أنت لله أبوك. قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبَادًا كالكوز مُجْخِيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا؛ إلا ما أشرب من هواه» . قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسرا لا أبا لك؟ ! فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قلت: لا بل يكسر. وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت؛ حديثا ليس بالأغاليط.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو نعيم في "الحلية".
وعن أبي وائل شقيق بن سلمة عن حذيفة ﵁؛ قال: كنا عند عمر ﵁، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟ قال: فقلت: أنا. قال: إنك لجريء، وكيف قال؟ قال: قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» . فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد التي تموج كموج البحر. قال: فقلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين؟ ! إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت: لا؛ بل يكسر. قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدا. قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم؛ كما يعلم أن دون غد الليلة؛ إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط. قال: فَهِبْنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله. فسأله، فقال: عمر.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه. وهذا لفظ مسلم.
[ ١ / ١٤٧ ]
وفي رواية أبي داود الطيالسي: "فقال عمر: فأخبرني عن الباب؛ يكسر كسرا أم يفتح فتحا؟ قال: بل يكسر كسرا. فقال عمر: إذا لا يغلق إلى يوم القيامة. قال أبو وائل: قلنا لمسروق: سل حذيفة عن الباب: من هو؟ فسأله؟ فقال: الباب عمر ".
وفي رواية للبخاري: "فقال: الباب عمر ".
وعن قدامة بن مظعون ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ أدرك عثمان بن مظعون وهو على راحلته وعثمان على راحلته على ثنية الأثاية من العرج، فقطعت راحلته راحلة عثمان وقد مضت راحلة رسول الله ﷺ أمام الركب، فقال عثمان بن مظعون: أوجعتني يا غلق الفتنة! فلما استسهلت الرواحل دنا منه عمر بن الخطاب، فقال: يغفر الله لك أبا السائب! ما هذا الاسم الذي سميتنيه؟ فقال: لا والله؛ ما أنا سميتكه، سماك رسول الله ﷺ، هذا هو أمام الركب يقدم القوم، مررت يوما ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ، فقال: «هذا غلق الفتنة (وأشار بيده)، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين ظهرانَيكم» .
رواه: البزار، والطبراني.
وعن أبي ذر ﵁: أنه لقي عمر بن الخطاب ﵁، فأخذ بيده فغمزها، وكان عمر رجلا شديدا، فقال: أرسل يدي يا قفل الفتنة! فقال عمر: وما قفل الفتنة؟ ! قال: جئت رسول الله ﷺ ذات يوم ورسول الله ﷺ جالس وقد اجتمع عليه الناس، فجلست في آخرهم، فقال رسول الله ﷺ: «لا تصيبكم فتنة ما دام هذا فيكم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الحافظ ابن حجر: "ورجاله ثقات". وقال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير السري بن يحيى، وهو ثقة ثبت،
[ ١ / ١٤٨ ]
ولكن الحسن البصري لم يسمع من أبي ذر فيما أظن".
وعن معاذ ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال باب الفتنة مغلقًا عن أمتي ما عاش لهم عمر بن الخطاب، فإذا هلك عمر تتابعت عليهم الفتن» .
رواه الديلمي.
وروي: "أن عمر ﵁ دخل على أم كلثوم بنت علي ﵄، فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ ! قالت: هذا اليهودي - لكعب الأحبار - يقول: إنك باب من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله! ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه، فقال: يا أمير المؤمنين! والذي نفسي بيده؛ لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة. فقال: ما هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار؟ ! فقال: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم؛ تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مت اقتحموا".
رواه الخطيب في "الرواة عن مالك ".
وعن خالد بن الوليد ﵁؛ قال: "كتب إلي أمير المؤمنين - يعني عمر بن الخطاب ﵁ - حين ألقى الشام بوانيه بثنية وعسلا، فأمرني أن أسير إلى الهند - والهند في أنفسنا يومئذ البصرة - قال: وأنا لذلك كاره. قال: فقام رجل، فقال: اتق الله يا أبا سليمان! فإن الفتن قد ظهرت. فقال: وابن الخطاب حي؟ ! إنما تكون بعده والناس بذي بليان وذي بليان، فينظر الرجل فيفكر هل يجد مكانا لم ينزل فيه مثل ما نزل بمكانه الذي هو به من الفتنة والشر فلا يجد، وتلك الأيام التي ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة، أيام الهرج، فنعوذ بالله أن تدركنا وإياكم تلك الأيام".
رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط". قال الهيثمي:
[ ١ / ١٤٩ ]
"ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف".
وقد ذكر هذا الأثر ابن كثير في "تاريخه" عن عزرة بن قيس؛ قال: "خطبنا خالد بن الوليد ﵁، فقال: إن أمير المؤمنين عمر بعثني إلى الشام، فحين ألقى بوانيه بثنية وعسلا؛ أراد أن يؤثر بها غيري ويبعثني إلى الهند. فقال رجل من تحته: اصبر أيها الأمير! فإن الفتن قد ظهرت. فقال خالد: أما وابن الخطاب حي؛ فلا، وإنما ذاك بعده".
وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن عزرة بن قيس: "أن رجلا قال لخالد بن الوليد ﵁: إن الفتن قد ظهرت. فقال: أما وابن الخطاب حي فلا؛ إنها إنما تكون بعده"، ثم ذكر بقيته بنحو ما تقدم في رواية أحمد والطبراني.
وروى: نعيم بن حماد في "الفتن"، وابن عساكر في "تاريخه"؛ عن عزرة بن قيس أيضا؛ قال: "قام رجل إلى خالد بن الوليد بالشام وهو يخطب، فقال: إن الفتن قد ظهرت. فقال خالد: أما وابن الخطاب حي فلا؛ إنما ذاك إذا كان الناس بذي بلى وذي بلى، وجعل الرجل يذكر الأرض ليس بها مثل الذي يفر إليها منه ولا يجده؛ فعند ذلك تظهر الفتن".
وروى ابن أبي شيبة عن طارق بن شهاب؛ قال: "جلد خالد بن الوليد ﵁ رجلا حدّا، فلما كان من الغد؛ جلد رجلا آخر حدّا، فقال رجل: هذه والله الفتنة؛ جلد أمس رجلا في حد، وجلد اليوم رجلا في حد. فقال خالد: ليس هذه بفتنة، إنما الفتنة أن تكون في أرض يعمل فيها بالمعاصي، فتريد أن تخرج منها إلى أرض لا يعمل فيها بالمعاصي، فلا تجدها".
قوله: "بوانيه" أي: خيره وما فيه من السعة والنعمة. قاله ابن الأثير وابن منظور في "لسان العرب". قال ابن منظور: "ويقال: ألقى عصاه وألقى بوانيه".
[ ١ / ١٥٠ ]
قال ابن الأثير: "و(البواني) في الأصل: أضلاع الصدر، وقيل: الأكتاف والقوائم، الواحدة: بانية".
وقوله: "بثنية": قال ابن منظور: "وفيه قولان: قيل: البثنية: حنطة منسوبة إلى بلدة معروفة بالشام من أرض دمشق (قال ابن الأثير: وهي ناحية من رستاق دمشق، يقال بها: البثنية) . والآخر: أنه أراد البثنية الناعمة من الرملة اللينة، يقال لها: بثنة، وتصغيرها بثينة، فأراد خالد أن الشام لما سكن وذهبت شوكته وصار لينا لا مكروه فيه خصبا كالحنطة والعسل؛ عزلني". قال: "والبثنة: الزبدة الناعمة؛ أي: لما صار زبدة ناعمة وعسلا صرفني؛ لأنها صارت تجبى أموالها من غير تعب".
وقوله: "بذي بليان وذي بليان": هذا مثل للبعد والتفرق.
قال ابن منظور في "لسان العرب": "وهو بذي بلي وبلي، وبلى وبلى، وبليان وبليان؛ بفتح الباء واللام: إذا بعد عنك حتى لا تعرف موضعه".
وقال صاحب "القاموس": "وهو بذي بلى؛ كـ (حتى) و(إلا) و(رضي) ويكسر، وبليان؛ محركة وبكسرتين مشددة الثالث: إذا بعد عنك حتى لا تعرف موضعه".
ثم ذكر ابن منظور عن أبي عبيد: أنه قال: "أراد تفرق الناس، وأن يكونوا طوائف وفرقا من غير إمام يجمعهم، وكذلك كل من بعد عنك حتى لا تعرف موضعه فهو بذي بلي، وهو من بل في الأرض: إذا ذهب، أراد ضياع أمور الناس بعده". وكذا قال ابن الأثير في "النهاية". قال ابن منظور: "وفيه لغة أخرى: بذي بليان؛ يعني: بكسر الباء واللام المشددة".
وعن ابن مسعود ﵁: أنه قال: "كان عمر بن الخطاب حائطا حصينا على الإسلام، يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فانثلم الحائط،
[ ١ / ١٥١ ]
والناس يخرجون منه ولا يدخلون فيه".
رواه ابن وضاح.
وعن حذيفة ﵁: أنه قال: "ما بينكم وبين أن يرسل عليكم الشر فراسخ إلا موت عمر ".
رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن"، وابن عساكر في "تاريخه".
باب
ما جاء في سنة خمس وثلاثين وسنة سبعين
عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عامًا. قال: قلت: أمما مضى أم مما بقي؟ قال: "مما بقي"» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن حبان في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية أبي داود الطيالسي والحاكم وبعض روايات أحمد: «فقال عمر: يا رسول الله! بما مضى أو بما بقي؟ قال: بما بقي» .
قال الخطابي: "دوران الرحى كناية عن الحرب والقتال، شبهها بالرحى الدوارة التي تطحن الحب؛ لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس، قال الشاعر يصف حربا:
فدارت رحانا واستدارت رحاهم سراة النهار ما تولى المناكب
[ ١ / ١٥٢ ]