٣٤٩ - ناه أبو القسم: بإسناده عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تَسبُّوا الدَّهْر فإنَّ الله هُو الدَّهْرُ" (^١).
وفي لفط آخر: "لا يَقُولنَّ أَحَدُكُم: يا خَيْبَة الدَّهر فإنَّ الله هُوَ الدَّهْر" (^٢).
وفي لفظٍ آخرٍ: "قال الله ﷿: يَسُبُّ ابنُ آدمَ الدَّهْرَ، وأنَا الدَّهْر، بيدِي اللَّيلُ والنَّهار" (^٣).
وفي لفظٍ آخرٍ: "لا تسبوا الدهر، فإنَّ الله ﷿ يقول: أنا الدَّهر، ليَ اللَّيل والنَّهار، أجدده وأُبْليه، وأَذْهَبُ بِمُلُوكٍ وآتي بمُلُوكٍ" (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٩١، ٤٩٩) ومسلم في الألفاظ من الأدب (٤/ ١٧٦٣) عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا به. وأخرجه أحمد (٢/ ٣٩٥) عن عوف عن خلاس ومحمد عن أبي هريرة به.
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٩٤) ومسلم (٤/ ١٧٦٣) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا به. وأخرجه البخاري (١٠/ ٥٦٤) عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "لا تُسمُّوا العنبَ الكرْم، ولا تقولوا: يا خَيبةَ الدَّهر، فإنَّ الله هو الدَّهر". وأخرجه مسلم (٤/ ١٧٦٢) عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "قال الله ﷿: يُؤذيني ابنُ آدم يقول: يا خَيبةَ الدهر! فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أَنَا الدهر، أقلِّب ليله ونهاره، فإذا شئتُ قَبضتُهما".
(٣) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٦٤) ومسلم (٤/ ١٧٦٢) عن يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة قال: قال أبو هريرة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: فذكره. وأخرجه البخاري (٨/ ٥٧٤) (١٣/ ٤٦٤) ومسلم (٤/ ١٧٦٢) عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قال الله تعالى: يُؤْذيني ابنُ آدمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهر، بيدي الأمر أُقلِّبُ الليلَ والنهار".
(٤) إسناده حسن، أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٩) عن ابن نمير عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن ذكوان عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. ورجاله رجال الشيخين، سوى هشام بن سعد فمن رجال مسلم وحده، وقد أخرج له في الشواهد، وفي حفظه شيء، قال الحافظ: صدوق له أوهام ورمي بالتشيع، ومع ذلك حَكَم له في الفتح (١٠/ ٥٦٥) بالصحة!
[ ٤١٦ ]
وفي لفظٍ آخر قال: "كانَ أَهْلُ الجاهِليَّة يقولون: إنَّما يُهْلِكُنا اللَّيلُ والنَّهار، هو الذي يُهْلِكُنا ويُميتنا ويُحيينا، فقال الله ﷿ في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. فقال الله ﷿: يُؤُذِيني ابن آدم يَسُبُّ الدَّهْرَ، وأَنَا الدَّهْرُ بيدي الأمر، أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ" (^١).
وفي لفظٍ آخرِ: "يقول [الله] (^٢): اسْتَقْرَضْتُكَ عَبْدِي فَلَم تُقْرضني، ويَشْتُمني عَبْدِي وهو لا يدري، يقول: وادَهْرَاه وادَهْرَاه، وأنَا الدَّهر" (^٣).
٣٥٠ - اعلم أن أبا بكر الخلال قال: حدثني بشر بن موسى الأسدي (^٤) قال:
_________________
(١) إسناده صحيح، أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٥/ ٩٢) حدثنا أبو كريب ثنا أبو عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا به. وفيه بعد ذكر الآية: "فيسبُّونَ الدَّهر فقال الله ﵎ … ". وأخرجه عن عمران بن بكار الكلاعي ثنا أبو روح ثنا سفيان بن عيينة نحوه. وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٥٣) عن ابن راهوية عن ابن عيينة قال: "كان أهلُ الجاهلية يقولون … " فجعله من قول ابن عيينة! وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٤٢٧) لابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٢) سقطت من الأصل.
(٣) إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (٢٥/ ٩٢) حدثنا ابن حميد ثنا سلمة عن ابن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: يقول الله … فذكره. وفي سنده عنعنة ابن إسحاق، وابن حميد وهو محمد الرازي، ضعيف. وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٥٣) عن يزيد بن هارون عن ابن إسحاق عن أبي الزناد من الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه السياقة، ووافقه الذهبي! وفيه عنعنة ابن إسحاق.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم في كتابه (٢/ ٣٦٧) وقال: روى عن روح بن عبادة حديثًا واحدًا وعن أبي عبد الرحمن المقري والحميدي، ولم يحكِ فيه جرحًا ولا تعديلًا. لكن ذكره الخطيب في "تاريخه" (٧/ ٨٦) فقال: وأما هو في نفسه فكان ثقة أمينًا عاقلًا ركينًا. ونقل عن الدارقطني أنه: ثقة. وذكره ابن أبي يعلى في "طبقاته" (١/ ١٢١ - ١٢٢).
[ ٤١٧ ]
سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الدهر، فلم يجبني فيه بشيءٍ.
وظاهر هذا أنْ أحمد توقف عن الأَخْذِ بظاهر الحديث، وامتنع من إطلاق تَسمية "الدَّهْر" على الله سبحانه.
٣٥١ - وقال حنبل سمعت هرون الحَمَّال يقول لأبي عبد الله: كُنَّا عند سفيان بن عيينة بمكة فحدَّثنا أن النبي - ﷺ - قال: "لا تَسُبُّوا الدهر" فقام فتح بن سهل فقال: يا أبا محمد تقول يا دهرُ ارْزُقنا؟ فسمعت سفيان يقول: خُذُوه فهو جهمي، وهرب، فقال أبو عبد الله: القوم يردُّون الآثار عن رسول الله، ونحن نؤمن بها ولا نرد على رسول الله - ﷺ - قوله.
وظاهر هذا أنَّه أَخَذَ بظاهر الحديث، ويحتمل أنْ يكون قوله: "نحن نُؤمن بها" راجعٌ إلى أخبار الصفات في الجملة، ولم يرجع إلى هذا الحديث خاصة.
٣٥٢ - وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله ﵀ هذا الحديث في كتابه، وقال: لا يجوز أنْ يُسَمَّى الله دَهْرًا.
والأمر على ما قاله، لأنه قد روي في بعض ألفاظ هذا الحديث ما منع من حمله على ظاهره، ولم يَردْ في غيره من أخبار الصفات ما دَلَّ على صرفه عن ظاهره، فلهذا وجب حملها على ظاهرها، وذلك أنَّه روى فيه: "يُؤذيني ابن آدم يَسُبُّ الدهر، وأنا الدهر بيدي الأَمر، أُقلِّب الليل والنهار" وفي لفظ آخر: "لي الليلُ والنَّهار أُجَدده وأُبْليه، وأَذْهَبُ بملوكِ وآتي بملوك" فبيَّنَ أن الدَّهر الذي هو الليل والنهار خَلْقٌ له وبيده، وانه يُجدده ويُبليه فامتنع أنْ يكونَ اسمًا له.
وأصل هذا الخبر أنَّه وَرَدَ على سبب، وهو أن الجاهلية كان تقول: أَصَابني الدهر في مالي بكذا، ونالتني قَوَارعُ الدهر ومصائبه، فَيُضِيفُون كل حادثٍ يحدث مما هو جارٍ بقَضَاءِ الله وقَدَره، وخَلقه وتقديره، من مَرضٍ أو
[ ٤١٨ ]
صحةٍ أو غنى أو فقر، أو حياةٍ أو موتٍ إلى الدهر، ويقولون: لَعَنَ الله هذا الدهر والزمان ولذلك قال قائلهم:
أمِنَ المُنون ورَيْبها يَتَوَجَّعْ … والدَّهْرُ ليس بمعتِبٍ من يَجْزَع
وقال سبحانه: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] أي: ريب الدهر وَحَوَادثه. وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجائية: ٢٤]. فأخبر عنهم بما كانوا عليه من نِسْبة أقدار الله وأفعاله إلى الدهر، فقال: "لا تسبوا الدهر" أي: إذا أصابتكم المصائب لا تَنْسِبُوها إليه، فإنَّ الله تعالى هو الذي أصابكم بها، لا الدهر، وإنكم إذا سَبَبْتُم الدهر وفاعل ذلك ليس هو الدهر.
٣٥٣ - وقال أبو بكر الخَلَّال: سألت إبراهيم الحربي عن قول النبي - ﷺ -: "لا يقولن أَحَدُكم يا خَيبة الدهر، فإن الله هو الدَّهْرُ" وقوله: "لا تَسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" قال: كانت الجاهلية تقول: الدهر هو الليلُ والنَّهار، يقولون الليل والنهار يفعل بنا كذا، فقال الله ﷿: أنَا أفعل ليس الدهر (^١).
فقد بَيَّنَ إبراهيم الحربي أن الخبر ليس على ظاهره، وأنَّه وَرَدَ على سبب.
٣٥٤ - وذكر أبو عبيد نحو ما ذكرنا، فقال: لا ينبغي لأَحَدٍ من أهل الإسلام أنْ يجهل وجهه، وذلك أن أهَلَ التعطيل يحتجون به على المسلمين، واحتج به بعضهم، فقال: ألا تراه يقول: فإنَّ الله هو الدهر" قال: وتأويله أن العَرب كان شأنها أنْ تَذُمَّ الدهر، وتَسُبَه عند المصائب التي تنزل بهم؛ من موتِ أو هرمٍ أو تَلَفٍ، فيقولون: أصابتهم
_________________
(١) لم أجده في الجزء المطبوع من "غريب الحديث" له.
[ ٤١٩ ]
قَوَارعُ الدهر؛ وأبادهم الدهر وأتى عليهم الدهر، فيجعلونه الذي يفعلُ ذلك فَيذُّمونه عليه، فقال النبي - ﷺ -: لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء وتصيبكم هذه المصائب، فإنكم إذا سَبَبْتُم فاعلها، فإنما يقع السَّبُ على الله ﷿ إذْ هو الفاعل لها، لا الدهر (^١).
* * *
_________________
(١) "غريب الحديث" (٢/ ١٤٥ - ١٤٨) وقد نقله المصنف باختصار.
[ ٤٢٠ ]