ألف القاضي -﵀- كتبًا كثيرة في المعتقد، كما سبق أن أشرنا إليه في مصنفاته في العقيدة، ولكن غالبية هذه الكتب في حيز المفقود، لم يصل إلينا منها سوى شيء يسير، وهي: كتابنا هذا "إبطال التأويلات"، وكتابه "الإيمان" و"مختصر المعتمد في أصول الدين" والجزء العقدي الذي في كتابه "الروايتين والوجهين" (^٣). وهي كافية في معرفة اعتقاد القاضي أبي يعلى -﵀-، خصوصًا إذا ما أضفنا إليها كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه النفيس "درء تعارض العقل والنقل" عن القاضي وعقيدته، في مواضع كثيرة من كتابه.
وقد بيَّن ابنه في طبقاته (٢/ ٢٠٧ - ٢١٢) معتقد أبيه، ننقله مختصرًا حتى لا نطيل على القارئ، فقد قال: فلنذكر الآن البيان عن اعتقاد الوالد السعيد ومن قبله من السلف الحميد في أخبار الصفات.
فاعلم -زادنا الله وإياك علمًا ينفعنا الله به، وجعلنا ممن آثر الآيات
_________________
(١) ذكره محمد أبو فارس ضمن مصنفاته الفقهية (ص ١٥٨). وفيه يقول بعضهم: قد نظرنا مصنفات الأنام … وسبرنا شريعة الإسلام ما رأينا مصنفًا جمع العلم … مع الاختصار والإفهام مثل ما صنف الإمام أبو … يعلى كتاب الخصال والأقسام
(٢) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن البكري التيمي الأصبهاني المعروف بابن اللبان، فقيه شافعي، صحب ابن الباقلاني ودرس عليه أصول الدين، توفي سنة ٤٤٦ هـ (العبر (٣/ ٢١١)، تبيين كذب المفتري (ص ٢٦١ - ٢٦٢).
(٣) ولم يتيسر لي الحصول على الكتابين الأخيرين منهما.
[ ٢١ ]
الصريحة، والأحاديث الصحيحة على آراء المتكلمين، وأهواء المتكلفين:
أن الذي درج عليه صالحوا السلف، وانتهجه بعدهم خيار الخلف هو: التمسك بكتاب الله -﷿-، واتباع نبيه -ﷺ-، ثم ما روى عن الصحابة رضوان الله عليهم، ثم عن التابعين والخالفين لهم من علماء المسلمين.
والإيمان والتصديق بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله، مع ترك البحث والتنقير، والتسليم لذلك، من غير تعطيل، ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل. وهي الفرقة الناجية، والجماعة العادلة، والطائفة المنصورة إلى يوم القيامة فهم أصحاب الحديث والأثر -والوالد السعيد تابعهم- هم خلفاء الرسول، وورثة علمه وسفرته بينه وبين أمته.
بهم يلحق التالي، وإليهم يرجع الغالين وهم الذين نبزهم أهل البدع والضلال، وقائلو الزور والمحال: أنهم مشبهةٌ جهال، ونسبوهم إلى الحشو والطغام، وأساءوا فيهم الكلام.
فاعتقد الوالد السعيد وسلفه -قدس الله أرواحهم، وجعل ذكرنا لهم بركة تعود علينا- في جميع ما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله -ﷺ- أن جميع ذلك صفات الله -﷿- تُمَرُّ كما جاءت، من غير زيادة ولا نقصان، وأقروا بالعجز عن إدراك معرفة حقيقة هذا الشأن.
اعتقد الوالد السعيد ومن قبله ممن سبقه من الأئمة: أن إثبات صفات الباري سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد، لها حقيقة في علمه، لم يُطلع الباري سبحانه على كُنْه معرفتها أحدًا من إنس ولا جان.
واعتقدوا: أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذي حذوه ومثاله، وكما جاء.
[ ٢٢ ]
وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات الباري سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وكيفية، هكذا اعتقد الوالد السعيد وكمن قبله ممن سلفه من الأئمة: أن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية.
والأصل الذي اعتمدوه في هذا الباب: اتباع قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١٠، ١١١].
فاعتقدوا: أن الباري -﷾- فرد الذات، متعدد الصفات. لا شبيه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا نظير ولا ثاني. وسمعوا قوله -﷿- ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فآمنوا بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله -ﷺ-، تسليمًا للقدرة، وتصديقًا للرسل، وإيمانًا بالغيب.
واعتقدوا: أن صفات الباري سبحانه معلومة من حيث أعلم هو، غيب من حيث انفرد واستأثر، كما أن البارئ سبحانه معلوم من حيث هو، مجهول ما هو.
واعتقدوا: أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها عن العالمين، وفارق بها سائر الموصوفين، فهم بها مؤمنون، وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون، لا يجوز عندهم ردها، كرد الجهمية، ولا حملها على التشبيه، كما حملته المشبهة، الذين أثبتوا الكيفية، ولا تأولوها على اللغات والمجازات، كما تأولتها الأشعرية.
[ ٢٣ ]
فالحنبلية لا يقولون في أخبار الصفات بتعطيل المعطلين، ولا بتشبيه المشبهين، ولا تأويل المتأولين. مذهبهم: حقٌّ بين باطلين، وهدى بين ضلالتين: إثبات الأسماء والصفات، مع نفي التشبيه والأدوات، إذْ لا مثل للخالق سبحانه مشبه، ولا نظير له فيجنس منه. فنقول كما سمعنا، ونشهد بما علمنا، من غير تشبيه ولا تجنيس، على أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وفي رد أخبار الصفات، وتكذيب النقلة: إبطال شرائع الدين، من قبل أن الناقلين إلينا علم الصلاة والزكاة والحج وسائر أحكام الشريعة: هم ناقلوا هذه الأخبار، والعدل مقبول القول فيما قاله. ولو تطرق إليهم -والعياذ بالله- التخرص بشيء منها، لأدى ذلك إلى إبطال جميع ما نقوله، وقد حفظ الله سبحانه الشرع عن مثل هذا اهـ.
وقد بيَّن القاضي أبو يعلى نفسه معتقده في الصفات، فقال في كتابه "أخبار الصفات" -كما نقله عنه ابنه في الطبقات (٢/ ٢١٠) -:
وقد قال الوالد السعيد -﵁- في أخبار الصفات:
المذهب في ذلك: قبول هذه الأحاديث على ما جاءت به، من غير عدول عنه إلى تأويل يخالف ظاهرها، مع الاعتقاد بأن الله سبحانه بخلاف كل شيء سواه، وكل ما يقع في الخواطر من حد أو تشبيه، أو تكييف: فالله -﷾- عن ذلك. والله ليس كمثله شيء، ولا يوصف بصفات المخلوقين، الدالة على حَدَثهم، ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم من التغير من حال إلى حال، ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، وأنه لم يزل، ولا يزال وأنه الذي لا يتصور في الأوهام، وصفاته لا تشبه صفات المخلوقين (ليس كمثله
[ ٢٤ ]
شيء. وهو السميع البصير).
وأما كتابه -قدس الله روحه- في إبطال التأويلات لأخبار الصفات: فمبني على هذه المقدمات، وأن إطلاق ما ورد به السمع من الصفات: لا يقتضي تشبيه الباري سبحانه بالمخلوقات. اهـ
قلت: وأما قوله "إن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها. . ." أما المعاني فمعلومة وليس من مذهب أهل السنة تفويضها، وسيأتي الرد عليه.
وأما قوله: ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم من التغير من حال إلى حال، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، فكلام لم يأت ذكره في الكتاب والسنة المنقولة عن النبي -ﷺ-، إنما هو من إحداث أهل الكلام، الذين أكثروا من نفي صفات لم تذكر لا في الكتاب ولا في السنة، مثل قولهم: إنه ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، وليس داخل العالم ولا خارجه، وليس عرض، ولا بذي لون ولا رائحة ولا طعم ولا مجسَّه، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق، ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري عن المعتزلة؟!
أما إذا أثبتوا أثبتوا إجمالًا.
قال شارح الطحاوية بعد ذكره نحو ما سبق: وفي هذه الجملة حقٌّ وباطل، ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب والسنة، وهذا النفي المجرَّد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك-! لأدَّبك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا، وإنما تكون
[ ٢٥ ]
مادحًا إذا أجملت النفي فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل، فإذا أجملت في النفي أجملت في الأدب.
والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية، هو سبيل أهل السنة والجماعة، والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات، ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده، وأما أهل الحق والسنة والإيمان، فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده.
والذي قاله هؤلاء إما أن يعرضوا عنه إعراضًا جمليًّا، أو يبينوا حاله تفصيلًا، ويُحكم عليه بالكتاب والسنة اهـ (^١).
فالحاصل أن هؤلاء النفاة سلكوا طريقًا غير شرعي، فوقعوا فيما وقعوا فيه، وأكثر نفيهم المذكور ليس متلقي عن الكتاب والسنة بل هو من وضع أهل الكلام.
وقد ظن بعض أهل السنة، صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، فشاركوهم فيها، وذكروها في كتبهم، مع تعظيمهم لمذهب السلف.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام نفيس في هذا فهو يقول:
فإن قيل: قلتَ إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول، وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلَّغوه عن الرسول، ففي النفاة كثيرٌ ممن له معرفة بذلك.
قيل: هؤلاء أنواع: نوع ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة عن الحكم والدليل، ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على
_________________
(١) شرح ابن أبي العز علي الطحاوية (ص ١٠٩ - ١١٠)، وانظر "درء تعارض العقل والنقل" (١/ ص ١٠٥) وما قبلها.
[ ٢٦ ]
الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلِّدون فيها، وقد اعتقد أقوال أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنّوه موافقًا لهم، وإما أن يعرضوا عنه مفوِّضين لمعناه.
وهذه حال مثل أبي حاتم البُستي، وأبي سَعْد السمَّان المعتزلي، ومثل أبي ذر الهروي، وأبي بكر البيهقي، والقاضي عياض، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي الحسن علي بن المفضِّل المقدسي، وأمثالهم.
والثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها، كما غلط غيره، فيشارك الجهمية في بعض أصولها الفاسدة، مع أنه لا يكون له من الخبرة بكلام السلف والأئمة في هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما.
وهذه حال أبي محمد بن حزم، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي، وأمثالهم.
ومن هذا النوع بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي، وأمثالهما.
ونوع ثالث سمعوا الأحاديث والآثار، وعظَّموا مذهب السلف، شاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار، ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها. وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.
وهذا حال أبي بكر بن فُورَك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأمثالهم.
ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.
[ ٢٧ ]
وتارة يفوِّضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلي وأمثاله في ذلك.
وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجّحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله.
وهؤلاء قد يُدخلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذبٌ موضوع، ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الإشكال، مثل أن يكون رؤيا منام، فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج.
ومن الناس من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم، وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة، كمسألة القرآن والرؤية، فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف وأهل السنة والحديث: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية، التي ظنها صحيحة؟! ولم يكن لهم من الخبرة المفصَّلة بالقرآن ومعانيه، والحديث وأقوال الصحابة، ما لأئمة السنة الحديث، فذهب مذهبًا مركَّبًا من هذا وهذا، وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض.
وهذه طريقة الأشعري وأئمة اتباعه، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفراييني وأمثالهما. ولهذا تجد أفضل هؤلاء، كالأشعري، يذكر مذهب أهل السنة والحديث على وجه الإجمال، ويحكيه بحسب ما يظنه لازمًا، ويقول: إنه يقول بكل ما قالوه، وإذا ذكر مقالات أهل الكلام، من المعتزلة وغيرهم، حكاها حكاية خبير بها، عالم بتفصيلها.
[ ٢٨ ]
وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم، ومعرفة فساد أقوالهم. وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون، فمعرفتهم بذلك قاصرة، وإلا فمن كان عالمًا بالآثار، وما جاء عن الرسول، وعن الصحابة والتابعين، من غير حسن ظنٍّ بما يناقض ذلك، لم يدخل مع هؤلاء: إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعًا، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث، أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم، كمالك، وعبد العزيز الماجشون، وحماد بن زيد، وحمَّاد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، ووكيع بن الجرَّاح، وعبد الله بن إدريس، وعبد الرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ، ويزيد بن هارون الواسطي، ويحيى بن سعيد القطان، وسعيد بن عامر، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبد الرحمن القاسم بن سلَّام ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجَّاج النيسابوري، والدارمِيَّيْن: أبي محمد عبد الله ابن عبد الرحمن، وعثمان بن سعيد، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، وأبي داود السجستاني، وأبي بكر الأثرم، وحرب الكرماني، ومن لا يحصى عدده إلا الله من أئمة الإسلام، وورثة الأنبياء، وخلفاء الرسل.
فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كما تواترت الآثار عنهم، وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك، من غير خلاف بينهم في ذلك اهـ (^١).
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٢ - ٣٧).
[ ٢٩ ]
فالحاصل من كلام شيخ الإسلام:
أنه مما يؤخذ على القاضي أنه يظن في بعض الأحيان صحة بعض الأصول العقلية لنفاة الصفات، ويقول في بعض نصوص الصفات: إنها تُجري على ظاهرها، وتُحمل على ظاهرها، ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله أي يفوض علم معناها إلى الله، فيتناقض حيث يثبت لها تأويلا يخالف ظاهرها، ويقول -مع هذا- أنها تحمل على ظاهرها. وتفويض علم المعنى ليس هو طريقة السلف، وإنما طريقتهم تفويض الكيفية فقط. وهذا ما أنكره ابن عقيل على القاضي في كتابه هذا (^١).
خلاصة القول:
أن الرجل شيخ من شيوخ الحنابلة، المتبعين لإمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل -﵀- تعالى، وهو (أي القاضي) من أهل الإثبات للصفات، والتسليم للنصوص من غير تعطيل ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تأويل، بل كتابه هذا مؤلف للرد على نفاة الصفات والمأولين لها، المحرفين لمعانيها، من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن تابعهم.
أما القليل الذي وافق فيه المتكلمين -من نفي أو إثبات أو تفويض- مما يخالف كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ، أو نهج أصحابه ومن تابعهم بإحسان، فنحن لا نقرُّه عليه، بل نردُّه ولا نقبله، والاعتبار من كلامه وكلام غيره بما يوافق الدليل، والله تعالى أعلم.