لي سفينة: أمسك عليك: أبا بكر سنتين، وعمر عشرا، وعثمان اثنتي عشرة، وعلي كذا. قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أن عليا ﵁ لم يكن بخليفة! قال: كذبت أستاه بني الزرقا (يعني: بني مروان) .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وهذا لفظ أبي داود.
ولفظ الترمذي: قال رسول الله ﷺ: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك» . ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر، ثم قال: وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ثم قال: أمسك خلافة علي. فوجدناها ثلاثين سنة. قال سعيد: فقلت له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم! قال: كذبوا بنو الزرقا، بل هم ملوك من شر المملوك.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن، قد رواه غير واحد عن سعيد بن جهمان، ولا نعرفه إلا من حديثه".
قلت: قد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد من حديث أبي ريحانة - واسمه عبد الله بن مطر البصري - عن سفينة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» . فقال رجل كان حاضرا في المجلس: قد دخلت من هذه الثلاثين سنة ستة شهور في خلافة معاوية. فقال: من هاهنا أتيت تلك الشهور. كانت البيعة للحسن بن علي، بايعه أربعون ألفا، أو اثنان وأربعون ألفا.
وفي رواية لابن حبان من حديث سعيد بن جهمان عن سفينة ﵁ عن النبي ﷺ؛ قال: «الخلافة ثلاثون سنة، وسائرهم ملوك» .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "وكانت خلافة أبي بكر ﵁ سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال، وكانت خلافة عمر ﵁ عشر سنين
[ ١ / ٢٠٠ ]
وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان ﵁ اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوما، وكانت خلافة علي بن أبي طالب ﵁ خمس سنين إلا شهرين".
قال " "وتكميل الثلاثين الحسن بن علي ﵄ نحوا من ستة أشهر، حتى نزل عنها لمعاوية ﵁ عام أربعين من الهجرة".
وقال ابن كثير أيضا: "إنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي ﵄، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية ﵁ في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وذلك كمال الثلاثين سنة من موت رسول الله ﷺ؛ فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه".
وقال ابن كثير أيضا: "والسنة أن يقال لمعاوية ﵁: ملك، ولا يقال له: خليفة؛ لحديث سفينة ﵁: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا عضوضًا» . انتهى.
قوله: "كذبت أستاه بني الزرقاء": (الأستاه): جمع است، وهي العجيزة، وتطلق على حلقة الدبر، وأصله: سته؛ بفتحتين، والجمع: أستاه، والمراد أنها كلمة كاذبة؛ فهي كالضرطة التي تخرج من أدبارهم، فلا قيمة لها. و(الزرقاء): امرأة من أمهات بني أمية. قاله بعض شراح السنن.
وعن أبي بكرة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلافة نبوة ثلاثون عامًا، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء» . فقال معاوية: رضينا بالملك.
رواه يعقوب بن سفيان، وذكره ابن كثير في "تاريخه"، ثم قال: "وهذا الحديث فيه رد صريح على الروافض المنكرين لخلافة الثلاثة، وعلى النواصب
[ ١ / ٢٠١ ]
من بني أمية ومن تبعهم من أهل الشام في إنكار خلافة علي بن أبي طالب ﵁ ". انتهى.
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة؛ قال: وفدنا على معاوية مع زياد، ومعنا أبو بكرة ﵁، فدخلنا عليه، فقال له معاوية ﵁: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، عسى الله أن ينفعنا به. قال: نعم. «كان نبي الله ﷺ يعجبه الرؤيا الصالحة ويسأل عنها، فقال رسول الله ﷺ: "أيكم رأى رؤيا؟ ". فقال رجل: أنا يا رسول الله؛ إني رأيت رؤيا؛ رأيت كأن ميزانًا دلي من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر بعمر، فرجح أبو بكر بعمر، ثم وزن عمر بعثمان، فرجح عمر بعثمان، ثم رفع الميزان. فاستاء لها رسول الله ﷺ، ثم قال: "خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء» . فغضب معاوية، فزخ في أقفائنا وأخرجنا، فقال زياد لأبي بكرة: أما وجدت من حديث رسول الله ﷺ حديثا تحدثه غير هذا؟ فقال: والله لا أحدثه إلا به حتى أفارقه. قال: فلم يزل زياد يطلب الإذن حتى أذن لنا، فأدخلنا، فقال معاوية ﵁: يا أبا بكرة! حدثنا بحديث عن رسول الله ﷺ لعل الله أن ينفعنا به. قال: فحدثه أيضا بمثل حديثه الأول، فقال له معاوية: لا أبا لك! تخبرنا أنا ملوك؛ فقد رضينا أن نكون ملوكا.
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وهذا لفظه، وأبو داود السجستاني مختصرا، وهو حديث حسن، رواه علي بن زيد بن جدعان، وفيه كلام، وقد وثق، وحسن الترمذي حديثه، وأخرج له مسلم في "صحيحه" مقرونا بآخر، وأخرج له البخاري في غير الصحيح، وبقية رجاله رجال الصحيح.
قوله: " فاستاء لها "؛ قال الخطابي: "أي: كرهها حتى تبينت المساءة في وجهه، ووزنه: افتعل، من السوء ". انتهى.
[ ١ / ٢٠٢ ]
و(الزخ): الدفع.
وقد رواه: أبو داود السجستاني أيضا، والترمذي، والحاكم؛ من حديث الأشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن عن أبي بكرة ﵁: «أن النبي ﷺ قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا؟ ". فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن أبو بكر وعمر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر، ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ» .
قال الترمذي: "وهذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". قال الذهبي: "وأشعث هذا ثقة، لكن ما احتجا به".
فلت: قد وثقه يحيى القطان وابن معين والنسائي، وروى له البخاري تعليقا، وصحح الترمذي حديثه.
وعن سعيد بن جهمان عن سفينة مولى أم سلمة ﵄؛ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح أقبل على أصحابه فقال: "أيكم رأى الليلة رؤيا؟ ". قال: فصلى ذات يوم، فقال: "أيكم رأى رؤيا؟ ". فقال رجل: أنا رأيت يا رسول الله كأن ميزانًا دلي به من السماء، فوضعت في كفة ووضع أبو بكر في كفة أخرى، فرجحت بأبي بكر، فرفعت وترك أبو بكر مكانه، فجيء بعمر بن الخطاب، فوضع في الكفة الأخرى، فرجح به أبو بكر، فرفع أبو بكر، وجيء بعثمان فوضع في الكفة الأخرى، فرجح عمر بعثمان، ثم رفع عمر وعثمان ورفع الميزان. قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: "خلافة النبوة ثلاثون عامًا، ثم تكون ملكًا» . قال سعيد بن جهمان: فقال لي سفينة: أمسك سنتي أبي بكر، وعشر عمر، ثنتي عشرة عثمان، وست علي ﵃.
[ ١ / ٢٠٣ ]
رواه: البزار مختصرا، والحاكم في "مستدركه"، وهذا لفظه. قال الهيثمي: "وفيه مؤمل بن إسماعيل، وثقه ابن معين وابن حبان، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رحاله ثقات".
وعن جابر بن عبد الله ﵄: أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر» . قال جابر ﵁: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ؛ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ، وأما تنوط بعضهم ببعض؛ فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ﷺ.
رواه: أبو داود، والحاكم في "مستدركه"، وصححه، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
قال الخطابي: "قوله: (نيط)؛ معناه: علق، والنوط: التعليق، والتنوط: التعلق". انتهى.
وعن سمرة بن جندب ﵁: «"أن رجلًا قال: يا رسول الله! رأيت كأن دلوًا دلي من السماء، فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربًا ضعيفًا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها وانتشطت وانتضح عليه منها شيء» .
رواه أبو داود.
وعن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب؛ قال: "بعثني ﵁ إلى الأسقف، فدعوته، فقال له عمر ﵁: وهل تجدني في الكتاب؟ قال: نعم. قال: كيف تجدني؟ ! قال: أجدك قرنًا. فرفع عليه الدرة، فقال: قرن
[ ١ / ٢٠٤ ]
مه؟ ! قال: قرن حديد أمين شديد. قال: كيف تجد الذي يجيء من بعدي؟ فقال: أجده خليفة صالحًا غير أنه يؤثر قرابته. قال عمر ﵁: يرحم الله عثمان؛ ثلاثًا. فقال: كيف تجد الذي بعده؟ قال: أجده صدأ حديد. فوضع عمر ﵁ يده على رأسه، فقال: يا دفراه! يا دفراه! فقال: يا أمير المؤمنين! إنه خليفة صالح، ولكنه يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول والدم مهراق".
رواه أبو داود، ورواته ثقات.
قال أبو داود: " (الدفر): النتن". وقال الخطابي: " (الدفر)؛ بفتح الدال وسكون الفاء: النتن، ومنه قيل للدنيا: أم دفر، فأما الذفر؛ بالذال المعجمة وفتح الفاء؛ فإنه يقال لكل ريح ذكية شديدة من طيب أو نتن". انتهى.
وعن عمر بن ربيعة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل إلى كعب الأحبار، فقال: يا كعب! كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرنا من حديد. قال: وما قرن من حديد؟ قال: أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم. قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة. قال: ثم يكون البلاء". رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن النعمان بن بشير ﵄؛ قال: "بينما زيد بن خارجة يمشي في بعض طرق المدينة؛ إذ خر ميتا بين الظهر والعصر، فنقل إلى أهله، وسجي بين ثوبين وكساء، فلما كان بين المغرب والعشاء؛ اجتمعن نسوة من الأنصار، فصرخوا حوله؛ إذ سمعوا صوتا من تحت الكساء يقول: أنصتوا أيها الناس! مرتين، فحسر عن وجهه وصدره، فقال: محمد رسول الله ﷺ النبي الأمي خاتم النبيين، كان ذلك في الكتاب. ثم قيل على لسانه: صدق صدق. أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ القوي الأمين، كان ضعيفا في بدنه قويا
[ ١ / ٢٠٥ ]
في أمر الله، كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قيل على لسانه: صدق صدق. والأوسط عبد الله أمير المؤمنين ﵁، الذي كان لا يخاف في الله لومة لائم، وكان يمنع الناس أن يأكل قويهم ضعيفهم، كان ذلك في الكتاب الأول، ثم قيل على لسانه: صدق صدق. ثم قال: عثمان أمير المؤمنين، رحيم بالمؤمنين، خلت اثنتان وبقي أربع، واختلف الناس ولا نظام لهم، وانتحبت الأجماء؛ يعني: تنتهك المحارم، ودنت الساعة، وأكل الناس بعضهم بعضا ".
رواه الطبراني في "الكبير " و"الأوسط" بإسنادين. قال الهيثمي: "ورجال أحدهما في "الكبير" ثقات".
باب
ما جاء في الخلفاء الاثني عشر
عن جابر بن سمرة ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة؛ كلهم تجتمع عليه الأمة. فسمعت كلاما من النبي ﷺ لم أفهمه، قلت لأبي: ما يقول؟ قال: "كلهم من قريش» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والترمذي، وهذا لفظ أبي داود.
وفي رواية لمسلم: قال: انطلقت إلى رسول الله ﷺ ومعي أبي، فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزًا منيعًا إلى اثني عشر خليفة. فقال كلمة صمنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: "كلهم من قريش» .
ورواه أبو داود، ولفظه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزًا إلى اثني عشر خليفة. قال: فكبر الناس وضجوا، ثم قال كلمة»
[ ١ / ٢٠٦ ]