٢٩٩ - حدثنا أبو القسم بإسناده: عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله -ﷺ- يُكْثِر أنْ يقول: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبي على دينك" قالوا يا رسول الله: آمنَّا بكَ وبما جِئْتَ بهِ، فَهَل تخافُ علينا؟ قال: "إنَّ القُلُوب بين أُصْبُعَينِ مِنْ أَصابعِ ألله ﷿ يُقَلِّبُها".
وفي لفظٍ آخر: "إنَّ القُلُوب بيدِ الله يقلبها" (^١).
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة في "الإيمان" (٥٥) وفي المصنف (١٠/ ٢٠٩) وابن أبي عاصم في "السنة" (٢٢٥) وأحمد (٣/ ١١٢، ٢٥٧) والترمذي (٤/ ٢١٤٠) والآجري في "الشريعة" (ص ٣١٧) وابن منده في "الرد على الجهمية" (٦٩) والحاكم (١/ ٥٢٦) من طرق عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس بن مالك به. قال الترمذي: حديث حسن، وهكذا روى غيرُ واحد عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس، وروى بعضهم: عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي -ﷺ- وحديث أبي سفيان عن أنس أصح. قلت: وإسناده حسن، أبو سفيان اسمه طلحة بن نافع أبو سفيان الواسطي، ليس به بأس، قاله جماعة. ورواه الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس. أخرجه ابن ماجه (٣٨٣٤) والطبراني في "الدعاء" (٣/ ١٢٦١) والآجري (ص ٣١٧)، ويزيد ضعيف. ورواه البخاري في الأدب المفرد (٦٨٣) من طريق أبي الأحوص عن الأعمش عن أبى سفيان ويزيد (كذا جمع بينهما) به. وأخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢٦١/ ٧٥٩) عن إسماعيل بن عمرو البجلي عن قيس ابن الربيع عن الأعمش عن ثابت عن أنس مرفوعًا (الدعاء فقط) وفي سنده ضعيفان إسماعيل وقيس. ورواية الأعمش عن أبي سفيان عن جابر يأتي الكلام عليها.
[ ٣٥٨ ]
٣٠٠ - وناه بإسناده: عن عائشة قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "مَا مِنْ قَلْبِ ابن آدم إلا بَيْنَ أُصْبُعَين مِنْ أَصَابعِ الرَّحمن ﷿، فإذا شَاءَ أن يُقِيمَه أقَامَه، وإذا شاءَ أن يُزيغَه أزَاغه" (^١).
٣٠١ - وناه لفظًا بإسناده: عن أم سلمة زوج النبي قالت: سمعت النبي -ﷺ- يقول: "يَا مُقَلَّب القُلوب ثَبِّت قَلْبي على دينك" قالت: قلت: يا رسول الله! وَتَخافُ على قَلبك وقد عَصَمه الله بالوَحي؟ قال: "إنَّ قَلَبَ ابنَ آدم بينَ أُصْبُعَينِ مِن أَصَابع الله ﷿السَّبابة والتي تليها- فإذا أراد الله تعالى أنْ يُزيغَ قلبَ عبدٍ أزاغَه، وإذا أراد أنْ يُثَبِّتَه ثَبَّتَه".
حدَّثناه عن أبي بكر عبد العزيز في الإجازة نا علي بن محمد بن أحمد الواعظ نا أبو الزِّنْبَاع رَوْحُ بن الفرج نا عيسى بن يونس نا ضمرة عن ابن شَوْذَب عن أيوب عن أبي قلابة عن أم سلمة (^٢).
_________________
(١) صحيح لغيره، أخرجه أحمد (٦/ ٩١) عن حماد بن زيد عن المعلي بن زياد وهشام ويونس عن الحسن أن عائشة قالت: دعوات كان رسول الله -ﷺ- يكثر يدعو بها: "يا مقلِّبَ القلوب ثبت قلبي على دينك، قالت … " ولفظه مقارب لما ذكره المصنف. وفي سماع الحسن عن عائشة -﵂- نظر، وقد عنعن. * وله إسناد آخر عن عائشة: أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٢١٠) وأحمد (٦/ ٢٥٠ - ٢٥١) والدارمي في النقض (ص ٦١) وابن أبي عاصم في "السنة" (٢٢٤، ٢٣٣) والآجري في "الشريعة" (ص ٣١٧) والطبراني في "الدعاء" (٣/ ١٢٥٩) مختصرًا عن علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد القرشية عن عائشة به. وعلي بن زيد ضعيف، وأم محمد وهي امرأة أبيه مجهولة الحال. ويشهد للحديث ما قبله وما بعده.
(٢) لم أجد من خرَّجه بهذا السند، وفيه أبو قلابة وكان يرسل كثيرًا، وفي سماعة من أم سلمة نظر. وله طريق أخرى عن أم سلمة. فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٢٠٩ - ٢١٠) وأحمد (٦/ ٣١٥) وابن أبي =
[ ٣٥٩ ]
٣٠٢ - وناه بإسناده: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّه سمع رسول الله يقول: "إنَّ قُلُوبَ بني آدمَ كُلَّها بينَ أُصْبُعَينِ مِنْ أَصَابعِ الرَّحمنِ ﷿ كَقَلْبٍ واحدٍ، يُصرفه (^١) كيف يشاءه" وقال رسول الله -ﷺ-: "اللهم مُصَرِّفَ القُلوبِ اصْرِفْ قُلُوبَنَا إلى طاعتك" (^٢).
_________________
(١) = عاصم في "السنة" (٢٢٣، ٢٣٢) والترمذي (٥/ ٣٥٢٢) وقال: حسن، والطبراني في "الدعاء" (٣/ ١٢٥٧) وفي الكبير (٢٣/ ٣٣٤) كلهم عن معاذ بن معاذ عن أبي كعب صاحب الحرير (سوى الطبراني فعن مسلم بن إبراهيم عن أبي كعب) ثنا شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة: ما كان أكثر دعاء رسول الله -ﷺ- إذا كان عندك؟ قالت: أكثر دعائه يا مقلِّب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك، ثم قال: يا أم سلمة! إنه ليس من آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، ما شاء أقام، وما شاء أزاغ". وأخرجه أحمد (٦/ ٢٩٤، ٣٠١ - ٣٠٢) والدارمي في النقض (ص ٦٢) والطبراني في "الدعاء" (٣/ ١٢٥٨) وفي الكبير (٢٣/ ٢٣٨) عن عبد الحميد بن بهرام ثنما شهر بن حوشب بنحوه، وفيه زيادة: "فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة أنه هو الوهاب" وللطبراني في الكبير زيادة أخرى. وأخرجه ابن خزيمة (ص ٨١) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي عن شهر به. وأخرجه الآجري في "الشريعة" (ص ٣١٦) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٤٥) عن مقاتل بن حيان عن شهر به، وفيه عنعنة بقية. * وله طريق ثالثة: فقد أخرجه الآجري (ص ٣١٦) عن سالم الخياط عن الحسن عن أمه قالت: سمعت أم سلمة بنحوه. وليس عندهم قول أم سلمة: "وتخاف على قلبك وقد عصمه الله بالوحي" ولا زيادة "السَّبابة والتي تليها". ويشهد للحديث ما قبله وما بعده.
(٢) في الأصل يصرف، والتصويب من مصادر الحديث.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٢/ ١٦٨) ومسلم في القدر (٤/ ٢٠٤٥) وابن أبي عاصم في "السنة" (٢٢٢، ٢٣١) والأجري في "الشريعة" (ص ٣١٦) والطبراني في "الدعاء" (٣/ ١٢٦٠) والبيهقي في "الأسماء" (٣٤٠) كلهم عن عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا حَيْوَة أخبرني أبو هانيء، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره. وعند مسلم "صَرِّفْ قلوبنا". وأتابع ابن المقرئ ابنُ المبارك، رواه الدارمي في "النقض" (ص ٦١).
[ ٣٦٠ ]
٣٠٣ - وناه أبو القسم قال: أبو القسم عبد الله بن إبراهيم بن محمد القاضي (^١) نا أحمد بن الحسن الرازي نا مقدام بن داود نا عبد الله بن محمد بن المغيرة نا سفيان عن الأعْمَش عن أبي سُفيان عن جابر بن عبد الله قال: كانَ رسول الله -ﷺ- يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبَ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا على دينكَ" فقال له بعضُ أصحابه: أَتَّخافُ علينا وقد آمنَّا بكَ، وبما جئت به؟ فقال: "إنَّ القُلُوبَ بين أُصْبَعَينِ من [أصابع] (^٢) الله يُقَلِّبها هكذا وهكذا، يُقلِّبُ أُصْبُعيه" (^٣).
٣٠٤ - ونا أبو القسم بإسناده: عنْ النَّواس بن سَمْعان الكلابي أنَّه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: "مَا مِنْ قَلْبٍ إلا وَهو بينَ أُصْبُعَينِ مِنْ أَصَابعِ ربِّ العَالمين
_________________
(١) في الأصل: الفامي، وهو خطأ وصوابه: القاضي، وهو: أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن تميم، ترجم له الخطيب في تاريخه وقال: خرّج له أبو حفص بن شاهين فوائد، وكان يروي عن: … وأبي العباس أحمد بن الحسن بن إسحاق الرازي، حدثنا عنه أحمد بن محمد العتيقي وعبد العزيز بن علي الأزجي، وكان صدوقًا.
(٢) سقطت من الأصل.
(٣) صحيح لغيره، أخرجه الترمذي (٤/ ٤٤٩) تعليقًا والحاكم (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩) (وقد سقط من أصول المستدرك وأضيف من التلخيص كما قاله مصحح الكتاب) ورواه الحاكم موصولًا عن الثوري عنه، كما فى النكت الظراف للحافظ. (٢/ ٢٠١». ورواه الجورقاني في "الأباطيل" (١/ ٤٥) عن محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر به وزاد: قال سفيان بإصبعيه: هكذا وقلَّب إصبعيه، وأرانا عباس بالسبابة والوسطى. قال الترمذي: وروى بعضهم: عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي -ﷺ- وحديث أبي سفيان عن أنس أصح. وأشار الحاكم إلى أنه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال الجورقاني: هذا حديث صحيح رجاله كلهم أثبات. ويشهد للحديث ما قبله.
[ ٣٦١ ]
جلَّ اسمه، إذا شاء أنْ يُقِيمَه أقَامه، وإذا شاء أنْ يُزيغَه أَزَاغَه" قال رسول الله -ﷺ- يقول: "يا مُقَلِّب القُلوبِ ثَبِّتْ قُلُوبنَا على دينك" قال: "والميزانُ بيدِ الرَّحْمن جلَّ اسمه، يرْفَعُ أَقْوامًا، ويَضَعُ آخرين إلى يوم القيامة" (^١).
اعلم أنه غير ممتنع حمل الخبر على ظاهره، في إثبات الأصابع والسَّبَّابه والتي تليها، على ما رُوي في حديث جابر، إذْ ليس في حمله على ظاهرهِ ما
_________________
(١) إسناد صحيح، أخرجه أحمد (٤/ ١٨٢) وابن ماجه (١٩٩) وابن حبان (٢٤١٩ - زوائد) والدارمي في النقض (٦٢) وابن أبي عاصم في "السنة" (٢١٩، ٢٣٠، ٥٥٢) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٨٠) والآجري في "الشريعة" (ص ٣١٧ - ٣١٨) وابن منده "في الرد على الجهمية" (٦٨) والطبراني في "الدعاء" (٣/ ١٢٦٢) والحاكم (١/ ٥٢٥) (٢/ ٢٨٩) (٤/ ٣٢١) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٣٤٠ - ٣٤١) وفي "الاعتقاد" (ص ١٥٢) من طرق عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر بن عبيد الله عن أبي أدريس الخولاني قال: سمعت النواس بن سمعان قال سمعت رسول الله -ﷺ- فذكره. قال الحاكم في الموضع الثاني أنه صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي، وأما في الموضعين الآخرين فقال: على شرط مسلم. والصواب الأول فإن رجاله ثقات رجال الشيخين. والحديث رواه: سبرة بن الفاكِه: أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٢٢٠، ٥٥٠، ٥٥١) (ووقع في المطبوعة: بن الفاكهة وهو خطأ) وهو صحابي أسدي. وأبو هريرة: أخرجه ابن أبي عاصم (٢٢٩) والدارمي في النقض (ص ٦٢) مختصرًا. ونعيم بن همار: أخرجه ابن أبي عاصم (٢٢١، ٥٥٣). وعاصم بن كليب عن أبيه عن جده: أخرجه الترمذي (٥/ ٣٥٨٧) والطبراني في "الدعاء" (٣/ ١٢٦٣) وفي الكبير (٧/ ٣١٣/ ٧٢٣٢) من طريقين عنه، وانظر الإصابة (٢/ ١٥٩). وأبو ذر: أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٨١ - ٨٢) بسياق مطول عن شرحبيل بن الحكم عن عامر بن نائل عن كثير بن مرة عن أبي ذر، قال ابن خزيمة بعده: أنا أبرأ من عهدة: شرحبيل بن الحكم وعامر بن نائل، وقد أغنانا الله -فله الحمد كثيرًا- عن الاحتجاج في هذا الباب بأمثالهما. اهـ. ولم يزد الحافظ في اللسان (٣/ ١٤٢) في ترجمة شرحبيل على نقل كلام ابن خزيمة.
[ ٣٦٢ ]
يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لما بينَّا في الخبر الذي قبله، لأنَّا لا نُثْبت أَصَابِعًا هي جارحة ولا أَبْعاضًا، وإنَّما نطلق ذلك كما أطلقنا تَسْمية اليَدَين والوَجه والعَين وغير ذلك، ويكون المقْصود بالخبر الفَزَع من الله سبحانه والمسارعة إلى الطَّاعات والخوف من سُوءِ المنقلب (^١).
فإن قيل: يُحتمل أنْ يكون المرادُ بالأَصابع المُلْك والقُدرة، ويكون فائدته أنَّ قُلوبهم في قبضته جارية على قدرته، وذكر النبي ﷺ هذا على طريق المثل، كما يقال: ما فلان إلا في يدي وخنصري، ويريد بذلك أنَّه عليه مُسَلَّطٌ، وأنَّه لا يتعذر عليه ما يريده منه، ويحتمل أن الأُصْبُعَين ها هنا بمعنى النِّعمتين، وقد تقول العرب: لفلانٍ على فلان إصبع حَسَنٌ، إذا أَنعم عليه نِعْمةَ حسنة، ومنه قول الشاعر:
ضَعِيفُ العَصا بَادِي العُرُوق تَرَى له … عليه إذا مَا أَجْدَبَ النَّاسُ إصْبَعَا (^٢)
_________________
(١) ما سبق من الأحاديث النبوية صحيحة وصريحة في إثبات صفة "الأصابع" لربِّنا جلَّ شأنه، وليس في ذلك غضاضة على المسلم -كما يحاول المعطلة أن يشنعوا- لأنَّه يُثبت ما أثبته أعلم الخلق بربه، وليس فيما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله تشبيهُ ولا تمثيل. قال أبو بكر بن خزيمة -﵀- في "التوحيد" (ص ٧٩ - ٨٠): باب إثبات الأصابع لله -﷿- من سُنَّة النبي -ﷺ- قيلًا له، لا حِكايةً عن غيره، كما زعم بعض أهل الجهل والعناد أن خبر ابن مسعود ليس هو من قول النبي -ﷺ- تصديقًا لليهودي. اهـ. يريد أن المعطلة ردوا الاحتجاج بخبر الحَبر اليهودي، الذي سيذكره المصنف بعد. بدعوى أنه صدر عن اليهودي لا عن النبي -ﷺ- -وسيأتي الردُّ على هذه الشبهة- فما عساهم أن يقولوا عن كلامه الصريح هنا -ﷺ- في إثبات الأصابع؟! هذا ما سيذكره المصنف الآن عنهم من التأويلات والتحريفات.
(٢) ذكره ابن منظور في "اللسان" (٤/ ٢٣٩٥) ولم يعزه لأحد، إنما قال: "قال الراعي يصفُ راعيًا … فذكره، لكن فيه: عليها إذا ما أجدب … " -وكذا هو في مختلف الحديث لابن قتيبة (ص ١٤١) -، ثم شرحه فقال: "ضعيف العصا أي: حاذِق الرعية لا يضرب ضربًا شديدًا، يصفه بحسن قيامه على إبله في الجَدْب، وصَبَعَ به وعليه يصْبَع صبْعًا: أشار نحوه بإصبعه واغتابه، أو أراده بشرٍّ، والآخر غافل لا يشعر".
[ ٣٦٣ ]
أي إذا ما وقع الناس في الجَذْبِ والقحْط، له عليه أثَرٌ حَسن، ويحتمل أنْ يكون معناه بين أَثرين من آثار الله ﷿، وفعلين من أفعاله (^١).
قيل: هذا غلطٌ لوجوه:
أحدها: أنَّ حَمْله على المُلك والقُدرة والنِّعم والآثار، يُسقط فائدة التخصيص بالقَلب، لأنَّ جميع الأشياء هذا حكمها، وأنها في ملكه وبنعمه وبآثاره.
الثاني: أنَّ في الخبر ما يُسْقِط هذا، وهو قوله: "بين السَّبابة والتي تليها وأشار بيده هكذا وهكذا" وهذا يَمنع من صحة التأويل.
الثالث: أنَّه لو كان المراد به النِّعمتين، لكان القلبُ مَحْفوظًا بها ولم يَحتج إلى الدعاء، وَلمَّا دَعَا بالتَّثْبيت، لم يصح حمله على النعمتين، وهذا الثالث جواب ابن قتيبة، لأنَّه إذا كان بين نعمتين كان مَحْفوظًا بتلك النِّعمتين (^٢).
وأما قول الشاعر فهو على طريق المجاز، فلا يَجوز استعماله في صفات الله تعالى، لأنَّه لا حقيقة للمجاز.
وأمَّا قوله: "والميزان بيد الرحمن يَرفَعُ أقوامًا ويَضَعُ آخرين" فلا يمتنع
_________________
(١) انظر "مشكل الحديث" لابن فورك (ص ٩٢ - ٩٤). ونقل البيهقي في "الأسماء" (ص ٣٤١) نحوه عن أبي حاتم الخطيب.
(٢) "تأويل مختلف الحديث" (ص ١٤١). وقد أثبت هذه الصفة -﵀- تعالى فقال بعد ذلك: فإنْ قال لنا: ما الإصْبَع عندك ههنا؟ قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر: "يَحملُ الأرضَ على إصْبَع وكذا على إصبعين" ولا يجوز أن تكون الإصْبَع ههنا نَعمة، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِه﴾. ولم يجز ذلك. ولا نقول: إصْبعٌ كأصبعنا، ولا يدٌ كأيدينا، ولا قبضةً كقبضاتنا، لأنَّ كلَّ شيءٍ منه ﷿ لا يُشْبه شيئًا منا. اهـ. وهو كلام جيد، جار على منهج السلف رحمهم الله تعالى.
[ ٣٦٤ ]
إضافة ذلك إليه، كما لم يمتنع إضافة الخَلْقِ لآدم بيده، ونظير هذا قول النبي -ﷺ-: "كتَبَ التَّوراةَ بيده" (^١).
وليس القائل أنْ يَقول: إنَّا أَثْبَتنا خلق آدم بيده من طريقٍ مقْطُوعٍ عليه، وهو القرآن، لأنَّ خبر الواحد إذا تَلَقَّتْه الأُمة بالقَبُول صار في حكم المقطوع عليه، وليس لهم أنْ يَقُولوا إنِّ ذلك قُصِدَ به فضيلة آدم، وهذا المعنى معدوم ها هنا، لأنَّ في ذلك تفضيلًا لبعض خلقِه على بعض، تشريفًا لهم وتكريمًا وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠].
* * *
_________________
(١) يأتي تخريجه والكلام عليه.
[ ٣٦٥ ]