١٢٢ - رواه أبو بكر الخلال عن الحسن بن ناضح الخلال قال نا الأسود بن عامر شاذان قال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- "رأى ربه جل ثناؤه جعدًا قططًا أمرد في حلة حمراء" (^١).
_________________
(١) حديث منكر، أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٧٧) ومن طريقه ابن الجوزي في "العلل" (١/ ٣٦) واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٢/ ٥١٢ - ٥١٣) مختصرًا والبيهقي في "الأسماء" (ص ٤٤٤ - ٤٤٥) عن شاذان به، لكن فيه: حلة خضراء، بدل حمراء. ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٦٧٧) وابن الجوزي في "العلل" (١/ ٣٥) والخطيب في "تاريخه" (١١/ ٢١٤) عن عبد الصمد بن حسان عن حماد به وفيه: عليه حلة حمراء. ووقع في العلل والتاريخ: ابن كيسان، وهو خطأ، وابن حسان له ترجمة في الجرح لابن أبي حاتم (٦/ ٥١) وقال عن أبيه: صالح الحديث صدوق. ووقع في الكامل المطبوع: ابن كيان، وهو من تحريفات الناشرين للكتاب التي لا تعد. ورواه ابن عدي عن الحسين بن يحيى بن كثير عن أبيه عن حماد به. وسيكرره المصنف من طرق عن شاذان. قال ابن عدي: قال لنا ابن أبي داود: روى هذا الحديث شاذان وإبراهيم بن أبي سويد وعفان وعبد الصمد بن حسان عن حماد، ورواه الحكم بن أبان عن زيرك عن عكرمة، وهو غريب اهـ. وقد اتهم حماد بن سلمة بهذا الحديث، وليس ذلك بصحيح. قال ابن عدي (٢/ ٦٧٦) حدثنا ابن حماد حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي أخبرني الصفات - حتى خرج خرجةً إلى "عبادان" فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانا خرج إليه في البحر فألقاها إليه. قال أبو عبد الله: سمعت عباد بن صهيب يقول: إن حماد بن سلمة كان لا يحفظ، فكانوا يقولون إنها دُسَّت في كتبه، وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدسُّ في كتبه هذه الأحاديث اهـ. هكذا اتهم الثلجي الكذاب حماد -﵀-، فدافع عنه ابن عدي بقوله: وأبو عبد الله بن الثلجي كذاب وكان يضع الحديث ويدسه في كتب أصحاب الحديث بأحاديث كفريات فهذه الأحاديث من تدسيسه. اهـ
[ ١٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الذهبي في الميزان (١/ ٥٩٣) بعد نقله لكلام ابن الثلجي: قلت: ابن الثلجي ليس بمصدق على حماد وأمثاله، وقد اتهم! نسأل الله السلامة. اهـ والثلجي هذا جهمي ضال، قال الذهبي في ميزانه (٣/ ٥٧٧): قال ابن عدي: كان يضع الحديث في التشبيه ينسبها إلى أصحاب الحديث يسابهم بذلك. قلت (أي الذهبي): جاء من غير وجهٍ أنه كان ينال من أحمد وأصحابه. ويقول: أيش قام به أحمد؟! قال المروزي: أتيته ولُمْتُه فقال: إنما أقول: كلام الله كما أقول: سماء الله وأرض الله. وكان يقول: أصحاب أحمد بن حنبل يحتاجون أن يذبحوا!! ويقول: عند أحمد بن حنبل كتب الزندقة! وتعرض الدارمي في "النقض على المريسي" له، ورد عليه في مواطن كثيرة من كتابه. ولا تعجب بعد هذا من دفاع إمام الجهمية في عصرنا، الكوثري الهالك عن إمامه هذا بقوله في تعليقه على كتاب "الأسماء" للبيهقي وهو يرد على ابن عدي قوله (أبو عبد الله الثلجي كذاب): وهذا غاية في التجرؤ وهكذا يكون من تحمسهم في الباطل! (يعني أصحاب الحديث) والثلجي إمام من أئمة المسلمين! وكان من بحور العلم آية في الورع، لكن الهوى يقتل صاحبه، وقد كشفت الستار عن وجه هذا التجرؤ في غير كتاب، وقد سبق بعض ما يتعلق بهذا، والعقيلي على تعنته لم يذكره في الضعفاء، ولابن عدي نزوات تقضي على نفسه! ". ثم انظر إليه وهو يهجم على حماد بن سلمة: وأحاديث حماد بن سلمة في الصفات تحتوي على غرائب تحتاج إلى تدوين كتاب خاص، راجع تكملة الرد على النونية (ص ٩٦)، والدفاع عن حماد بن سلمة ومحاولة تصحيح مثل هذا الحديث لا يصدر إلا ممن لا يعي ما يقول! فتبًّا لعقل يستسيغ الوثنية في الإسلام!! ويحاول الدفاع عن ضعفاء الأحلام، بعد وضوح العلل وتبين الخلل فيما يتمسك به أهل الزلل والله سبحانه هو الهادي. اهـ أقول: الله حسيبك فيما سطرته في ذم السلف وأهل الحديث وتنقصهم ورميهم بالوثنية وقصور العقل والجهل، وغيرها من الصفات التي أنت وأتباعك أحق بها وأهلها. فالحاصل أن حماد بن سلمة بريء من عهدة هذا الحديث، وقيل إن عكرمة أخطأ فيه. قال البيهقي: وقد حمل غيره (يعني ابن عدي) من أهل النظر في هذه الرواية على عكرمة مولى ابن عباس -﵄-، وزعم أن سعيد بن المسيب تكلم فيه، وكذلك عطاء وطاووس ومحمد بن سيرين، وكان مالك بن أنس لا يرضاه. ومسلم بن الحجاج لم يحتج به في الصحاح. اهـ قلت: وكلامه فيه نظر، فقد دافع عن عكرمة الحافظ في التقريب، بقوله: ثبت عالم =
[ ١٦٠ ]
١٢٣ - ونا أبو القسم عبد العزيز بن أحمد قال نا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت قال نا أبو عمر حمزة بن القسم الهاشمي نا عمر بن مدرك أبو حفص القاضي نا محمد بن الوليد مولى بني هاشم قال نا شاذان قال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "رأيت ربي -﷿- في حلة خضراء في صورة شاب عليه تاج يلمع منه البصر".
١٢٤ - ونا أبو القاسم عبد العزيز قال أخبرني أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك في الإجازة وقرأته على أبي قال نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال ثنا عبد الرزاق نا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: "أتاني ربي ﷿ الليلة في أحسنِ صورةِ -يعني في النوم- فقال لي: يا محمد، هل تدري فيم
_________________
(١) = بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة. وقد احتار الدارمي -﵀- في علة هذا الحديث فقال في "النقض" (ص ١٦٣): والله أعلم بهذا الحديث وعلته، غير أني أستنكره جدًّا، لأنه يعارض حديث أبي ذر أنه قال لرسول -ﷺ-: هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" ويعارضه قول عائشة -﵂-: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية وتلت (لا تدركه الأبصار) فهذا هو الوجه عندنا فيه اهـ. والحديث فيه عنعنة قتادة وهو مدلس، فلعلها هي العلة، والله أعلم. وللحديث طريق أخرى موقوفة على ابن عباس. فقد أخرج البيهقي في الأسماء (ص ٤٤٤) عن إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثني أبي عن عكرمة عن ابن عباس -﵁- أنه سئل: هل رأى محمد -ﷺ- ربه؟ قال: نعم، رآه كأن قدميه على خضرة دونه ستر من لؤلؤ، فقلت: يا ابن عباس أليس يقول الله -﷿- ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ قال: لا أم لك! ذاك نوره الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء. ثم نقل البيهقي عن ابن معين، تضعيفه لابراهيم بن الحكم بن أبان. وهو ضعيف عند جمهور المحدثين (انظر التهذيب).
[ ١٦١ ]
يختصم الملأ الأعلى؟ قال قلت: لا، قال: "فوضَعَ يده بين كتفي، حتى وجدتُ بَردهَا بين ثديي" (^١).
١٢٥ - وأخرج إلي أبو القاسم عبيد الله بن أحمد في جملة أخبار الصفات: قال نا أحمد بن محمد الرازي قال نا حمزة بن القسم قال نا أبو حفص عمر بن مدرك قال نا محمد بن الوليد مولى بني هاشم بغدادي قال نا شاذان قال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ- "رأيت ربي -﷿- في حلة خضراء في صورة شاب عليه تاج يلمع منه البصر".
١٢٦ - وقال أيضًا: نا محمد بن العباس قال نا أبو الطيب محمد بن القسم الكوفي قال نا أحمد بن زهير بن حرب قال نا إبراهيم بن محمد عن عروة قال نا شاذان قال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال؟ قال رسول الله -ﷺ-: "رأيت ربي -﷿- جعدًا أمرد عليه حلة خضراء".
١٢٧ - ونا أبو محمد الحسن بن محمد في جملة أخبار الصفات: نا يوسف بن عمر قال نا إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن داود العطار قال نا أبو الفضل محمد بن أبي هرون الوراق قال نا أحمد بن محمد بن يحيى ابن سعيد القطان قال نا أسود بن عامر قال نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: "رأيت ربي جعدًا أمرد عليه حلة خضراء".
١٢٨ - وأنا أبو محمد الحسن بن محمد قال أجاز لنا علي بن محمد بن لؤلؤ
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١٦٢ ]
قال نا الهيثم بن خلف الدوري قال: نا حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج قال: قال الضحاك: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه بعينيه مرتين في صورة شاب أمرد (^١).
١٢٩ - وأنا أبو بكر محمد بن عبد الملك بن بشران قال أنا أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني نا أبو العباس عبد الله بن جعفر بن خشيش نا محمد بن منصور الطوسي نا (^٢) أسود بن عامر نا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- "أنه رأى ربه -﷿- شابًّا أمرد جعدًا قططًا في حلة خضراء".
١٣٠ - وذكر أبو بكر الخلال في سننه قال أنا محمد بن علي بن محمد الوراق قال نا إبراهيم بن هاني قال نا أحمد بن عيسى وقال له أحمد بن حنبل حدثهم به في منزل عمه قال نا عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث عن سعيد (^٣) بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة ابن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يذكر "أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر، رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب، على وجهه فَراش من ذهب" (^٤).
_________________
(١) إسناده ضعيف، فيه عنعنة ابن جريج وهو مدلس. وقد أخرجه مسلم بلفظ: رآه بفؤاده مرتين. وقد تقدم ذكر طرقه.
(٢) في الأصل: نا أخبرنا، وهو خطأ.
(٣) في الأصل: سعد وهو خطأ، والتصويب من الطبراني والبيهقي وكتب الرجال.
(٤) حديث منكر، أخرجه الطبراني في الكبير (٢٥/ ١٤٣) والبيهقي في الأسماء (ص ٤٤٦ - ٤٤٧) عن عمرو بن الحارث به. وقد ضعفه الإمام أحمد بقوله: هذا حديث منكر، كما سيأتي نقل المصنف عنه. وفيه: مروان بن عثمان وهو ابن أبي سعيد بن المعلي الأنصاري الزرقي، ضعفه أبو حاتم وكذا الحافظ في التقريب. =
[ ١٦٣ ]
١٣١ - ونا أبو القسم عبد العزيز قال أنا أبو بكر عبد العزيز في الإجازة قال نا محمد بن سليمان قال نا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي وهب قال نا عمي عبد الرحمن بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "رأيت ربي في المنام في خضر من الفردوس إلى أنصاف ساقيه، في رجليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب" (^١).
١٣٢ - وأنا أبو بكر بن بشران أنا الدارقطني نا محمد بن إسماعيل الفارسي نا أبو زرعة الدمشقي نا أحمد بن صالح نا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحرث أن سعيد (^٢) بن أبي هلال أخبره أن مروان بن عثمان أخبره عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبىَّ بن كعب أنها سمعت رسول الله -ﷺ- يذكر "أنه رأى ربه في النوم في صورة
_________________
(١) = وقال في ترجمته من التهذيب (١٠/ ٩٥): ذكر المؤلف (أي المزي) أنه روى عن أم الطفيل وفيه نظر، فإن روايته إنما هي عن عمارة بن عمرو بن حزم عن أم الطفيل امرأة أُبي في "الرؤية" وهو متن منكر، قال أبو بكر بن الحداد سمعت النسائي يقول: ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله -﷿-. اهـ قلت: وعمارة بن عمرو بن حزم، هو نفسه: عمارة بن عامر، فإن عمرو هو جدّ عمارة، كما سيأتي نقل المصنف عن أبي زرعة. وذكره ابن أبي حاتم في كتابه (٦/ ٣٦٧) ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢٤٥) وقال: يروي عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب عن النبي -ﷺ- قال: "رأيت ربي" حديثًا منكرًا، لم يسمع عمارة من أم الطفيل، وإنما ذكرته لكي لا يغتر الناظر فيه فيحتج به من حديث أهل مصر.
(٢) هو مكرر الحديث السابق.
(٣) في الأصل: سعد.
[ ١٦٤ ]
شاب ذي وفرة قدماه في الخضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب".
١٣٣ - وروى أبو عبد الله بن بطة في كتاب "الإبانة": قال أحمد بن محمد الباغندي قال نا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال نا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الحرث عن عبد الله ابن أبي سلمة عن عبد الله بن عمر: أنه بعث إلى عبد الله بن عباس يسأله هل رأى محمد ربه ﵎؟ فبعث إليه: أن نعم قد رآه، فرد عليه رسوله فقال: كيف رآه؟ قال: فقال رآه على كرسي من ذهب، تحمله أربعة من الملائكة، مَلَك في صورة رجل، وملك في صورة أسد، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، في روضة خضراء دونه فراش من ذهب" (^١).
١٣٤ - قال: ونا أبو ذر قال نا العطاردي قال نا يونس بن بكير عن أبي إسحق قال حدثني يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنشد رسول الله -ﷺ- من قول أمية بن أبي الصلت:
رَجُلٌ وثورٌ تحت رجلِ يمينه … والنَّسر للأخُرى ولَيث مرصد
_________________
(١) إسناده ضعيف، أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٩٨) وابن أبي شيبة في كتاب "العرش" (٣٨ - بتحقيقي) والآجرّي في "الشريعة" (ص ٤٩٤) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٤٤٣) وابن الجوزي في "العلل" (١/ ٣٧) وذكره الذهبي في الميزان (٣/ ٤٧٤) كلهم عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به. قال البيهقي: فهذا حديث تفرد به محمد بن إسحاق بن يسار، وقد مضى الكلام في ضعف ما يرويه إذا لم يبين سماعه فيه، وفي هذه الرواية انقطاع بين ابن عباس -﵄- وبين الراوي عنه، وليس بشيء من هذه الألفاظ في الروايات الصحيحة عن ابن عباس -﵄-. اهـ
[ ١٦٥ ]
فقال رسول الله -ﷺ- صدق (^١).
_________________
(١) صحيح، أخرجه أحمد (١/ ٢٥٦) وابنه عبد الله في "السنة" (٢/ ٥٠٣ - ٥٠٤) والدارمي (٢/ ٢٩٦) وابن أبي عاصم في "السنة" (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦) وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٩١) والطبراني في الكبير (١١/ ٢٣٣) وابن منده في "الرد على الجهمية" (ص ٤٣ - ٤٤) كلهم عن عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة (وقع عند أحمد: عتيبة وهو خطأ) عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي -ﷺ-: "صدق أمية في شيء من شعره فقال: رجل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد فقال النبي -ﷺ- صدق، وقال: والشمس تطلع كل آخر ليلة … حمراء يصبح لونها يتورد تأتي فما تطلع لنا في رسلها … إلا معذبة وإلا تجلد فقال النبي -ﷺ-: "صدق". قال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٧١): هذا إسناد جيد. قلت: لكن فيه عنعنة ابن إسحاق. لكن قد صرح بالسماع في رواية يونس بن بكير عنه، أخرجها ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ٩١) والبيهقي في "الأسماء" (ص ٣٦٠). وأخرجه ابن خزيمة (ص ٩٠) عن محمد بن عيسى حدثنا سلمة بن الفضل حدثني ابن إسحاق به. وفي إسناد البيهقي أحمد بن عبد الجبار وهو العطاردي، ضعيف، ولكن تابعه عند ابن خزيمة محمد بن أبان البلخي وهو ثقة حافظ، ويونس بن بكير دون عبدة بن سليمان الكلابي في الحفظ، قال ابن أبي حاتم: سئل أبي وأبو زرعة عن عبدة بن سليمان ويونس بن بكير وسلمة بن الفضل، أيُّهم أحب إليكم في ابن إسحاق؟ فقالا: عبدة بن سليمان. وعلى كل حال، لم يتفرد به محمد بن إسحاق، خلافًا لقول البيهقي في الأسماء، بل تابعه عمارة بن أبي حفصة، أخرجه ابن خزيمة (ص ٩١) حدثنا أبو هاشم زياد بن أيوب حدثنا إسماعيل يعني ابن علية حدثنا عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عن ابن عباس فذكر القصة، قال عكرمة فقلت لابن عباس: وتجلد الشمس؟ فقال: عصفت بهن وأبيك إنما اضطره الراوي إلى أن قال تجلد. وإسناده صحيح، عمارة بن أبي حفصة، قال أحمد وابن معين وأبو زرعة وابن سعد والنسائي: ثقة، وأبو هاشم ثقة حافظ. وزيادة قال عكرمة فقلت لابن عباس. . .، فيها ما يستنكر وهو قوله: وأبيك، وقال الشيخ الهراس: وهي زيادة لا تطمئن إليها النفس.
[ ١٦٦ ]
وقد ذكر أبو الحسن الدارقطني هذه الألفاظ في كتب الرؤية من طرق.
اعْلَم أن الكلام في هذه الأخبار في فصلين: أحدهما: في طرقها، والثاني: في ألفاظها أما طرقها: فإن كلام أحمد في ذلك مختلف.
١٣٥ - فروى المروذي قال حدثني عبد الصمد بن يحيى الدهقان قال سمعت شاذان يقول: أرسلت إلى أبي عبد الله أستأذنه في أن أحدث بحديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس "رأيت ربي" فقال: حدِّث به فقد حدث به العلماء، فقلت: إنهم يقولون ما رواه غير شاذان قال: بلى قد كتبته عن عفان عن رجل عن حماد بن سلمة (^١).
وهذا من أحمد تصحيحٌ لحديث ابن عباس وتثبيت له.
١٣٦ - وذكر أبو بكر الأثرم في كتاب العلل: سألت أحمد عن حديث عبد الرحمن بن عايش الذي روى عن النبي -ﷺ- "رأيت ربي في أحسن صورة" فقال يضطرب في إسناده، لأن معمرًا روى عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-.
وروى معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-.
ورواه حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-.
ورواه يوسف بن عطية عن قتادة عن أنس عن النبي -ﷺ-.
ورواه عبد الرحمن بن زيد عن جابر عن خالد بن اللجلاج عن
_________________
(١) أخرجه ابن المصنف في طبقاته (١/ ١١٨ - ١١٩) قال: أنبأنا محمد بن الأبنوسي عن الدارقطني حدثنا محمد بن مخلد حدثنا أبو بكر المروذي حدثنا عبد الصمد بن يحيى فذكره، دون قوله: فقلت إنهم يقولون ما رواه غير شاذان. . . إلخ. عبد الصمد بن يحيى الدهقان لم أجد له ترجمة.
[ ١٦٧ ]
عبد الرحمن بن عايش سمعت النبي -ﷺ-.
ورواه يزيد بن يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عايش عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-.
ورواه يحيى بن أبي كثير فقال عن ابن عباس عن مالك بن يخامر عن معاذ ابن جبل عن النبي -ﷺ-.
وأصل الحديث واحد، وقد اضطربوا فيه.
وظاهر هذا الكلام من أحمد التوقف في طريقه لأجل الاختلاف فيه، ولكن ليس هذا الكلام مما يوجب تضعيف الحديث على طريقة الفقهاء.
١٣٧ - ورأيت في مسائل مهنا بن يحيى الشامي قال: سألته يعني أحمد عن حديث رواه ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها قالت سمعت النبي -ﷺ- "يذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب" فحوَّل وجهه عني وقال: هذا حديث منكر، وقال: لا نعرف هذا رجل مجهول يعني مروان بن عثمان.
فظاهر هذا التضعيف من أحمد لحديث أم الطفيل.
١٣٨ - ورأيته بخط أبي بكر الكشي قال عبد العزيز سمعت الخلال يقول: إنما نروي هذا الحديث وإن كان في إسناده شيء، تصحيحًا لغيره ولأن الجهمية تنكره.
١٣٩ - ورأيت بخط ابن حبيب جوابات مسائل لأبي بكر عبد العزيز قال: حديث أم الطفيل فيه وهاء، ونحن قائلون به، وظاهر رواية إبراهيم
[ ١٦٨ ]
ابن هانئ تدل على صحته، لأن أحمد قال لأحمد بن عيسى في منزل عمه: حدثهم به، ولا يجوز أن يأمره أن يحدثهم بحديث يعتقد ضعفه، لا سيما فيما يتعلق بالصفات.
١٤٠ - وقد صححه أبو زرعة الدمشقي فيما سمعناه من أبي محمد الخلال وأبي طالب بن العشاري وأبي بكر بن بشران عن علي بن عمر الحافظ فيما خرَّجه في آخر "كتاب الرؤية" قال نا محمد بن إسماعيل الفارسي قال نا أبو زرعة الدمشقي قال: نا أحمد بن صالح قال نا ابن وهب أخبره أن مروان بن عثمان أخبره عن عمارة بن عامر عن أم الفيل امرأة أبي بن كعب أنها سمعت رسول الله -ﷺ- "يذكر أنه رأى ربه -﷿- في النوم في صورة شاب ذي وفرة قدماه في أخضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب".
قال أبو زرعة: كل هؤلاء لهم أنساب قوية بالمدينة، فأما مروان بن عثمان فهو مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلي الأنصاري، وأما عمارة فهو ابن عامر ابن عمرو بن حزم صاحب رسول الله -ﷺ-، وعمرو بن الحرث وسعيد بن أبي هلال فلا يشك فيهما، وحسبك بعبد الله بن وهب محدثًا في دينه وفضله (^١).
وظاهر الكلام من أبي زرعة إثباتًا (^٢) لرجال حديث أم الطفيل، وتعريفًا لهم وبيانًا عن عدالتهم، وهو ظاهر ما عليه أصحابنا، لأن أبا بكر الخلال ذكر
_________________
(١) في تاريخ أبي زرعة المطبوع (١/ ٤٤٥): ونسب مروان بن عثمان صاحب حديث أم الطفيل: مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلي الأنصاري. قال أبو زرعة: أخبرنيه محمد بن عثمان عن محمد بن شعيب أنه نسبه له، وقد روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري وسعيد بن أبي هلال. اهـ
(٢) كذا في الأصل.
[ ١٦٩ ]
حديث أم الطفيل في "سننه" ولم يتعرض للطعن عليه.
١٤١ - وأخرج إلىَّ أبو إسحق البرمكي (^١) جزءًا فيه حكايات عن أبي الحسن ابن بشار (^٢) رواية أبيه أبي حفص (^٣) عن أبيه أحمد بن إبراهيم (^٤) قال: سألت الشيخ يعني أبا الحسن بن بشار (^٥) عن حديث أم الطفيل وحديث
_________________
(١) أبو إسحاق البرمكي هو الشيخ الإمام إبراهيم بن عمر بن أحمد بن إبراهيم البرمكي ثم البغدادي الحنبلي، مولده في سنة إحدى وستين وثلاث مئة. سمع أبا بكر القطيعي والحافظ أبا الفتح الأزدي الموصلي وابن ماسي وعدة. حدث عنه: أبو غالب محمد بن عبد الواحد الشيباني، وأبو طالب اليوسفي وغيرهما. قال الخطيب: كتبت عنه، وكان صدوقًا دينا، فقيها على مذهب أحمد، وله حلقة للفتوى، مات يوم التروية من ذي الحجة سنة خمس وأربعين وأربع مئة.
(٢) في الأصل: بن يسار وهو خطأ.
(٣) هو عمر بن أحمد بن إبراهيم أبو حفص البرمكي، كان من الفقهاء والأعيان النساك الزهاد، ذو الفتيا الواسعة والتصانيف النافعة، من ذلك "المجموع"، حدث عن ابن الصواف والخطبي، قال الخطيب: حدثنا عنه ابنه علي، وكان ثقة صالحًا دينًا، مات سنة ٣٨٩ هـ. تاريخ بغداد (١١/ ٢٦٨ - ٢٦٩) طبقات الحنابلة (٢/ ١٥٣ - ١٥٥).
(٤) هو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل البرملي، ترجمه ابن المصنف في طبقاته (٢/ ٧٤) قال: صحب جماعة ممن صحبوا من صحب إمامنا أحمد، وتخصص لصحبة أبي الحسن بن بشار، وحكى عنه أشياء قد ذكرنا بعضها في "أخبار أبي الحسن بن بشار"، ونذكر الآن في هذه الترجمة ما أغفلناه هناك، من ذلك. . . ثم ذكر بعض أخباره.
(٥) هو علي بن محمد بن بشار أبو الحسن، الزاهد العارف، حدث عن عبد الله وصالح ابني أحمد بن حنبل وأبي بكر المروذي، روى عنه أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم المقرئ وعلي بن محمد بن جعفر البجلي وغيرهما. قال أبو عبد الله بن بطة الفقيه: إذا رأيت البغدادي يحب أبا الحسن بن بشار وأبا محمد البربهاري فاعلم أنه صاحب سنة. قال الخطيب: قال لي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء: أبو الحسن علي بن محمد بن بشار الزاهد، كان يروي مسائل صالح بن أحمد، وكان له كرامات ظاهرة، وانتشار ذكر في الناس، وتوفي سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة. (تاريخ بغداد (١٢/ ٦٦)، طبقات الحنابلة (٢/ ٥٧ - ٦٣).
[ ١٧٠ ]
ابن عباس في الرؤيا، فقال: صحيح، فعارض رجل، فقال: هذه الأحاديث لا تذكر في مثل هذا الوقت، فقال له الشيخ: فَيَدْرس الإسلام، فسكت (^١).
فقد حكم بصحة الحديث، وقد يجوز أنه لم يقع لأحمد معرفة مروان بن عثمان في حال ما سأله مهنا، ثم وقع له معرفة نسبه فيما بعد.
١٤٢ - وكتب إليَّ أبو القسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني بجزءٍ فيه حديث ابن عباس في الرؤية من طرق، وكلام أصحاب الحديث عليه.
١٤٣ - فقال أنا الحسن بن علي بن سلمة الهمذاني ومحمد بن علي بن مهدي وغيرهما قالوا ثنا أحمد بن جعفر بن مالك ونا أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسحق واللفظ له قال نا سليمن بن أحمد بن أيوب (^٢) قال نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال نا الأسود بن عامر قال نا حماد ابن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ- "رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء".
١٤٤ - قال: وأبلغت أن الطبراني قال: حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- في الرؤية صحيح، وقال: من زعم أني رجعت عن هذا الحديث بعد ما حدثت به فقد كذب، وهذا حديث رواه جماعة من الصحابة عن النبي -ﷺ- وجماعة من التابعين عن ابن عباس،
_________________
(١) ذكرها ابن المصنف في طبقات (٢/ ٥٩) في ترجمة أبو الحسن بن بشار معلقة: وقال أحمد البرمكي: سألت أبا الحسن بن بشار عن حديث أم الطفيل.
(٢) هو الطبراني وقد تقدم بيان مكان الحديث عنده، وهو من غير هذا الطريق.
[ ١٧١ ]
وجماعة من تابعي التابعين عن عكرمة، وجماعة من الثقات عن حماد ابن سلمة (^١) عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- وذكر أسماءهم بطولها.
١٤٥ - وأنا محمد بن عبيد الله الأنصاري قال سمعت أبا الحسن عبيد الله بن محمد بن معدان يقول سمعت سليمان بن أحمد يقول سمعت ابن صدقة الحافظ (^٢) يقول: من لم يؤمن بحديث عكرمة فهو زنديق.
١٤٦ - وأنا محمد بن سليمان قال سمعت بندار بن أبي إسحق يقول سمعت علي بن محمد بن إبان يقول سمعت البرذعي يقول: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: من أنكر حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ- "رأيت ربي -﷿-" فهو معتزلي (^٣).
_________________
(١) هنا إشارة من الناسخ إلى وجود سقط في العبارة استدركه في الهامش وكتب إلى جانبه: صح، ولكنه مطموس لم أستطع قراءته. ثم تبين لي عند حصولي على الصورة الثانية وهو: "وقال أبي رحمة الله: روى هذا الحديث جماعة من الأئمة الثقات عن حماد بن سلمة". ولا يتناسب مع السياق!.
(٢) هو الإمام الحافظ المتقن الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة البغدادي. حدث عن أحمد بن حنبل بمسائل وعن إسماعيل بن مسعود الجحدري، ومحمد بن مسكين اليمامي وعدّه. وحدث عنه: عبد الباقي بن قانع وأبو بكر الشافعي والبراني والفقيه أبو بكر الخلال وأبو بكر بن مجاهد. قال الدارقطني: ثقة ثقة. وقال ابن المنادي: كان من الحِذق والضبط على نهاية ترضي أهل الحديث. وقال الذهبي: كان نقالًا لكتب القراءات، ومسائله عن الإمام أحمد مدونة، وكان موصوفًا بالإتقان والتثبت. توفي سنة ٢٩٣ هـ. (تاريخ بغداد (٥/ ٤٠ - ٤١)، طبقات الحنابلة (١/ ٦٤ - ٦٥)، السير (١٤/ ٨٣ - ٨٤».
(٣) في سنده من لم أجد له ترجمة.
[ ١٧٢ ]
١٤٧ - وسمعت علي بن أحمد بن مهران المديني (^١) قال حضرت أبا عبد الله ابن مهدي وحضر عند جماعة فتذاكروا حديث عكرمة، وأنكره بعضهم، وكنت قد حفظته فحدثت به بطوله، فقام إليَّ أبو عبد الله وقبَّل رأسي ودعا لي.
١٤٨ - ونا محمد بن محمد بن الحسن قال نا أحمد بن محمد الملحمي قال سمعت محمد بن علي بن جعفر البغدادي قال سمعت أحمد بن محمد بن هاني الأثرم يقول: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- "رأيت ربي" الحديث. فقال أحمد بن حنبل هذا حديث رواه الكبر عن الكبر عن الصحابة عن النبي -ﷺ- فمن شكَّ في ذلك، أو في شيء منه فهو جهمي لا تقبل شهادته، ولا يُسلَّم عليه، ولا يُعاد في مرضه (^٢).
١٤٩ - وأنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسحاق قال نا محمد بن يعقوب قال نا أحمد بن محمد قال نا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: رأيت أبي يصحح هذه الأحاديث ويذهب إليها، وجمعها وحدثناها.
١٥٠ - وروى بإسناده عن عبد الوهاب الوراق قال: سمعت أسود بن سالم يقول في هذه الأحاديث التي جاءت في الرؤية قال: نحلف عليها
_________________
(١) كذا في الأصل ابن مهران، ولم أجد من ترجمه، ولعله أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أخرم المديني، ثم النيسابوري الصندلي المؤذن. مولده سنة ٤٠٥ هـ ووفاته سنة ٤٩٤ هـ. قال عبد الغافر في تاريخه (بواسطة السير): شيخ عابد فاضل جليل، من تلامذة الإمام أبي محمد الجويني. وقال الذهبي: الشيخ العالم الزاهد، بقية المسندين. . . (السير (١٩/ ١٥٧ - ١٥٨)، العبر (٣/ ٣٤١)، شذرات الذهب (٣/ ٤٠١».
(٢) في سنده من لم أعثر له على ترجمة.
[ ١٧٣ ]
بالطلاق والعتاق أنها حق (^١). فهذا الكلام في طريقها.
وأما ألفاظ هذه الأحاديث فإنها تتضمن إثبات الصورة وإثبات الرؤية، وقد تقدَّم الكلام في ذلك فيما قبل، وتتضمن زيادة ألفاظ في الرؤية لا يجب أن يستوحش من إطلاقها، لوجهين:
أحدهما: أن أحمد قال في رواية حنبل: لا نزيل عنه صفة من صفات ذاته بشناعة شُنِّعت.
الثاني: أننا لا نطلقها على وجه الجوارح والأبعاض، وتغير الأحوال، وإنما نطلقها كما نطلق غيرها من الصفات من الذات والنفس والوجه واليدين والعين وغير ذلك، وليس في قوله: شاب وأمرد وجعد وقطط وموفر إثبات تشبيه، لأننا نُثبت ذلك تسميةً كما جاء الخبر لا نعقل معناها، كما أثبتنا ذاتًا ونفسًا، ولأنه ليس في إثبات الفراش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش، وكما روي في تفسير قوله ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال يقعده على العرش.
وكما رُوي "أن الله يدني عبده حتى يضع عليه كنفه" وكما روي في قوله ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٨ - ٩] وكما روي "أنه وضع يده بين كتفيه" وكما روي "دونه حجاب" وغير ذلك (^٢).
واعلم أنها رأيا منام، لأن أم الطفيل قد صرحت بذلك في خبرها، وحديث ابن عباس أكثر ألفاظه مطلقة، وقد نقل في بعضها صريح بذكر
_________________
(١) سبق تخريجه في أول الكتاب.
(٢) سبق تخريج هذه الأحاديث.
[ ١٧٤ ]
المنام فيما حدثنا أبو القسم فقال: "أتاني ربي الليلة في أحسن صورة يعني في النوم".
فإن قيل: فهذه الأخبار ضعاف، لأن مدارها على عكرمة، وقد قال ابن عمر لنافع: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس (^١).
قيل: هذا غلط، لأن عكرمة ثقة ثقة، وهو مولى لابن عباس، وقد أخرج عنه البخاري ومسلم ومالك وأحمد وغيرهم من أئمة أصحاب الحديث.
فإن قيل: فهذه الأخبار منام، والشيء قد يُرى في المنام على خلاف ما هو به، قيل هذا غلط لوجوه: أحدها أن النبي -ﷺ- قصد بذلك بيان كرامته من ربه وقرب منزلته منه، فإذا حمل على خلاف ما أخبر زال المقصود، ولأن ما يخبر به شرع فهو معصوم فيه وصفات الله -﷿- شرع اعتقادها، وإذا كان معصومًا استوى فيه المنام واليقظة، لأن رؤية الأنبياء تجري مجرى الوحي، من ذلك رؤيا إبراهيم -﵇- ذبح ولده، ومن ذلك رؤيا يوسف -﵇- في المنام الكواكب أنها ساجدة له، ولأن أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قوله "رأيت ربي جعدًا قططًا شابًّا موفرًا" معناه: وأنا جعد قطط أمرد، فتكون الصفة راجعة إلى النبي -ﷺ- كما يقال: رأيت الأمير راكبًا يحتمل أن يكون الأمير هو الراكب، ويحتمل أن يكون الرائي راكبًا.
_________________
(١) التهذيب (٧/ ٢٦٧). وردَّه الحافظ في التقريب بقوله: ثقة ثبت عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا تثبت عنه بدعة. أما الحافظ الذهبي فقال: ثبت، لكنه أباضي يرى السيف، وروى له مسلم مقرونًا وتحايده مالك. (الكاشف ٢/ ٢٤١).
[ ١٧٥ ]
قيل: هذا غلط لوجوه: أحدها: أنه لم يكن هذه صفات النبي -ﷺ- ولو تغيرت صفته في تلك الحال لأخبر بذلك، كما أخبر بوضع اليد بين كتفيه، وكما أخبر بقوله "فيم يختصم الملأ الأعلى" ولأن ألفاظ الخبر تدفع هذا، لأن في حديث ابن عباس عليه "تاج يلمع منه البصر" لو كانت الصفة راجعة إلى النبي -ﷺ- لقال عليَّ تاج، وفي حديث أم الطفيل "رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب" ولو كانت الصفة عائدة على النبي -ﷺ- لقال: على وجهي وعليَّ فراش وعلىَّ نعلان. وعلى أن قائلًا لو قال: رأيت الأمير جعدًا قططًا، لم تنصرف هذه الصفة إلا إلى الأمير دون الرائي، كذلك ها هنا.
فإن قيل: يحتمل أن تكون هذه المناظرة التي وصفها في الخبر ترجع إلى ما رأى في الجنة من هذه الخلق وما زُينت به، وأنه كان رائيًا لربه في جميع ذلك لم يقطعه نظره إليها عنه ولم يشغله عنه.
قيل: هذا غلط لأنه لو قال: رأيت الخليفة في صورة شاب على وجهه فراش وفي رجليه، لم يعقل من ذلك داره، وإنما يرجع ذلك إلى ذاته.
فإن قيل: هذه الصفات لا تليق بصفات الله سبحانه لأنها من صفات المخلوقين المحدثين. قيل: هذا غلط، لأن مثل هذا موجود في إثبات الوجه واليدين والعين فإنها من صفات المخلوقين المحدثين، وقد جاز وصفه بها.
فإن قيل: إنما أثبتنا ذلك لأنها وردت من طريق مقطوع عليه وهو القرآن، وهذه أخبار آحاد، وخبر الواحد إنما يقبل فيما طريقة العمل، فأما فيما طريقة الاعتقاد والقطع فلا، لأنه لا يمكن القطع بمثلها.
قيل: هذا غلط، لأنها وإن كانت أخبار آحاد فقد تلقتها الأمة بالقبول،
[ ١٧٦ ]
منهم من حملها على ظاهرها وهم أصحاب الحديث (^١)، ومنهم من تأولها وتأويله لها قبول لها، وإذا تُلقيت بالقبول اقتضت العلم من طريق الإستدلال، لأن تلقيهم لها يدل على صحتها.
وجواب آخر: وهو أنه لو لم يجب قبولها لم يجب التشاغل بتأويلها كسائر الأخبار الباطلة، ولما تشاغلوا بالتأويل على مقتضى اللغة، علمنا صحتها.
فإن قيل: إنما تأولناها لئلا يخلو نقلها من فائدة، وأن لا يكون ورودها كلا ورود.
قيل: لو لم يجب قبولها لم يلزم طلب الفائدة لها، ولم يضر إطراحها كسائر الأخبار الباطلة.
١٥١ - وقد روي عن ابن عباس كلام يؤكد صحة حديثه ذكره أبو بكر بن أبي داود في كتاب "السنة" من جملة كتاب السنن بإسناده: عن عكرمة قال: سئل ابن عباس هل رأى محمد ربه؟ قال: نعم، قال كيف رآه؟ قال: في صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ، كأن قدميه في خضرة، فقلت أنا لابن عباس: أليس هو من يقول ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾؟ قال: لا أم لك، ذلك نوره الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء (^٢).
_________________
(١) الذي عليه المحققون من أهل السنة والجماعة أنه لا فرق بين الحديث الآحاد والحديث المتواتر في تلقي العقيدة وغيرها، وأن التفريق بينهما بدعة محدثة، لم يعرفها سلف الأمة وعلمائها، وإنما أحدثها من كاد لهذه الأمة وعقيدتها. وبسبب هذه البدعة الشنيعة، ردّت أحاديث علامة الساعة ونزول عيسى ﵊ وظهور المهدي وخروج الدجال. . . وغيرها من أحاديث العقيدة. وللشافعي -﵀- كلام نفيس على خبر الواحد وحجيته في كتابه "الرسالة" (ص ٣٦٩ - ٤٦١).
(٢) أثر ضعيف، وقد سبق تخريجه.
[ ١٧٧ ]
وهذا يدل من كلامه على إثبات الحديث، وحمله على ظاهره، وتأويل الآية.
١٥٢ - فأما الفراش: فقال أبو بكر عبد العزيز نا أحمد قال سألت ثعلب عن قوله "فراش من ذهب" قال: الفراش ما تطاير من كل شيء رقيق فهو فراش. فهذا حدُّ الفراش في الشاهد (^١)، فأما الفراش المذكور في الخبر، فلا نعقل معناه كغيره من الصفات (^٢).
* * *
_________________
(١) "الفراش" بالفتح: الطَّير الذي يُقلي نفسه في ضوء السراج، واحدتها: فراشة. النهاية (٣/ ٤٣٠).
(٢) بل الصواب أن أهل السنة والجماعة يعقلون معاني الصفات الإلهية ولكنهم يفوضون الكيفية، أما تفويض المعنى فليس هو مذهب السنة، بل هو مذهب بدعي كما تقدم.
[ ١٧٨ ]