١١٢ - ناه أبو محمد الحسن بن محمد (^٢) فيما خرَّجه من أخبار الصفات بإسناده: عن معاذ بن جبل قال: احتبس علينا رسول الله -ﷺ- يومًا بصلاة الغداة حتى كادت الشمس أن تطلع، فلما خرج صلى بنا الغداة فقال: "إني صليتُ الليلة ما قضي لي، ثم وضعتُ جنبي في
_________________
(١) = قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١١٤): وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. قلت: كذا اقتصر عليه، وفيه شريك بن عبد الله النخعي، سيء الحفظ. وعزاه السيوطي في الدر (٧/ ٦٤٥) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه. وأخرجه ابن جرير (٢٧/ ٢٦) قال حدثنا يحيى بن سعيد الأموي حدثنا أبي حدثنا محمد ابن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس: "ثم دنى فتدلى" قال: دنى ربه فتدلى" وإسناده حسن، وعزاه السيوطي في الدر (٧/ ٦٤٥) إلى ابن مردويه.
(٢) أخرجه البخاري (٣/ ٢٩) (١١/ ١٢٨ - ١٢٩) (١٣/ ٤٦٤) ومسلم (١/ ٥٢١ - ٥٢٣) عن أبي هريرة مرفوعًا به.
(٣) هو الخلال، تقدمت ترجمته.
[ ١٥٠ ]
المسجد، فأتاني ربي في أحسن صورة، فقال لي: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، فضرب يديه بين ثديي، حتى بدا لي ما في السماوات والأرض" (^١).
_________________
(١) حديث معاذ بن جبل، أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٣) والترمذي (٥/ ٣٦٨ - ٣٦٩) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٢١٨ - ٢١٩) عن جهضم اليمامي ثنا يحيى بن أبي كثير ثنا زيد بن أبى سلام عن أبي سلام -وهو زيد بن سلام بن أبي سلام نسبه إلى جده- أنه حدثه عبد الرحمن بن عياش الحضرمي من مالك بن يخامر أن معاذ بن جبل قال: احتبس علينا رسول الله -ﷺ- ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله -ﷺ- سريعًا فثوَّب بصلاة، وصلى وتجّوز في صلاته، فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم" ثم أقبل إلينا فقال: "إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمتُ من الليل فصليت. . ." فذكر تمام الحديث. قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وأعلَّه ابن خزيمة (ص ٢٢٠) بتدليس يحيى بن أبي كثير، ولكنه قد صرح بالتحديث بالإسناد السابق وهو عند أحمد فأمنَّا من تدليسه. تنبيه: سقط من إسناد ابن خزيمة ذكر "أبي سلام". وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٠٩) عن جهضم وموسى بن خلف قالا ثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن أبي عبد الرحمن السكسكي عن مالك بن يخامر عن معاذ به. فذكر أبا عبد الرحمن السكسكي بدلًا من عبد الرحمن بن عياش. وأخرجه أبو بكر النجاد في "الرد على من يقول القرآن مخلوق" (٧٤). وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٣٤٤) عن موسى بن خلف العمي وحده عن يحيى بن أبى كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن أبي عبد الرحمن السكسكي عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل به. وموسى بن خلف العمي وثقه يعقوب بن شيبة والعجلي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: أكثر من المناكير (التهذيب ١٠/ ٣٤١). وقال البيهقي في الأسماء (ص ٣٠٠): وأحسن طريق فيه: رواية جهضم بن عبد الله ثم رواية موسى بن خلف. وأخرجه النجاد (٧٥) وابن خزيمة (ص ٢٢٠) والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٤١ - ١٤٢) =
[ ١٥١ ]
١١٣ - وروى أبو القسم عبيد الله بن أحمد الصيرفي (^١) فيما خرَّجه من أخبار الصفات بإسناده: عن معاذ عن النبي -ﷺ- قال: "رأيت ربي في منامي" وذكر الخبر.
اعلم أن الكلام في هذا الخبر يتعلق به فصول:
أحدها: جواز إطلاق الصورة عليه، وقد تقدم الكلام في ذلك.
الثاني: جواز رؤيته في منامه، وهذا غير ممتنع في حق النبي -ﷺ- وفي حق غيره من المؤمنين.
١١٤ - وقد نص أحمد على هذا فيما رواه عبد الله: سمعت أبي يقول: رأيت رب العزة في النوم فقلت: يا رب ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك؟ قال فقال: كلامي يا أحمد، قلت يا رب، بفهمٍ أو بغير فهم؟ قال: بفهمٍ
_________________
(١) = والحاكم (١/ ٥٢١) عن محمد بن سعيد بن سويد حدثني أبي عن عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل به. وأعله ابن خزيمة فقال: وهذا الشيخ سعيد بن سويد لست أعرفه بعدالة ولا جرح، وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو أبو شيبة الكوفي ضعيف الحديث، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ. اهـ وقال ابن عدي: وهذا له طرق قوله "رأيت ربي في أحسن صورة" واختلفوا في أسانيدها، فرأيت أحمد بن حنبل صحح هذه الرواية التي رواها موسى بن خلف عن يحيى بن أبي كثير حديث معاذ بن جبل، قال: هذا أصحها اهـ. وانظر المزيد من الكلام على الحديث وطرقه في الإصابة (٢/ ٤٠٥ - ٤٠٧).
(٢) هو عبيد الله بن أبي الفتح - واسمه أحمد بن عثمان بن الفرج، يكنى أبا القاسم الصيرفي وهو الأزهري ويعرف بابن السوادي. قال الخطيب: وكان أحد المكثرين من الحديث كتابة وسماعًا، ومن المعنيين به والجامعين له، مع صدق وأمانة، وصحة واستقامة، وسلامة مذهب وحسن معتقد، ودوام درس للقرآن، ولد سنة ٣٥٥ هـ ومات سنة ٤٣٥ هـ. (تاريخ بغداد (١٠/ ٣٨٥».
[ ١٥٢ ]
وبغير فهم (^١).
فأخبر عن نفسه بالرؤية فدلَّ على جوازه.
١١٥ - والوجه في جوازه: ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: "رؤيا الرجل الصالح، جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة" (^٢).
فوجه الدلالة أنه أخبر أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وما كان من النبوة لا يكون إلا حقًّا، ولا يكون باطلًا، فوجب أن تكون رؤية الله حقا (^٣).
_________________
(١) رواه ابن الجوزي في "مناقب الإمام أحمد" (ص ٤٣٤) باب ذكر المنامات التي رآها أحمد ابن حنبل. وسيأتي الكلام على هذه المسألة.
(٢) أخرجه البخاري (١٢/ ٤٠٤) ومسلم (٤/ ١٧٧٣) عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا به، لكن قال في رواية مسلم: جزء من خمس وأربعين جزءًا. وتابعه أبو صالح عن أبي هريرة، أخرجه مسلم (٤/ ١٧٧٤). وتابعهما أبو سلمة عن أبي هريرة، أخرجه مسلم (٤/ ١٧٧٤). وتابعهم همام بن منبه عن أبي هريرة، أخرجه مسلم (٤/ ١٧٧٤).
(٣) تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن هذه المسألة في كتابه "تلبيس الجهمية" فقال في معرض بيانه للوهم والخيال ومطابقته للحقيقة: وقد يكون التوهم والتخيل مطابقًا من وجه دون وجه، فهو حق في مرتبته، وإن لم يكن مماثلًا للحقيقة الخارجة مثل ما يراه الناس في منامهم. وقد يرى في اليقظة من جنس ما يراه في منامه. فإنه يرى صورًا وأفعالًا، ويسمع أقوالًا، وتلك أمثال مضروبة لحقائق خارجية، كما رأى يوسف سجود الكواكب والشمس والقمر له، فلا ريب أن هذا تمثله وتصوره في نفسه، وكانت حقيقته سجود أبويه وأخوته، كما قال: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]، وكذلك رؤيا الملك التي عبرها يوسف حيث رأى السنبل بل والبقرة، فتلك رآها متخيلة متمثلة في نفسه وكانت حقيقتها وتأويلها من الخصب والجدب. فهذا التمثل والتخيل حق وصدق في مرتبته بمعنى أن له تاويلًا صحيحًا يكون مناسبًا له ومشابهًا له من بعض الوجوه، فإن تأويل الرؤيا مبناها على القياس والاعتبار =
[ ١٥٣ ]
ولأنه إجماع أهلُ الأعصار، وذلك أنّ عصرًا بعد عصر من لدن التابعين
_________________
(١) = والمشابهة والمناسبة. ولكن من اعتقد أن ما تمثل في نفسه وتخيل من الرؤيا هو ممائل لنفس الموجود في الخارج، وأن تلك الأمور هي بعينها رآها فهو مبطل، مثل من يعتقد أن نفس الشمس التي في السماء والقمر والكواكب انفصلت عن أماكنها وسجدت ليوسف، وأن بقرًا موجودة في الخارج سبعًا سمانًا أكلت سبعًا عجافًا: فهذا باطل. وإذا كان كذلك فالإنسان قد يرى ربه في المنام ويخاطبه، فهذا حق في الرؤيا، ولا يجوز أن يعتقد أن الله في نفسه مثل ما رأى في المنام، فإن سائر ما يُرى في المنام لا يجب أن يكون مماثلًا، ولكن لابد أن تكون الصورة التي رآه فيها مناسبة ومشابهة لاعتقاده في ربه، فإن كان إيمانه واعتقاده مطابقًا أتى من الصور وسمع من الكلام ما يناسب ذلك، وإلا كان بالعكس. قال بعض المشايخ: إذا رأى العبد ربه في صورة كانت تلك الصورة حجابًا بينه وبين الله. وما زال الصالحون وغيرهم يرون ربهم في المنام ويخاطبهم، وما أظن عاقلًا ينكر ذلك، فإن وجود هذا مما لا يمكن دفعه، إذا الرؤية تقع للإنسان بغير اختياره، وهذه مسألة معروفة، وقد ذكرها العلماء من أصحابنا وغيرهم في أصول الدين، وحكوا عن طائفة من المعتزلة وغيرهم إنكار رؤية الله، والنقل بذلك متواتر عمن رأى ربه في المنام، ولكن لعلهم قالوا: لا يجوز أن يعتقد أنه رأى ربه في المنام فيكونون قد جعلوا مثل هذا من أضغاث الأحلام، ويكونون من فرط سلبهم ونفيهم نفوا أن تكون رؤية الله في المنام رؤية صحيحة كسائر ما يرى في المنام. فهذا مما يقوله المتجهمة، وهو باطل مخالف لما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، بل ولما اتفق عليه عامة عقلاء بني آدم، وليس في رؤية الله في المنام نقص ولا عيب يتعلق به -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَي-، وإنما ذلك بحسب حال الرائي وصحة إيمانه وفساده، واستقامة حاله وانحرافه. وقول من يقول ما خطر بالبال أو دار في الخيال فالله بخلافه، ونحو ذلك، إذا حمل على مثل هذا كان محملًا صحيحًا، فلا نعتقد أن ما تخيله الإنسان في منامه أو يقظته من الصور أن الله في نفسه مثل ذلك، فإنه ليس هو في نفسه خلاف ما يتخيله ويتصوره في منامه ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا مشابهًا لها، فالله تعالى أجل وأعظم اهـ (تلبيس الجهمية (١/ ٧٢ - ٧٤». وقال في "الوصية الكبرى" (ص ٢٧ - بتحقيقنا) وهي في مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٠): وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانًا صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق.
[ ١٥٤ ]
ومن بعدهم يخبر أنه رأى ربه، ولا ينقل عن أحد من أهل العصر الإنكار عليه فدلَّ سكوتهم على جواز ذلك.
١١٦ - من ذلك رقبة بن مسقلة (^١) قال: رأيت رب العزة في المنام فقال: لأكرمِنَّ مثوى سليمان يعني التيمي.
١١٧ - وعن عطاء السليمي (^٢) أنه رأى ربه في المنام فقال: ما هذا الخوف الشديد الذي تخافني، ألم تعلم أني أرحم الراحمين؟
١١٨ - وعن حمزة بن حبيب الزيات (^٣) أنه رأي في المنام كأنه عُرض على الله فقال له: إقرأ القرآن كما علَّمتك، وذكر القصة بطولها.
ولا يصح حمل ذلك على أنهم رأوا بشارة ربهم لأن في الأخبار ما يسقط ذلك وهو قوله لأكرمَنَّ مثوى سليمان، وقوله ما هذا الخوف، وقوله اقرأ.
الثالث: جواز الإتيان عليه، وهذا غير ممتنع إطلاقه إذا لم يوصف بالانتقال، ومثل هذا قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] يجوز إطلاقه هذه الصفة عليه لا على وجه الانتقال والحدوث، وإن كان حرف
_________________
(١) رقبة بن مصقلة (ويقال مسقلة كما وقع في صحيح مسلم) العبدي أبو عبد الله قال عبد الله ابن أحمد عن أبيه شيخ ثقة من الثقات مأمون، وقال يحى: ثقة، وكذا قال النسائي والعجلي، وكان صديقا لسليمان التيمي (التهذيب ٣/ ٢٨٦).
(٢) عطاء السليمي الزاهد المشهور، قال ابن أبي حاتم (٦/ ٣٤٠): رأى عبد الله بن غالب، بايع ابن الأشعث، روى عنه نوح بن قيس، سمعت أبي يقول ذلك اهـ. ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وترجم له أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢١٥ - ٢٢٦).
(٣) حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات القارئ أبو عمارة الكوفي، قال ابن معين ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان رجلًا صالحًا عنده أحاديث وكان صدوقًا، وقال الساجي والأزدي: يتكلمون في قراءته: وينسبونه إلى حالة مذمومة فيه وهو في الحديث صدوق سيء الحفظ ليس بمتقن في الحديث، وقال الحافظ: صدوق زاهد ربما وهم. (التهذيب ٣/ ٢٧ - ٢٨).
[ ١٥٥ ]
"ثم" يقتضي ذلك في اللغة، وكذلك قوله "ينزل الله إلى السماء الدنيا" يجوز إطلاق ذلك من غير انتقال وشغل مكان (^١).
فإن قيل: قوله "في أحسن صورة" معناه بأحسن صورة، فتكون الفاء بمعنى الباء، ويكون معنى الإتيان فعله وإظهاره له، ومنه قوله تعالى ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] معناه إظهار فعله، وكذلك قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] معناه بظلل.
_________________
(١) الواجب على المسلم التعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية، خصوصًا فيما يتعلق بصفات الباري سبحانه وأسمائه، ولفظ "الحركة والانتقال" لم يرد في الكتاب والسنة، فالإمساك عن ذكره، هو الموافق للحق والصواب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: وأما لفظ "الزوال" و"الانتقال" فهذا اللفظ مجمل، ولهذا كان أهل الحديث والسنة فيه على أقوال: عثمان بن سعيد الدرامي وغيره أنكروا على الجهمية قولهم: إنه لا يتحرك. وذكروا أثرًا: أنه لا يزول، وفسروا الزوال بالحركة، فبين عثمان بن سعيد أن ذلك الأثر إن كان صحيحًا لم يكن حجة لهم، لأنه في تفسير قوله (الحي القيوم) ذكروا عن ثابت: دائم باق لا يزول عما يستحقه. كما قال ابن إسحاق: لا يزول عن مكانته. (قلت) والكلبي بنفسه الذي يروي هذا الحديث وهو يقول: (استوى على العرش)، واستقر. ويقول: (ثم استوى إلى السماء) صعد إلى السماء. وأما "الانتقال" فابن حامد وطائفة يقولون: ينزل بحركة، وانتقال. وآخرون من أهل السنة كالتميمي من أصحاب أحمد أنكروا هذا، وقالوا: بل ينزل بلا حركة وانتقال. وطائفة ثالثة، كابن بطة وغيره يقفون في هذا. وقد ذكر الأقوال الثلاثة القاضي أبو يعلى في "كتاب اختلاف الروايتين والوجهين" ونفي اللفظ بمجمله. والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص: فيثبت ما أثبت الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه وهو أن يثبت النزول والإتيان والمجيء وينفي المثل والسمي والكفؤ والند. وقد صرح طوائف منهم بالحركة كما صرح بذلك طوائف من أئمة الحديث والسنة، وصرحوا بأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، وأن الحركة من لوازم الحياه، وقد صرح بالحركة من صرح من الفلاسفة.
[ ١٥٦ ]
قيل: هذا غلطٌ لوجوه، أحدها: أن إظهار فعله وتدبير ملكه عام في كل الأزمان والأحوال، فلا فائدة بتخصيصه في تلك الليلة التي أسرى به. اهـ
والثاني: إن جاز تأويله على إتيان الأفعال والملك، جاز حمل قوله: "إنكم ترون ربَّكم يوم القيامة" على رؤية أفعاله وملكه، وقد أجمعنا ومثبتوا الصفات على خلاف ذلك.
الثالث: أنه وصفه بالصورة ووضع الكف بين كتفيه، وهذه الصفة لا تتصف بها الأفعال والملك، فأما قوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] فالمراد به أفعاله، لأن في الآية ما دلَّ عليه، وهو خراب الديار بقوله ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ [النحل: ٢٦] (^١).
وأما قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] المراد به الذات على أصولنا، لأن حمله على الأمر يُسقط فائدة التخصيص بذلك اليوم، لأن أمره سابق لإتيانه، ولأن إنْ جاز حمله على هذا، جاز حمل قوله "إنكم ترون ربكم يوم القيامة" على رؤية أمره وملكه.
١١٩ - فإن قيل: فقد روي عن ابن عباس في قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: يأتيهم بوعده ووعيده.
قيل له: ولم يقل إنه لا يأتي ذاته، فيحتمل أن يكون تأتي ذاته بوعده
_________________
(١) أخرج ابن جرير (١٤/ ٦٧) عن قتادة في هذه الآية قوله: إي والله، لأتاها أمر الله من أصلها فخر عليهم السقف من فوقهم، والسقف أعالي البيوت، فأتفكت بهم بيوتهم فأهلكهم الله ودمرهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون. وإسناده حسن. قال ابن جرير: وقال آخرون: عني بقوله (فخر عليهم السقف من فوقهم) يقول: عذابٌ من السماء لما رأوه استسلموا وذلوا. قال: وأولي القولين بتأويل الآية قول من قال معنى ذلك: تساقطت عليهم سقوف بيتهم، إذ أتى أصولهم وقواعدها أمر الله فأتفكت بهم منازلهم، لأن ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان وخر السقف، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر الأعرف منها، أولى من توجيهها إلى غير ذلك، ما وجد إليه سبيل. اهـ
[ ١٥٧ ]
ووعيده وهكذا قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] معناه مجيء ذاته، لأن حمله على مجيء الأمر والملك يُسقط فائدة التخصيص بذلك اليوم، لأن أمره سابق، ولأن هذا يوجب تأويل "ترون ربكم"، ولأنه ليس في حمله على ظاهره ما يُحيل صفاته لأنَّا لا نثبت مجيئ انتقال، بل نثبت مجيئًا غير معقول، كما أثبتنا ذاتًا ونفسًا ووجهًا ويدًا (^١).
١٢٠ - وقد قال أحمد في رواية حنبل في قوله ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ قال: قدرته قال أبو إسحاق بن شاقلا هذا غلط من حنبل لا شك فيه، وأراد أبو إسحاق بذلك أن مذهبه حمل الآية على ظاهرها في مجيئ الذات هذا ظاهر كلامه والله أعلم.
١٢١ - وقد قال أحمد في رواية أبي طالب ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] فمن قال أن الله لا يرى فقد كفر وظاهر هذا أن أحمد أثبت مجيئ ذاته، لأنه احتج بذلك على جواز رؤيته، وإنما يحتج بذلك على جواز رؤيته إذا كان الإتيان والمجيئ مضافًا إلى الذات.
_________________
(١) وهو الصواب الذي عليه أئمة السلف، وجمهور الأمة، واختاره ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٩١) فقال: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويل من وجه قوله ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ إلى أنه من صلة فعل الرب -﷿-، وأن معناه هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وتأتيهم الملائكة. قال: ثم اختلف في صفة إتيان الرب ﵎ الذي ذكره في قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه -﷿- من المجيء والإتيان والنزول، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله -﷿- أو من رسول مرسل، فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا. اهـ ولا شك في صحة هذا القول، وهو من القواعد الثابتة لأهل السنة والجماعة، أنهم لا يتكلمون في أسماء الله وصفاته إلا بقول الله تعالى وقول الرسول -ﷺ-.
[ ١٥٨ ]