رواه: الإمام أحمد، والبخاري.
وعن أبي المنهال؛ قال: "لما كان ابن زياد ومروان بالشام، ووثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية له من قصب، فجلسنا إليه، فأنشأ أبي يستطعمه الحديث، فقال: يا أبا برزة! ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ حتى بلغ بكم ما ترون هذه الدنيا التي أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله؛ إن يقاتل إلا على الدنيا".
رواه البخاري.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق عبد الله - وهو ابن المبارك -: أنبأنا عوف عن أبي المنهال عن أبي برزة الأسلمي ﵁؛ قال: "إن ذلك الذي بالشام (يعني: مروان) والله؛ إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن ذلك الذي بمكة (يعني: ابن الزبير) إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن الذين تدعونهم قراءكم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا". فقال له أبي: فما تأمرنا إذا؟ قال: "لا أرى خير الناس إلا عصابة ملبدة - وقال بيده - خماص البطون من أموال الناس خفاف الظهور من دمائهم".
وعن نافع عن ابن عمر ﵄: "أنه قال لرجل يسأله عن القتال مع الحجاج أو مع ابن الزبير؟ فقال له ابن عمر ﵄: مع أي الفريقين قاتلت فقتلت؛ ففي لظى".
[ ١ / ١٢٤ ]
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن حذيفة بن اليمان ﵄: أنه قال: "اتقوا فرقتين تقتتلان على الدنيا؛ فإنهما يجران إلى النار جرا".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
وعن نافع عن ابن عمر ﵄: "أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير؛ فقالا: إن الناس صنعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. فقالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله".
رواه البخاري.
وفي رواية له عن ابن عمر ﵄: "أن رجلا جاءه، فقال: يا أبا عبد الرحمن! ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إلى آخر الآية؛ فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا أخي! أغتر بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من أن أغتر بهذه الأمة التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخرها. قال: فإن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ . قال ابن عمر ﵄: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه: إما يقتلوه، وإما يوثقوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة".
وعن أبي ظبيان عن أسامة بن زيد ﵄؛ قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في سرية (فذكر الحديث، وفي آخره) قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين؛ يعني: أسامة. قال: قال رجل: ألم يقل»
[ ١ / ١٢٥ ]
«الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾؟ فقال سعد ﵁: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة» .
رواه مسلم.
وعن ابن سيرين؛ قال: "لما قيل لسعد بن أبي وقاص ﵁: ألا تقاتل؛ فإنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟ قال: لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان، يعرف المؤمن من الكافر؛ فقد جاهدت وأنا أعرف الجهاد".
رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
قلت: ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن قيس بن أبي حازم وعامر الشعبي؛ قالا: "قال مروان بن الحكم لأيمن بن خريم - يعني: الأسدي -: ألا تخرج فتقاتل معنا؟ فقال: إن أبي وعمي شهدا بدرا، وإنهما عهدا إلي أن لا أقاتل أحدا يقول: لا إله إلا الله، فإن أنت جئتني ببراءة من النار قاتلت معك. قال: فاخرج عنا. قال: فخرج وهو يقول:
ولست بقاتل رجلا يصلي على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلي إثمي معاذ الله من جهل وطيش
أأقتل مسلما في غير جرم فليس لنافعي ما عشت عيشي
" رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ١٢٦ ]
وقد رواه أبو يعلى والطبراني من حديث عامر الشعبي، قال الهيثمي: "ورجال أبي يعلى رجال الصحيح؛ غير زكريا بن يحيى رحمويه، وهو ثقة".
وعن أبي عمران - وهو الجوني - قال: قلت لجندب: إني قد بايعت هؤلاء -يعني: ابن الزبير - وإنهم يريدون أن أخرج معهم إلى الشام. فقال: أمسك. فقلت: إنهم يأبون. قال: افتد بمالك. فقلت: إنهم يأبون إلا أن أضرب معهم بالسيف. فقال جندب: حدثني فلان أن رسول الله ﷺ قال: «يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة، فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ (قال شعبة: وأحسبه قال:) فيقول: علام قتلته؟ فيقول: قتلته على ملك فلان» . قال: فقال جندب: فاتقها.
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وقد روى النسائي المرفوع منه فقط، ورواته كلهم ثقات.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «يجيء الرجل آخذا بيد الرجل، فيقول: يا رب! هذا قتلني. فيقول الله له: لم قتلته؟ فيقول: قتلته لتكون العزة لك. فيقول: فإنها لي. ويجيء الرجل آخذا بيد الرجل، فيقول: إن هذا قتلني. فيقول الله له: لم قتلته. فيقول: لتكون العزة لفلان. فيقول: إنها ليست لفلان. فيبوء بإثمه» .
رواه النسائي بإسناد حسن.
وقد رواه ابن مردويه، وزاد في آخره: "قال: فيهوي في النار سبعين خريفا".
وعن أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من شر الناس»
[ ١ / ١٢٧ ]
«منزلة عند الله يوم القيامة عبد أذهب آخرته بدنيا غيره» .
رواه ابن ماجه بإسناد حسن.
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي على الناس زمان، يخير فيه الرجل بين العجز والفجور، فمن أدرك ذلك الزمان؛ فليختر العجز على الفجور» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى؛ عن شيخ عن أبي هريرة، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وقد رواه الحاكم من هذا الوجه من وجه آخر، وسمى المبهم فيه سعيد بن أبي خيرة، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
باب
تسليط الظلمة على الظلمة
عن جابر ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ يقول: أنتقم ممن أبغض بمن أبغض، ثم أصير كلا إلى النار» .
رواه الطبراني في "الأوسط"، وفي إسناده ضعف.
باب
النهي عن القتال في الفتنة
تقدم فيه أحاديث كثيرة في (باب ذكر الفتن والتحذير منها)؛ فلتراجع. وتقدم أيضا في (باب القتال على الملك) أحاديث كثيرة في ذلك.
[ ١ / ١٢٨ ]