التابعين ومن بعدهم من الأئمة.
وأما المرجئة؛ فقال إسحاق بن منصور: "قلت لأحمد: فسر لي المرجئة. قال: المرجئة تقول: الإيمان قول".
ذكره القاضي أبو الحسين في "الطبقات".
ورأيت في عقيدة منسوبة للإمام أحمد ما نصه: " المرجئة: هم الذين يزعمون أن الإيمان مجرد التصديق، وأن الناس لا يتفاضلون في الإيمان، وأن إيمانهم وإيمان الملائكة والأنبياء واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان ليس فيه استثناء، وأن من آمن بلسانه ولم يعمل فهو مؤمن حقا. هذا كله قول المرجئة، وهو أخبث الأقاويل".
وقال حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه في "مسائله" المشهورة: "من زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان هو القول والأعمال شرائع؛ فهو مرجئ، ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص؛ فقد قال بقول المرجئة، ومن لم ير الاستثناء في الإيمان؛ فهو مرجئ، ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة؛ فهو مرجئ، ومن زعم أنه المعرفة في القلب وإن لم يتكلم لها؛ فهو مرجئ".
وهذا الذي قاله حرب كله من كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقد ساقه بهذا اللفظ القاضي أبو الحسين في ترجمة أحمد بن جعفر بن يعقوب أبي العباس الفارسي الإصطخري.
وقال ابن الأثير في "النهاية": "المرجئة فرقة من فرق الإسلام، يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي؛ أي: أخره عنهم، والمرجئة تهمز ولا تهمز، وكلاهما بمعنى التأخير".
[ ١ / ٣١٤ ]
وقال أيضا في "جامع الأصول": " المرجئة طائفة من فرق المسلمين، يقولون: إنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة. وهذا مذهب سوء؛ أما في جانب الكفر فصحيح أنه لا ينفع معه طاعة، وأما في جانب الإيمان فكيف لا تضر معه المعاصي؟ ! والقائل بهذا يفتح باب الإباحة؛ فإن الإنسان إذا علم أنه لا تضره المعاصي مع إيمانه؛ ارتكب كل ما تحدثه به نفسه منها، علما أنها لا تضره، وهؤلاء هم أضداد القدرية؛ فإن من مذهبهم أن الكبيرة إذا لم يتب منها يخلد صاحبها في النار وإن كان مؤمنا.
فانظر إلى هذا الاختلاف العظيم والتناقض الزائد في الآراء والأهواء، وانظر كيف هدى الله أهل الحق والعدل إلى أقوم طريق، فأثبتوا للمعاصي جزاء، ونفوا الخلود في النار عليها، الذي هو جزاء الكافرين". انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "المرجئة؛ بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة ويجوز تشديدها بلا همز: نسبوا إلى الإرجاء، وهو التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، فقالوا: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، ولم يشترط جمهورهم النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان على الكمال، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلا، وإن إيمان الصديقين وغيرهم بمنزلة واحدة". انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في "الكافية الشافية":
"
وكذلك الإرجاء حين تقر بال معبود تصبح كامل الإيمان
فارم المصاحف في الحشوش وخ رب البيت العتيق وجد في العصيان
واقتل إذا ما اسطعت كل موحد وتمسحن بالقس والصلبان
واشتم جميع المرسلين ومن أتوا من عنده جهرا بلا كتمان
وإذا رأيت حجارة فاسجد لها بل خر للأصنام والأوثان
[ ١ / ٣١٥ ]
وأقر أن الله ﷻ هو وحده الباري لذي الأكوان
وأقر أن رسوله حقا أتى من عنده بالوحي والقرآن
فتكون حقا مؤمنا وجميع ذا وزر عليك وليس بالكفران
هذا هو الإرجاء عند غلاتهم من كل جهمي أخي الشيطان
"
وقد حدثت بدعة الإرجاء في آخر عصر الصحابة ﵃ بعد بدعة القدرية، وتكلم فيها آكابر التابعين ومن بعدهم من الأئمة، وأنكروا على أهلها، وصاحوا بهم من كل جانب، وبدعوهم وضللوهم، وحذروا منهم، واستقر الأمر عند أهل السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأن المؤمنين يتفاضلون في الإيمان، وأنه يستثنى فيه ويعاب على من لا يستثني.
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية» .
رواه: الترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". قال: "وفي الباب عن عمر وابن عمر ورافع بن خديج ﵃".
ورواه ابن ماجه أيضا من حديث ابن عباس وجابر بن عبد الله ﵃؛ قالا: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: أهل الإرجاء، وأهل القدر» .
وعن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية» .
رواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة".
[ ١ / ٣١٦ ]
وعن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «صنفان من أمتي لا يردان علي الحوض ولا يدخلان الجنة: القدرية، والمرجئة» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير هارون بن موسى الفروي، وهو ثقة".
وعن ابن عباس ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال أمر هذه الأمة مواتيًا أو مقاربًا (أو كلمة تشبهها) ما لم يتكلموا في الولدان والقدر» .
رواه: البزار، والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وابن حبان في "صحيحه". قال الهيثمي: "ورجال البزار رجال الصحيح".
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أخر الكلام في القدر لشرار هذه الأمة» .
رواه: البزار، والطبراني في "الأوسط"، ولفظه: قال: «أخر الكلام في القدر لشرار أمتي في آخر الزمان» . قال الهيثمي: "ورجال البزار في أحد الإسنادين رجال الصحيح؛ غير عمر بن أبي خليفة، وهو ثقة".
وعن أني بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة؛ فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ غير هارون بن موسى الفروي، وهو ثقة".
وعن أبي حازم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ؛ قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» .
[ ١ / ٣١٧ ]
رواه: أبو داود، والحاكم في "مستدركه" وقال: "صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وقال المنذري: "هذا منقطع، أبو حازم سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر، وقد روي هذا الحديث من طرق عن ابن عمر ليس فيها شيء يثبت". انتهى.
وقد روى هذا الحديث أبو بكر الآجري من طريقين عن أبي حازم عن نافع عن ابن عمر ﵄، ولكن قال أبو داود: "إن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنكره من حديث أبي حازم عن نافع ".
ورواه الآجري أيضا من طريق الجعيد بن عبد الرحمن عن نافع عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنه سيكون في آخر الزمان قوم يكذبون بالقدر، ألا وأولئك مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» .
ورواه الطبراني في "الصغير" من حديث الجعيد به.
وعن جابر بن عبد الله ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله: إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم» .
رواه: ابن ماجه، والطبراني، والآجري باختصار، ورواته ثقات.
وقد أعل هذا الحديث بأن بقية بن الوليد عنعنه مع كثرة تدليسه، وهذا تعليل ضعيف؛ لأن بقية بن الوليد رواه عن الأوزاعي، وهو من شيوخه، وقد قال ابن عدي: "إذا حدث بقية عن أهل الشام فهو ثبت".
وعن مكحول عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لكل أمة مجوسًا، وإن مجوس هذه الأمة القدرية؛ فلا تعودوهم إذا مرضوا،»
[ ١ / ٣١٨ ]
«ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا» .
رواه أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة" من طريقين، رجال أحدهما رجال الصحيح.
وقد أعل هذا الحديث بالانقطاع؛ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "لم يسمع مكحول من أبي هريرة ".
وعن عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة بن اليمان ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل أمه مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر؛ من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة". قال المنذري: " عمر مولى غفرة لا يحتج بحديثه، ورجل من الأنصار مجهول، وقد روي من طريق آخر عن حذيفة ولا يثبت". انتهى.
وعن حذيفة أيضا ﵁: أنه قال: "لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم، ولتنقصن عرى الإسلام عروة فعروة، ويكون أول نقضها الخشوع، حتى لا ترى خاشعا، وحتى يقول أقوام: ذهب النفاق من أمة محمد ﷺ؛ فما بال صلوات الخمس؛ لقد ضل من كان قبلنا، حتى ما يصلون بصلاة نبيهم، أولئك المكذبون بالقدر، وهم أسباب الدجال، وحق على الله أن يمحقهم".
رواه: الآجري، والحاكم، وهذا لفظ الآجري.
ولفظ الحاكم: قال: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليصلين النساء
[ ١ / ٣١٩ ]
وهن حيض، ولتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل؛ لا تخطئون طريقهم ولا تخطئكم، حتى تبقى فرقتان من فرق كثيرة، فتقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس؟ لقد ضل من كان قبلكم؛ إنما قال الله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ لا تصلوا إلا ثلاثا. وتقول الأخرى: إيمان المؤمنين بالله كإيمان الملائكة ما فينا كافر ولا منافق. حق على الله أن يحشرهما مع الدجال".
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي رواية للحاكم عن حذيفة ﵁: أنه قال: "إني لأعلم أهل دينين من أمة ﷺ في النار: قوم يقولون: إن كان أولنا ضلالا، ما بال خمس صلوات في اليوم والليلة؟ ! إنما هما صلاتان: العصر، والفجر. وقوم يقولون: إنما الإيمان كلام، وإن زنى وإن قتل".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "نلخيصه".
وقد رواه: عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، والآجري في كتاب "الشريعة" بنحوه.
وعن نافع قال: كان لابن عمر ﵄ صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه مرة عبد الله بن عمر ﵄: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر؛ فإياك أن تكتب إلي؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، وعبد الله ابن الإمام أحمد، والحاكم وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
[ ١ / ٣٢٠ ]
وفي رواية لأحمد عن نافع؛ قال: بينما نحن عند عبد الله بن عمر ﵄ قعودا؛ إذ جاء رجل، فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام (لرجل من أهل الشام) . فقال عبد الله: بلغني أنه أحدث حدثا، فإن كان كذلك فلا تقرأن عليه مني السلام؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف، وهو في الزنديقية والقدرية» .
إسناده صحيح على شرط مسلم.
ورواه الترمذي وابن ماجه بنحوه، وعندهما أن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون في هذه الأمة (أو: في أمتي) خسف أو مسخ أو قذف، في أهل القدر» . هذا لفظ الترمذي، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وفي رواية ابن ماجه: «يكون في أمتي (أو في هذه الأمة) مسخ وخسف وقذف، وذلك في أهل القدر» . فأفادت رواية ابن ماجه أن (أو) في رواية الترمذي بمعنى الواو، وليست للشك.
وعن نافع؛ قال: "قيل لابن عمر ﵄: إن قوما يقولون: لا قدر! فقال: أولئك القدريون، أولئك مجوس هذه الأمة".
رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة".
وعن عطاء بن أبي رباح؛ قال: "أتيت ابن عباس ﵄ وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه، فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، أولئك شرار هذه الأمة؛ فلا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين".
رواه ابن أبي حاتم.
[ ١ / ٣٢١ ]
وعن ابن زرارة عن أبيه عن النبي ﷺ: «أنه تلا هذه الآية: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾؛ قال: نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله» .
رواه ابن أبي حاتم.
باب
ما جاء في أهل الرأي والقياس
عن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحلون الحرام ويحرمون الحلال» .
رواه: الطبراني في "الكبير"، والبزار. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح ". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وعن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال، يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون» .
رواه البخاري بهذا اللفظ، وأصله متفق عليه.
وعنه ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا» .
رواه ابن ماجه، وإسناده جيد، وقد رواه البزار بنحوه. قال ابن القطان:
[ ١ / ٣٢٢ ]