٢٤١ - ناه أبو القسم بإسناده: عن أُبيّ بن كعب قال: "لا تَسُبُوا الرِّيح فإنها من نَفَس الرحمن جلَّ اسمه" وفي لفظ آخر "فإنها من نفس الله جلّ اسمه، فإذا رأيتموها فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرْسِلتْ به، ونعُوذُ بالله من شرها، وشر ما فيها، وشرِّ ما أُرسلت به" (^١).
٢٤٢ - وروى ابن بطة في بعض مُكاتباته إلى بعض أصدقائه جواب مسائل سأله عنها بإسناده: عن جابر قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا رَأَيتم
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه النسائي في لاعمل اليوم والليلة" (٩٣٦) والحاكم (٢/ ٢٧٢) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٤٦٣) عن جرير عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ذر بن عبد الله عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن أُبي موقوفا عليه. قلت: حبيب مدلس وقد عنعنه، والحديث اختلف فى رفعه ووقفه. فقد خالف محمد بن فضيل جريرًا فرواه بهذا الطريق مرفوعًا. أخرجه أحمد (٥/ ١٢٣) والترمذي (٤/ ٥٢١) (وقع في طبعة شاكر: عن زر بدل ذر وهو خطأ) والنسائي في "عمل اليوم" (٩٣٤) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص ٩٣). قال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في "عمل اليوم" (٩٣٧) عن سهل بن حماد عن شعبة عن حبيب به مرفوعًا، وسنده جيد، شعبة يتثبت عن المدلسين. وأخرجه بإسنادين (٩٣٨، ٩٣٩) عن ابن أبي عدي وابن شميل كلاهما عن شعبة عن حبيب به موقوفًا. وأخرجه البخاري في الأدب (٧١٩) وعبد الله في "زوائده على المسند" (٥/ ١٢٣) عن إسباط عن الأعمش عن حبيب عن سعيد به موقوفًا وعن عبد الله مرفوعًا. لكن للحديث شاهد يقويه من حديث عائشة -﵂-، أخرجه مسلم (٢/ ٦١٦) والنسائي في "عمل اليوم" (٩٤٠) والبيهقي في سننه (٣/ ٣٦٠) عن عبد الله بن وهب سمعت ابن جريج يحدثنا عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة زوج النبي -ﷺ- أنها قالت: كان النبي -ﷺ- إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني اسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به … ".
[ ٢٩٦ ]
الريح فَلَا تَسُبُوها، فإنها من نفس الرحمن، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فسلُوا الله من خيرها، واستعيذوا بالله من شَرِّها" (^١).
اعلم أنَّ شيخنا ابا عبد الله ذكر هذا الحديث في كتابه، وامتنع أن يكون على ظاهره في أنَّ الريح صفةٌ ترجع إلى الذات، والأمر على ما قاله، ويكون معناه أنَّ الريح مما يُفَرِّج الله ﷿ بها عن المكروب والمغموم، فيكون معنى النفس معنى "التنفيس" وذلك معروف في قولهم: نَفَّسْتُ عن فلان، أي فَرَّجْت عنه، وكلمت زيدًا في التَّنفيس عن غريمه، ويقال: نفَّس الله عن فلان كربة أي فرَّج عنه (^٢)، وروي في الخبر "من نفَّس عن مكروبٍ كُربة نَفَّس الله عنه كربة يوم القيامة" (^٣)، وروى في الخبر أنَّ الله فَرَّجَ عن نبيه بالريح يوم الأحزاب فقال سبحانه ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
وإنما وجب حمل هذا الخبر على هذا، ولم يجب تأويل غيره من الأخبار، لأنَّه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك، وذلك أنَّه قال: "فإذا رأيتموها فقولوا اللهم إنَّا نسألك من خيرها، وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أرسلت به" وهذا يقتضي أنَّ فيها شرُّ وأنها مرسلة، وهذه صفات المحدثات.
٢٤٣ - ونا أبو القسم بإسناده: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إنَّ
_________________
(١) لم أقف عليه من حديث جابر، ويأتي نحوه من حديث أبي هريرة.
(٢) انظر الصحاح (٣/ ٩٨٥) واللسان (٦/ ٤٥٠٢).
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٢) ومسلم (٤/ ٢٠٧٤) والترمذي (٥/ ١٩٥ - ١٩٦) وابن ماجه (١/ ٨٢) عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من نَفَّس عن مؤمن كُربة من كُرَب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كُرب يوم القيامة، ومن يسرَّ على مُعْسِر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، " الحديث.
[ ٢٩٧ ]
الريح من رَوْحِ الله، يَبْعثها بالرَّحمة، ويبعثها بالعذاب، فلا تَسُبُوها، وسلُّوا الله خيرها وعوذوا بالله من شرِّها" (^١).
وقوله "فإنها من روح الله" يدل على صحة التأويل، وأنه يُروح بها عن المكروب (^٢).
_________________
(١) صحيح أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨) وأبو داود (٥/ ٣٢٨ - ٣٢٩) عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري حدثني ثابت بن قيس عن أبي هريرة قال: أخذت الناس ريح بطريق مكنة، وعمر بن الخطاب حاج، فاشتدت عليهم، فقال عمر لمن حوله: من يحدثنا عن الريح؟ فلم يرجعوا إليه شيئًا، فبلغني الذي سأل عنه عمر من ذلك، فاستحثثت راحلتي حتى أدركته فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرت أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: فذكره. قلت: إسناده صحيح، رجاله ثقات، ثابت هو الزرقي ثقة، وقد حسَّن الحديث النووي في الأذكار (ص ١٦٢) فقصّر. وتابع الأوزاعي معمرًا، رواه أحمد (٢/ ٤٠٩) والنسائي في عمل "اليوم والليلة" (٩٣٢) وابن ماجه (٢/ ١٢٢٨) وابن حبان (٧/ ٤٩٣). وتابعه يونس، أخرجه أحمد (٢/ ٥١٨)، وزيادة بن سعد الخراساني، أخرجه النسائي في "عمل اليوم" (٩٣١).
(٢) قال النووي في الأذكار (ص ١٦٢): "من روح الله" هو بفتح الراء، قال العلماء: أي من رحمة الله بعباده. ونقل البيهقي في "الأسماء" (ص ٤٦٣) عن أبي منصور الأزهري قال: قوله -ﷺ- "الريح من نفس الرحمن" أي: من تنفيس الله تعالى بها عن المكروبين. قلت: وقال ابن قتيبة في "الاختلاف في اللفظ" (ص ٢٩) في قوله تعالى ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، أي: برحمة، وكذا قوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ أي: فرحمة ورزق، على قراءة من قرأها بالضم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ - كما في مجموع الفتاوى (٩/ ٢٩٠ - ٢٩١): وقال النبي -ﷺ-: "الريح من روح الله" أي من الروح التي خلقها الله، فإضافة الروح إلى الله إضافة ملك، لا إضافة وصف، إذ ما يضاف إلى الله إن كان عينًا قائمةً بنفسها فهو ملك له، وإن كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به فهو صفة لله. فالأول كقوله ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ وقوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ وهو جبريل ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ وقال ﴿وَمَرْيَمَ =
[ ٢٩٨ ]
وقوله: "يبعثها بالرحمة وبالعذاب" صريحٌ في أنها مخلوقة، مأمورة بالرحمة تارة وبالعذاب أخرى، وهذا دليلٌ على صحة التأويل.