عن حذيفة ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا؛ إلا ما أشرب من هواه» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
قال النووي: "قال أهل اللغة: أصل الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان. قال القاضي: ثم صارت في عرف الكلام لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء. قال أبو زيد: فتن الرجل يفتن فتونًا: إذا وقع في الفتنة، وتحول من حال حسنة إلى سيئة".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وتطلق الفتنة على الكفر والغلو في التأويل البعيد، وعلى الفضيحة، والبلية، والعذاب، والقتال، والتحول من الحسن إلى القبيح، والميل إلى الشيء والإعجاب به، وتكون في الخير والشر؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ". انتهى.
قلت: والمراد بما في حديث حذيفة ﵁: الفتنة في الشر؛ لقوله: «فأي قلب أشربها؛ نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها؛ نكت فيه نكتة بيضاء» . والله أعلم.
وعن ميمون بن أبي شبيب؛ قال: قيل لحذيفة ﵁: أكفرت بنو إسرائيل في يوم واحد؟ قال: "لا؛ ولكن كانت تعرض عليهم الفتنة، فيأبونها،
[ ١ / ٢٢ ]
فيكرهون عليها، ثم تعرض عليهم فيأبونها، حتى ضربوا عليها بالسياط والسيوف، حتى خاضوا خاضة الماء، حتى لم يعرفوا معروفا ولم ينكروا منكرا".
رواه ابن أبي شيبة.
وعن أبي ثعلبة ﵁: أنه قال: "أبشروا بدنيا عريضة تأكل إيمانكم، فمن كان منكم يومئذ على يقين من ربه؛ أتته فتنة بيضاء مسفرة، ومن كان منكم على شك من ربه؛ أتته فتنة سوداء مظلمة، ثم لم يبال الله في أي الأودية هلك".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن".
باب
أن الفتن تذهب العقول
عن حذيفة ﵁: أنه قال: "ما الخمر صرفا بأذهب بعقول الرجال من الفتن".
رواه: ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في "الحلية".
وعنه ﵁: أنه قال: "تكون فتنة تعوج فيها عقول الرجال، حتى ما تكاد ترى رجلا عاقلا ".
رواه نعيم بن حماد في "الفتن". قال في "كنز العمال": "وهو صحيح".
وعنه ﵁: أنه قال: "ستكون فتنة بعدها جماعة، ثم تكون بعدها جماعة، ثم تكون فتنة لا تكون بعدها جماعة؛ ترفع فيها الأصوات، وتشخص الأبصار، وتذهل العقول، فلا تكاد ترى رجلا عاقلا".
رواه الديلمي.
[ ١ / ٢٣ ]