٢٣٢ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: "لله ﷿ أشدُ فرحًا بتوبة عبده، من أحدكم يَسقطُ على بعيره، وقد أضلَّه بأرض فلاة" (^١).
٢٣٣ - أخبرناه أيضًا بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "الله جل اسمه أشدُّ استبشارًا بتوبة أحدكم، من أحدكم بضالَّته بفلاةٍ من الأرض، عليها سِقاؤه ومتاعه وما يصلحه" (^٢).
٢٣٤ - وناه بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "لا يُوَطِّن رجُلٌ مسلم المساجد للصلاة وللذكر، إلا تَبَشْبَشَ (^٣) الله به حين يخرج من بيته، كما يَتَبَشْبَشُ أهل الغائب بغائبهم" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١/ ١٠٣) ومسلم (٤/ ٢١٠٥) عن همام حدثنا قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله -ﷺ- قال فذكره. وأخرجه مسلم (٤/ ٢١٠٤ - ٢١٠٥) بسياق أطول عن عكرمة بن عمار حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثنا أنس بن مالك مرفوعًا به.
(٢) لم أجده بهذا اللفظ. وإنما أخرجه مسلم (٤/ ٢١٠٢) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ "لله أشدُّ فرحًا بتوبة أحدكم، من أحدكم بضالَّتِهِ إذا وجدها". وله عنده طريق آخر فقد أخرجه (٤/ ٢٠١٢) عن معمر عن همام عن أبي هريرة مرفوعًا بمعناه.
(٣) في الأصل: استبشر وفي الموضع الثاني يستبشر، وهو مخالف لنص الحديث عند جميع من أخرجه.
(٤) حديث صحيح، أخرجه الطيالسي (٢٣٣٤) وأحمد (٢/ ٣٢٨) وابن ماجه (١/ ٢٦٢) وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٣٧٩) وابن حبان (٣/ ٦٧) (٤/ ٢١) والحاكم (١/ ٢١٣) من طرقٍ عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة مرفوعًا به، =
[ ٢٨٦ ]
اعلم أنَّ الكلام في الفرح والاستبشار، قريبٌ من الكلام في الحديث الذي تقدَّم في الضحك، والقول فيه كالقول في ذلك (^١).
وقد حكينا كلام أحمد في ذلك، والأخذ بظاهر الحديث من غير تفسير كذلك ها هنا، إذ ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنَّا لا نثبت فرحًا هو السرور لأنه يقتضي جواز الشهوة والحاجة عليه، ومن قوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢] أي سَرُّوا بها، ولا نثبت أيضًا فرحًا هو البطر والأشر، لأنهما لا يليقان بالله ﷿، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وقوله ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠] يعني بذلك فَرَحَ البَطَر والأَشَر، بل نُثبت ذلك صفة، كما أثبتنا صِفَة الوجه واليدين والسمع والبصر، وإنْ لم نَعْقِل معناه، ولا يجب أنْ يُسْتَوحش من إطلاق مثل هذا اللفظ إذا ورد به
_________________
(١) = وزادوا في آخره: إذا قدم عليهم. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٨١): هذا إسناد صحيح. قلت: وهو كما قالوا. وقد رواه الليث بن سعد عن المقبري عن أبي عبيدة عن سعيد بن يسار به، فزاد أبا عبيدة في الإسناد. رواه أحمد (٢/ ٤٥٣) والدارمي في "النقض" (ص ٢٠٣) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٤٧٨ - ٤٧٩)، وذكره الحاكم تعليقًا (١/ ٢١٣). وأخرجه ابن قتيبة في "غريب الحديث" (١/ ٤١٤) عن ابن وهب عن رجل عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا به. وفيه رجل لم يسم.
(٢) هو الصواب، أن تثبت الصفة كما جاءت، ولا تفسر بلوازمها كما سيأتي النقل عن ابن فورك وغيره.
[ ٢٨٧ ]
سمع، كما لم يستوحش من إطلاق ذلك في غيره من الصفات.
فإن قيل: معنى الفرح ها هنا معنى الرضا، ومنه قوله تعالى ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] أي: راضون، لأنَّ من سُرَّ بالشيء فقد رَضِيَه، ويقول هو فرح به بمعنى هو راضٍ به فيكون معناه: أنَّ من وَفَّقَه الله للتوبة من معاصيه، فقد رضي أن يكون مُثَابًا على الخير مقبولًا منه الطاعة والعبادة (^١).
قيل: هذا غلطٌ، لأن هذا القائل عنده أنَّ الرضا بمعنى الإرادة، وإرادة الله سبحانه لا تختص ما ذكر في الخبر من التوبة، لأنَّ ضد التوبة مما كان عليه قبل ذلك، كان الله مُريدًا له، على أنه لا يمتنع أن يكون معنى ذلك ما قالوه وكذلك القول في البَشْبَشَة، لأنَّ معناه يُقارب معنى الفرح، والعرب تقول: رأيتُ لفلان بَشَاشَةً وهشاشةً وفرحًا، ويقولون: فلانٌ هشٌ بشٌ فرحٌ، إذا كان منطلقًا (^٢)، يجوز إطلاق ذلك كما جاز إطلاق الفرح.
وقد ذكر ابن قتيبة هذا الحديث في كتاب "الغريب" وقال قوله "يبشبش" من البشاشة وهو يتفعَّل (^٣).
فحمل الخبر على ظاهره ولم يتأوله.
* * *
_________________
(١) انظر "مشكل الحديث" لابن فورك (ص ٦٤). ونقل البيهقي في الأسماء (ص ٤٧٧) عن الخطابي نحوه، ونقله عن أبي الحسن علي بن محمد الطبري (ص ٤٧٧ - ٤٧٨) ونقل نحوه الحافظ في الفتح (١١/ ١٠٦) عن الخطابي وابن أبي جمرة والقرطبي في "المفهم".
(٢) الصحاح (٣/ ٩٩٦)، وفيه: قال يعقوب يقال: لقيته فَتَبَشْبَش بي، وأصله تَبَشَّشَ، فأبدلوا من الشين الوسطى فاء الفعل، كما قالوا: تجفجف.
(٣) "غريب الحديث" (١/ ٤١٤)، وفي الأصل: تفعل، والتصويب من الغريب.
[ ٢٨٨ ]