سنة ١٣٣٧ هـ - ١٩١٨ م صالح بن دخيل الله بن جار الله على نسخة كتبت سنة ٦٥٧ هـ - ١٢٥٨ م وعليها قراءة منقولة لأبي الثناء محمد بن سليمان العرباني ومحمد بن علي التميمي على المؤلف، في أولها فهرس لمواضيع الكتاب ومقابلة على الأصل المنقولة عنه وتملك مؤرخ سنة ١٣٣٧ هـ - ١٩١٨ م باسم محمد بن أمين الحسيني الشنقيطي - القياس: ٣٩٤ ص - ٢٢ × ١٦ سم - ١٧ س".
وقد أهداها لي أحد الإخوة في الله تعالى وكانت ناقصة الآخر، ثم لما سافرت إلى المدينة النبوية في عام ١٤٠٩ هـ والتقيت بشيخنا ووالدنا الشيخ حماد الأنصاري -﵀-، أخبرته بأمر الكتاب وإني أعمل في تحقيقه، فقال: إن الكتاب عنده كامل وأذن لي بتصويره، فجزاه الله عنا خيرًا.
مادة الكتاب: الكتاب ألفه القاضي -﵀- لبيان وشرح أحاديث الصفات، التي يظن بعض المبتدعة أن إثبات هذه الأحاديث ينافي التنزيه، ويوقع في التشبيه. وللرد خصوصًا على ابن فورك في كتابه "مشكل الحديث وبيانه".
وقد ذكر المصنف الدافع له على تأليف هذا الكتاب وخطته فيه فقال: أما بعد، فإنني وقفت على حاجتكم إلى شرح كتاب نذكر فيه ما اشتهر من الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ في الصفات، وصح سنده من غير مطعن فيه، ما يوهم ظواهرها التشبيه، وأذكر الإسناد في بعضها، واعتمد على المتن فيما اشتهر منها طلبًا للاختصار.
وسئلتم أن أتأمل مصنف محمد بن الحسن بن فورك الذي سماه "تأويل الأخبار" جمع فيه هذه الأخبار وتأولها، فتأملنا ذلك وبينا ما ذهب فيه عن الصواب في تأويله، وأوهم خلاف الحق في تخريجه، ولولا ما أخذ الله على
[ ٣٤ ]
العلماء من الميثاق على ترك كتمان العلم، لقد كان التشاغل بغير ذلك أولى. اهـ
إلا أنه يعاب على المصنف إيراده للأحاديث الواهية بل الموضوعة في كتابه هذا -مع أنه ذكرها بالإسناد-، والإطناب في شرحها وبيان غريبها.
وقد أشار إلى هذا -أي وجود بعض الأحاديث الموضوعة- شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "درء تعارض العقل والنقل" (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٩) فقال: وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابه في "إبطال التأويل" ردًّا لكتاب ابن فُورك، وهو وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها، ففيها عدة أحاديث موضوعة كحديث الرؤية عيانًا ليلة المعراج ونحوه، وفيها أشياء عن بعض السلف رواها بعض الناس مرفوعة، كحديث قعود الرسول -ﷺ- على العرش، رواه بعض الناس من طرق كثيرة مرفوعة، وهي كلها موضوعة، وإنما الثابت أنه عن مجاهد وغيره من السلف، وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه، ويتلقونه بالقبول.
ولهذا وغيره تكلم رزق الله التميمي (^١) وغيره من أصحاب أحمد في تصنيف القاضي أبي يعلى لهذا الكتاب بكلام غليظ، وشنَّع عليه أعداؤه بأشياء هو منها برئ، كما ذكر هو ذلك في آخر الكتاب.
وما نقله عنه أبو بكر بن العربي في العواصم كذبٌ عليه عن مجهول لم يذكره أبو بكر، وهو من الكذب عليه (^٢)، مع أن هؤلاء وإن كانوا نقلوا عنه
_________________
(١) هو أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز التميمي، المتوفى سنة ٤٤٨ هـ، أشهر التميميين من أصحاب أحمد (طبقات الحنابلة) (٢٥٠٢ - ٢٥١) الذيل لابن رجب (١/ ٧٧ - ٨٥).
(٢) يقول أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم (٢/ ٢٨٣): وأخبرني من أثق به من مشيختي أن أبا يعلى محمد بن الحسين الفراء، رئيس الحنابلة ببغداد كان يقول، إذا ذكر الله تعالى وما ورد من هذه الظواهر في صفاته، يقول: ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة!! وانظر (٢/ ٣٠٦).
[ ٣٥ ]
ما هو كذب عليه، ففي كلامه ما هو مردود نقلًا وتوجيها (^١)، وفي كلامه من التناقض من جنس ما يوجد في كلام الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي، وأمثالهم ممن يوافق النفاة على نفيهم، ويشارك أهل الإثبات على وجه، يقول الجمهور: إنه جمع بين النقيضين.
ويقال إن أبا جعفر السمناني (^٢)، شيخ أبي الوليد الباجي قاضي الموصل، كان يقول عليه ما لم يقله، ويقال عن السمناني إنه كان مُسمَّحا في حكمه وقوله. اهـ
وقال الحافظ الذهبي في السير (١٨/ ٩١): ولم تكن له يدٌ طُولى في معرفة الحديث، فربما احتجَّ بالواهي. اهـ.
وكان قد تعرض لفتنة بعد تأليفه لهذا الكتاب، يقول الذهبي في السير (١٨/ ٩٠): وجمع كتاب "إبطال تأويل الصفات" فقاموا عليه لما فيه من الواهي والموضوع، فخرج إلى العلماء من القادر بالله المعتقد الذي جمعه، وحُمل إلى القادر كتاب "إبطال التأويل" فأعجبه، وجرت أمورٌ وفتن -نسأل الله العافية- ثم أصلح بين الفريقين الوزير: علي بن المسلمة، وقال في الملأ: القرآن كلام الله، وأخبار الصفات تُمَرُّ كما جاءت. اهـ
* * *
_________________
(١) قلت: ومَن من الأئمة من لا يوجد في كلامه ما هو مردود نقلا وتوجيهًا؟!
(٢) هو محمد بن أحمد بن محمد السمناني، أبو جعفر قاضي حنفي ولد سنة ٣٦١ هـ، ولي القضاء بالموصل إلى أن توفي بها سنة ٤٤٤ هـ، وكان مقدم الأشعرية في وقته، وشنع عليه ابن حزم، له تصانيف في الفقه (انظر تبيين كذب المفتري (ص ٢٥٩».
[ ٣٦ ]