤمنين يوم القيامة جَهْرة وعَيَانًا، وكذلك لا يمتنع أنْ يتجلى للجيل
_________________
(١) لعله: يحيى بن علي بن يحيى بن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، وأبو معمر صاحب عبد الله ابن مسعود، ويكنى أبا القاسم، ترجم له الخطيب في تاريخه (١٤/ ٢٣٨). وقال: نزل بغداد وحدَّث بها عن عبد الله بن محمد البغوي ويحيى بن صاعد … وحدثنا عنه: أبو محمد الخلال، وكان ثقة يشهد عند الحكام، ذكر لي الخلال أنه مات سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
(٢) في الأصل: ابن رييس، ولم أجد له ترجمة ولعله: ابن رمسيس وهو أبو بكر القصري، المترجم في "تاريخ بغداد" (٢/ ١٣٩) سمع أبا علقمة الفروي والحسن بن محمد بن الصباح وعثمان ابن سعيد من نوح المقرئ وجماعة من هذه الطبقة، روى عنه أبو الحسن الدارقطني، مات سنة: ست وعشرين وثلاثمائة. أما علي بن إشكاب فهو علي بن الحسين بن إبراهيم، ثقة.
(٣) هو أحمد بن عبد الله، مضت ترجمته في (الجزء الأول/ ص ٢٣٩).
[ ٣٧٩ ]
جَهرةً وعيانًا، وهو أنْ خلق في الجبل رُؤية حتى رَأى رَبَّه بأنْ أحياه، وجعله عالمًا رائيًا، ثم دَكَّه بعد الرؤية، وجعله علامةً لموسى في أنَّه لا يراه في الدنيا.
٣١٧ - وقد نا أبو القسم بإسناده: عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لمَّا تَجلَّى الله جَلَّ اسمه للجبل طَارَتْ لعظمته ستَّة أجْبُل، فَوَقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكَّة، فوقع بالمدينة أُحُد وَورقان ورضوى، ووقع بمكة ثبير وحِرَاء وثَور" (^١).
فإن قيل: يُحمل التجلي على إظْهار الفعل والتدبير.
قيل: إن جَازَ تأويل الخَبَر على هذا، جَازَ تأويل قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] على مجئ بعض ملائكته وكلامه لموسى دون الله، وكذلك قوله: "ترون ربكم" على رؤية أفعاله، وهذا لا يصح، كذلك ها هنا، وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]. كما حملته المعتزلة على ظاهره في الذات دون الأفعال.
ويحتمل أنْ يكون ظهور (^٢) سُبُحانه أوْجَبَ دَكَّه من غير أنْ يخلق فيه إدْراكًا، كما أنَّ النَّار إذا لاقت الجبل أوجب تقطيعه، وإنْ لم يحصل فيه إدراك، كما قال: "حجابه النُّور، لو كشفها عن وجهه، لأحرقت سُبُحان وجهه كل شيءٍ أدركه بَصَره".
_________________
(١) ضعيف جدًا، أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥) - وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣١٤) عن معاوية بن عبد الكريم (وقع عند ابن كثير: ابن عبد الله وهو خطأ) عن الجلد بن أيوب عن معاوية بن قرة عن أنس مرفوعًا به. قال ابن كثير: هذا حديث غريب بل منكر. قلت: وفيه: الجلد بن أيوب البصري، قال الذهبي في المغني (١/ ١٣٥) ضعفه إسحاق ابن راهوية، وقال أبو الحسن الدارقطني: متروك. وعزاه السيوطي في "الدر" (٣/ ٥٤٥) لأبي الشيخ وابن مردويه.
(٢) في الأصل: ظهوره سبحانه، وهو خطأ.
[ ٣٨٠ ]
الفصل الثاني: في "الخُنْصُر": وهو على ظاهره، إذ ليس في حمله على ذلك ما يُحيل صفاته، وأنَّ الخنصر كالإِصْبَع، والإِصبع كاليد، وقد جاز إطْلاقُ اليدين، كذلك ها هنا يجب أنْ يجوز، لا على وجه التبعيض والعضو.
فإن قيل: هذا الحديث ضعيف، ذكره حماد عن ثابت، ولم يروه غيره عنه من أصحاب، وقال بعضهم إنَّ حمادًا كانت له خَرجَةٌ إلى عبَّادَان، وإنَّ ابن أبي العوجاء الزنديق أدْخَلَ على أُصُوله ألفاظًا وأحاديثًا احتملها في آخر عمره، فرواها بغفلة ظهرت فيه (^١).
قيل: هذا حديثٌ صحيحٌ رواه الأَثْبات منهم: أحمد وهو المُعَوَّل عليه في الجرح والتَّعديل، وحماد بن سلمة ممن أثنى عليه أحمد، وأخرج عنه البخاري حديثًا مُسْندًا في الصَّحيح، ويجب أنْ لا يُلْتَفَتْ إلى مثل هذا الكلام؛ لأنَّ القائل له يقصد بذلك ردَّ أحاديثَ الصِّفات، وقد قال الأئمة من العلماء: إنَّ أثبت الناس في ثابت البُنَاني حماد بن سلمة (^٢).
_________________
(١) ذكره ابن فورك في "مشكلة" (ص ٩٨) بقوله: وقد قال بعضهم إن حمادًا كانت له خرجه إلى عبادان …
(٢) قال أبو حاتم: أثبتُ أصحاب أنس: الزهري ثم قتادة ثم ثابت البناني، وقال أبو طالب قلت لأحمد بن حنبل: ثابت البناني أثبت أو قتادة؟ قال: ثابت ثبت في الحديث، من الثقات المأمونين، صحيح الحديث وكان يقص. وقد اختبر حماد بن سلمة حفظه، فقد أخرج أبن أبي حاتم في الجرح بسنده عن حماد قال: يقول الناس: القصاص لا يحفظون فكنت أقلب على ثابت البناني حديثه -يعني أَجَرِّب حفظه- فكنت أقول لحديث ابن فلان: كيف حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا، حدثناه فلان، وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حديث فلان؟ فيقول: لا، حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقال الحافظ أبو بكر البرديجي: ثابت عن أنس صحيح من حديث شعبة والحمادين وسليمان بن المغيرة، فهؤلاء ثقات، ما لم يكن الحديث مضطربًا. (انظر الجرح (٢/ ٤٤٩) =
[ ٣٨١ ]
فإن قيل: المراد بالخنصر الشيء اليسير من آياته، فَذَكر الخنصر وضرب المثل به، لا أنَّه جَعَل له خُنْصُر (^١).
قيل: هذا غلطٌ، لأنه لو كان المراد ذلك؛ لم ينكره حميد، ولا أنكره عليه ثابت، ولا أحتجَّ عليه بأنَّ النبي -ﷺ- قاله، لأنَّ آيات الله لا تُنكر، فثبت أنَّ المراد بذلك صفةُ ذاتٍ.
وجوابٌ آخر: وهو أنَّه إنْ جاز حمل الخنصر على الشيء اليسير من آياته، جاز حمل التجلي للجبل، على إظهار بعض آياته للجبل حتى جعله دكًا، وكذلك جاز حملُ قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. على أنَّه أَمَرَ بعضَ مَلائكته بكلامه، لا أنَّه كلمه بنفسه، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات على أنَّه تَجَلَّى بذاته للجبل، وكَلَّم مُوسى بنفسه، كذلك ها هنا يجب أنْ يُحمل الخنصر على أنها صفةٌ لذاته، كما وَجَبَ حمل اليد التي خلق بها آدم (^٢).
* * *
_________________
(١) = والتهذيب (٢/ ٢ - ٤». هذه هي بعض أقوال جهابذة هذا العلم ونقاده، وهي كافية في الردِّ على دعاوى أهل الأهواء، الذين إذا لم يجدوا تأويلًا مستساغًا مقبولًا؛ لجأوا إلى الطعن في المرويات!! ولو كان رواتها جبال الحفظ وأئمة المسلمين!! وقانا الله وإياكم شر فتنتهم وبلاءهم، ورد كيدهم في نحورهم.
(٢) ذكره ابن فورك (ص ٩٨).
(٣) كتب بمحاذاته: بلغ مقابلة.
[ ٣٨٢ ]