٢٤٤ - من حديث أبي الحسين وأبي القسم بن بشران عن دعلج عن ابن خزيمة بإسناده: عن النبي -ﷺ- قال وهو مُولٍ (^١) ظهره إلى اليمن: "إني أجد نفس الرحمن في ها هنا" (^٢).
_________________
(١) = ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، وقال عن آدم ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾. والثاني كقولنا: علم الله وكلام الله وقدرة الله وحياة الله وأمر الله، لكن قد يعبر بلفظ المصدر عن المفعول به فيسمي المعلوم علمًا، والمقدور قدرة، والمأمور به أمرًا، والمخلوق بالكلمة كلمة، فيكون ذلك مخلوقًا، كقوله ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ وقوله ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ اهـ.
(٢) في الأصل: مولي، وهو خطأ.
(٣) صحيح، أخرجه أحمد (٤/ ١٠٤) والطبراني في الكبير (٧/ ٥٢/ ٦٣٥٨) عن الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن إبراهيم بن سليمان الأفطس عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير أن سلمة بن نفيل السكوني قال: دنوت من رسول الله -ﷺ- حتى كادت ركبتاي تمسان فخذه، فقلت: يا رسول الله تركت الخيل وأُلقي السلاح، وزعم أقوام أن لا قتال، فقال: "كذبوا الآن جاء القتال، لا تزال من أمتي أمةٌ قائمة على الحق، ظاهرةٌ على الناس، يزيغ الله قلوب قومٍ، قاتلوهم لينالوا منهم، وقال وهو مول ظهره إلى اليمن: "إني أجدُ نفس الرحمن ههنا، ولقد أوحي إليَّ مَكْفُوتٌ غير مُلَبِّثٍ، وتتبعوني أفنادًا، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها" واللفظ للطبراني، وليس عند أحمد "وقال وهو مول ظهره … إلى قوله: أفنادًا"، وزاد أحمد "ألا إن عقر دار المؤمنين الشام والخيل معقود … دون قوله "وأهلها معانون عليها"، وسقط من إسناد الطبراني: إبراهيم بن سليمان". قلت: وإسناده حسن، رجاله ثقات سوى ابن عياش فإنه صدوق وروايته هنا عن أهل بلده، فابن سليمان دمشقي. =
[ ٢٩٩ ]
٢٤٥ - وروى ابن بطة في مكاتبته إلى بعض أصداقائه بإسناده: عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنَّه قال: "الإيمانُ يمان، والحكمة يمانية، وأجدُ نفس ربكم من قبل اليمن" (^١). ومعناه ما تقدم في الحديث الذي قبله، وهو أن أجد تفريج الله عني، وتنفيسه عن كربي، بِنّصرته إيّاي من قبل أهل اليمن، وذلك لمَّا نصره المهاجرون والأنصار نفس الله عن نبيه ما كان فيه من أذى المشركين، وقَتَلَهُم الله على أيدي المهاجرين من أهل اليمن والأنصار، وكان -ﷺ- كثيرًا ما كان يمدح أهل اليمن، فروي عنه أنه قال: "الإيمان يمان والحكمة يمانية" (^٢) وإنما وجب
_________________
(١) = ولم يتفرد به ابن عياش بل تابعه عبد الله بن سالم الحمصي وهو ثقة، أخرجه الطبراني (٧/ ٥٢/ ٦٣٥٨) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٤٦٢ - ٤٦٣). ووقع عند الطبراني: عبد الله بن صالح، وهو خطأ. وللحديث شاهد من حديث النواس بن سمعان: رواه أبو يعلى -كما في المطالب العالية (٤/ ٣٣٦) - وضعفه البوصيري لتدليس الوليد بن مسلم.
(٢) إسناده حسن، رواه أحمد (٢/ ٥٤١) والدارمي في "النقض" (ص ١٥١) معلقًا عن حريز بن عثمان عن شبيب أبي روح أن أعرابيًا أتى أبا هريرة فقال: يا أبا هريرة! حدثنا عن النبي -ﷺ- فذكر الحديث فقال: قال النبي -ﷺ-: "إلا أن الإيمان … فذكره". وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٥٥ - ٥٦) وقال: رواه أحمد ورجاله الصحيح غير شبيب، وهو ثقة. وقال شيخه العراقي في تخريج الأحياء (١/ ١٠٤): رجاله ثقات. وفيه نظر، فإن فيه عصام بن خالد الحمصي، قال النسائي فيه: ليس به بأس وقال الحافظ: صدوق. تنبيه: وقع عند أحمد والدارمي: جرير وهو خطأ، والصواب حريز بن عثمان فإنه الذي يروي عن شبيب، ويروي عنه عصام.
(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٥٢٦) ومسلم (١/ ٧٢ - ٧٣) عن شعيب عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "الفخر والخيلاء في الفدَّادين أهل الوَبَر، والسكينة في أهل الغنم، والإيمان يمان والحكمة يمانية". وله طرق وألفاظ أخرى أنظر البخاري (٨/ ٩٨، ٩٩) مسلم (١/ ٧١، ٧٢، ٧٣).
[ ٣٠٠ ]
حمله على ذلك لما تقدم في الحديث الذي قبله، وأنَّ فيه ما دلَّ على أنَّ النفس مخلوقةً، لأنه أضافه إلى الريح، والريح مخلوقة من جهة أنها مأمورة بالرحمة والعذاب، فوجب حملُ هذه المطلق على ذلك.
٢٤٦ - ورأيت في بعض مكاتبات ابن بطة إلى بعض أصدقائه وقد ذكر هذين الخبرين حديث جابر "إذا رأيتم الريح فلا تسبوها" وحديث أبي هريرة "أجد نفس ربكم" وحكى كلام ابن قتيبة في ذلك، فقال: أنت في نفس من أمرك أي في سعة، وقوله "من نفس الرحمن" معناه أنها يُفَرِّج بها الكرب، ويُذْهب بها الجدب، يقال: اللهم نَفَّس عني أيَّ: فرَّج عني، وذكر كلامًا طويلًا (^١).
ثم قال ابن بطة بعده: ومما يشهد لصحة هذا التأويل، وأنَّ الريح من نفس ربكم إنما أراد بالنفس: الفرج والروح، ما سمعت أبا أبا بكر بن الأنباري يقول: إنما سُمِّيت الريح ريحًا، لأنَّ الغالب عليها في هبوبها المجيء بالروح والراحة،
_________________
(١) لم أجد كلام ابن قتيبة في "غريب الحديث"، وفي "تأويل مختلف الحديث" (ص ١٤٣) يقول: قالوا رويتم عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن" وينبغي أن تكون الريح عندكم غير مخلوقة، لأنه لا يكون من الرحمن جل وعز شيء مخلوق. قال: ونحن نقول: إنه لم يرد بالنَّفس ما ذهبوا إليه، وإنما أراد أن الريح من فرَج الرحمن -﷿- ورَوْحه، يقال: اللهم نفِّس عني الأذى، وقِد فرج الله عن نبيه -ﷺ- بالريح يوم الأحزاب، وقال تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾. وكذلك قوله "إني لأجد نفس ربكم من قِبَل اليمن"، وهذا من الكناية، لأن معنى هذا أنه قال كنت في شدةٍ وكرب وغم من أهل مكة، ففرَّج الله عني بالأنصار، يعني أنه يجد الفرج من الأنصار -وهم من اليمن- فالريح من فرج الله تعالى وروحه، كما كان الأنصار من فرج الله تعالى. وقد بينت هذا في كتاب "غريب الحديث" بأكثر من هذا. اهـ. قلت: ولم أجده في المطبوع في مظنته والله أعلم. وانظر الكلام على الأحاديث السابقة في "النهاية" لابن الأثير (٥/ ٩٣ - ٩٤).
[ ٣٠١ ]
وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم والأذى، فهي مأخوذة (^١) من الروح وأصلها روح، فصارت الواوُ ياءً لسُكُونها وانكسار ما قبلها.
ثم قال: هذا ما قاله أهل العلم بتأويل الكتاب والسنة، وكلام العرب في تأويل الريح، ومعنى النَّفس بها، وفي كتاب الله تعالى ما دلَّ علي أنها بمعنى الفرج من الغم، والنَّفس من الكرب، أنَّ الغم والضيق يكونان بركودها، قوله جلَّ وعزَّ ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس: ٢٢].
وقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى: ٣٣].
٢٤٧ - وفي معنى ذلك حديث آخر: رواه ابن فورك ولم يقع لي طريقه أنه قال "هذا نفس ربي أجده بين كتفي أتتكم الساعة" (^٢) معناه هذا فرج الله عني صرف به غمومي وهمومي، وكشف عن قلبي، وسُري عن فؤادي ما كان يجده -ﷺ- في مستقبل أوقاته، من زوائد روح اليقين والألطاف، فسمَّى ذلك نفس الرّب، لأنَّه هو الذي نَفَّس به عنه، والإضافة على طريق الملك، والموجب لحمله على ذلك ما تقدم في الخبر الأول، وقد بيَّنا أنَّ فيه ما دلَّ عليه.
* * *
_________________
(١) كتب في الهامش: في الأصل مأخوذ بدون تاء.
(٢) مشكل الحديث لابن فورك (ص ٦٩)، ولم أقف على إسناده.
[ ٣٠٢ ]