أحمد، وقال: «كان قائما عند باب عائشة» .
وقد رواه: مالك، وأحمد، والبخاري؛ من حديث عبد الله بن دينار: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: «قال رسول الله ﷺ، وأشار بيده نحو المشرق فقال: "ها إن الفتن من هاهنا، إن الفتن من هاهنا، إن الفتن من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» .
هذا لفظ إحدى روايات أحمد.
ورواه: الإمام أحمد أيضا، والشيخان، والترمذي؛ من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ: أنه قام إلى جنب المنبر، فقال: «الفتنة هاهنا الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان (أو قال: قرن الشمس)» .
هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: أن رسول الله ﷺ قال وهو مستقبل المشرق: «ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» .
وفي رواية الترمذي: قام رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: «هاهنا أرض الفتن (وأشار إلى المشرق) حيث يطلع قرن الشيطان (أو قال: قرن الشمس)» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم أيضا؛ من حديث حنظلة (وهو ابن أبي سفيان المكي)؛ قال: سمعت سالما يقول: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: «سمعت رسول الله ﷺ يشير بيده نحو المشرق ويقول: ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع الشيطان قرنيه» .
هذا لفظ أحمد.
وفي رواية له أخرى عن حنظلة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر
[ ١ / ١٤١ ]
﵄؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده يؤم العراق: ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا، ها إن الفتنة هاهنا (ثلاث مرات) من حيث يطلع قرن الشيطان» .
وفي هذه الرواية فائدة جليلة، وهي البيان بأن منشأ الفتن من جهة العراق لا من جهة نجد التي هي أرض العرب؛ ففيها رد على من زعم من الزنادقة أن المراد بذلك أرض العرب.
ورواه: الإمام أحمد، ومسلم أيضا؛ من حديث عكرمة بن عمار عن سالم عن ابن عمر ﵄؛ قال: «خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة ﵂، فقال: رأس الكفر هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان؛ يعني: المشرق» .
ورواه مسلم أيضا من حديث ابن فضيل عن أبيه؛ قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر ﵄ يقول: يا أهل العراق! ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الفتنة تجيء من هاهنا (وأومأ بيده نحو المشرق)، من حيث يطلع قرنا الشيطان»، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله ﷿ له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ .
وعن أبي مسعود البدري ﵁ يبلغ به النبي ﷺ؛ قال: «من هاهنا جاءت الفتن (نحو المشرق)، والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر عند أصول أذناب الإبل والبقر، في ربيعة ومضر» .
رواه البخاري.
وعن ابن عون عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال:
[ ١ / ١٤٢ ]
«اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: وفي نجدنا. قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا". قالوا: وفي نجدنا. قال: "هنالك الزلازل والفتن، منها (أو قال: بها) يطلع قرن الشيطان» .
رواه: الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث عبد الرحمن بن عطاء عن نافع عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا (مرتين) . فقال: رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: من هنالك يطلع قرن الشيطان، ولها تسعة أعشار الشر» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ غير عبد الرحمن بن عطاء، وهو ثقة، وفيه خلاف لا يضر".
وقد رواه الطبراني في "الأوسط"، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «"اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا". فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله! فقال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا". فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله! فقال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، إن من هنالك يطلع قرن الشيطان، وبه تسعة أعشار الكفر، وبه الداء العضال» .
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث بشر بن حرب: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «"اللهم بارك لنا في مدينتا، وفي صاعنا، ومدنا، ويمننا، وشامنا". ثم استقبل مطلع الشمس فقال: "من هاهنا يطلع قرن الشيطان، من هاهنا الزلازل والفتن» .
وعن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن عمر ﵁؛ قال: إن النبي ﷺ قال: «"اللهم بارك في صاعنا وفي مدنا"، فرددها ثلاث مرات، فقال»
[ ١ / ١٤٣ ]
«رجل: يا رسول الله! ولعراقنا. فقال رسول الله ﷺ: "بها الزلازل والفتن، ومنها يطلع قرن الشيطان» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن سالم عن أبيه ﵁: أن النبي ﷺ قال: «"اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مكتنا، وبارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا، وبارك لنا في صاعنا ومدنا". فقال رجل: يا رسول الله! وفي عراقنا. فأعرض عنه، فقال: "فيها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان» .
رواه أبو نعيم في "الحلية".
وعن ابن عمر ﵄ أيضا؛ قال: صلى رسول الله ﷺ الفجر، ثم أقبل على القوم، فقال: «"اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا". فقال رجل: والعراق يا رسول الله! قال: "من ثم يطلع قرن الشيطان وتهيج الفتن» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: «دعا نبي الله ﷺ، فقال: "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا". فقال رجل من القوم: يا نبي الله! وعراقنا. قال: "إن بها قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق» .
رواه الطبراني في "الكبير". قال المنذري والهيثمي: "ورواته ثقات".
وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يخرج إلى العراق، فقال له كعب الأحبار: "لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين! فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال".
[ ١ / ١٤٤ ]
ذكره في "الموطأ".
وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه؛ قال: "أراد عمر ﵁ أن يسكن العراق، فقال له كعب: لا تفعل؛ فإن فيها الدجال، وبها مردة الجن، وبها تسعة أعشار السحر، وبها كل داء عضال"؛ يعني: الأهواء.
قال الخطابي: " (القرن): الأمة من الناس يحدثون بعد فناء آخرين، وقرن الحية: أن يضرب المثل فيما لا يحمد من الأمور".
نقله عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"؛ قال: "وقال غيره: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به. وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة. وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة؛ كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور؛ فإنه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة".
قال الحافظ ابن حجر: "وعرف بهذا وهاء ما قاله الداوودي أن نجدا من ناحية العراق؛ فإنه توهم أن نجدا موضع مخصوص، وليس كذلك، بل كل شيء ارتفع بالنسبة إلى ما يليه يسمى المرتفع نجدا والمنخفض غورا".
قلت: وقد تقدم ما رواه سالم عن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁؛ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يشير بيده يؤم العراق: "ها إن الفتنة هاهنا» الحديث، وهذه الرواية فيها تعيين المراد مما أبهم في غيرها من الروايات؛ كقولهم: "وفي نجدنا "، وقولهم: "وفي مشرقنا"؛ فالمراد بذلك كله أرض العراق وما يليه من المشرق.
[ ١ / ١٤٥ ]
وقد وقع مصداق ذلك، فكان قتل عثمان ﵁ على أيدي أهل العراق ومن مالأهم من أجلاف أهل مصر، وبقتله انفتح باب الفتن إلى يوم القيامة. وكانت في العراق أيضا وقعة الجمل وصفين وقتل فيه الحسين بن علي ﵄ وأصحابه. وكانت فيه أيضا فتنة المختار وفتنة الحجاج وغير ذلك من الفتن العظيمة. وكذلك كانت فتنة بني العباس ودعاتهم في العراق وخراسان. وكذلك فتن الأهواء المضلة؛ فكلها ظهرت أول ما ظهرت بأرض العراق؛ كفتنة الخوارج، والرافضة، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، ثم انتشرت بعد ذلك في أرجاء الأرض، وآخر ذلك فتنة المسيح الدجال، وهي أعظم فتنة تكون على وجه الأرض، وقد جاء في بعض الأحاديث: أنه يخرج من خراسان، وفي بعضها: أنه يخرج من العراق، وستأتي الأحاديث بذلك في ذكر الدجال إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا؛ فيحتمل أنه ﷺ أراد بقوله: «قرني الشيطان»: أول الفتن وآخرها وما بين ذلك من الفتن العظيمة، ويحتمل أنه أراد بذلك فتنة الهرج وفتنة الأهواء المضلة. والله أعلم بمراد رسوله ﷺ.
باب
أمان الناس من الفتن في حياة عمر بن الخطاب ﵁
عن ربعي - وهو ابن حِراش - عن حذيفة ﵁؛ قال: كنا عند عمر ﵁، فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا. قال:
[ ١ / ١٤٦ ]