العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وعليّ ﵄
كانت علاقة عَائِشَة ﵂ بعليّ ﵁ قبل وفاة النَّبِيّ ﷺ، علاقة حميمة، ثمّ بعد وفاة النَّبِيّ ﷺ حدثت فتنة الجمل، واختلف كل من عَائِشَة وعلي ﵄ في الاجتهاد، وحصل ما حصل، ولكن بالرغم من ذلك، لم تكن العلاقة بينهما علاقة عداء وجفاء، بل إن عَائِشَة ﵂ لما أرادت الخروج من البصرة - بعد انتهاء فتنة الجمل -، بعث إليها عليّ ﵁ بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج (١) فودعت الناس ودعت لهم، وقالت: «يَا بَنِيَّ لا يَعْتِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَلِيٍّ فِي الْقِدَمِ إِلا مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا، وَإِنَّهُ عَلَى مَعْتَبَتِي لَمِنَ الأخْيَارِ»، فقال علي ﵁: «صَدَقَتْ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا إِلا ذَاكَ، وَإِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، ثم سار علي معها مودعًا ومشيعًا أميالًا (٢).
_________________
(١) الْهَوْدَجُ: أَدَاة ذَات قبَّة تُوضَع على ظهر البعير لتركب فِيهَا النِّسَاء. ينظر: تهذيب اللغة ٦/ ٢٨، والوسيط ٢/ ٩٧٦.
(٢) ساق القصة سيف بن عمر في الفتنة ووقعة الجمل ص (١٨٣)، والطبري في تاريخه ٤/ ٥٤٤، وابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ٥/ ٩٤، وابن الأثير في الكامل ٢/ ٦١٤، وابن كثير في =
[ ٩٩ ]
فهذا الموقف من أصدق المواقف التي تبين عمق العلاقة بين علي وعَائِشَة ﵄، ولو كانت عَائِشَة ﵂ تحمل شيئًا في نفسها، لما قالت تلك المقالة، وأيضًا لو كان علي ﵁ يحمل على عَائِشَة ﵂ شيئًا لما أقرَّها على قولها، ولا قال هذه الكلمات التي تكتب بماء الذهب، ولا وقف معها هذا الموقف الرائع.
والأعجب من ذلك أن عليًا ﵁ كان يعاقب من يتكلم بكلام فيه نيل من أُمِّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ بالجلد والضرب، فقد ذكر ابن الأثير ﵀: "أن رجلين وقفا على باب الدار الذي نزلت فيه أُمّ المؤمنين بالبصرة فقال أحدهما: جزيت عنا أمنا عقوقًا، وقال الآخر: يا أمنا توبي فقد أخطأت - فبلغ ذلك عليًا - فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة وهما عجلان وسعد ابنا عبد الله فضربهما مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما" (١).
ويدل أيضًا على العلاقة الحسنة بين علي وعَائِشَة ﵂، ما روي عنها أنَّها كانت طلبتْ من الناس بعد مَقْتل عثمان أنْ يلزموا عليًّا ويبايعوه (٢)، وقد اعترف بعضُ الشيعة بهذا الأمر (٣).
يقول عمر بن شَبَّه (٤) ﵀: "أَنَّ أحدًا لم ينقل أن عَائِشَة ومن معها نازعوا
_________________
(١) = البداية والنهاية ٧/ ٢٧٤.
(٢) الكامل في التاريخ ٢/ ٦١٤.
(٣) ينظر: فتح الباري١٣/ ٢٩ - ٤٨.
(٤) ينظر: كتاب الجمل للمفيد، ص (٧٣)، والصاعقة في نسْف أباطيل وافترات الشيعة ص (٢٣٦ - ٢٤٠).
(٥) هو: عمر بن شَبَّة (واسمه زيد) بن عَبيِدة بن ريطة النميري البصري، النحوي، أبو زيد، كان عالمًا =
[ ١٠٠ ]
عليًا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما أنكرت هي ومن معها على عليِّ منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم" (١)، مع أَنَّ علي لم يمنع من قتلة عثمان، وإنما أخر ذلك، حتى تتضح الصورة وتستقيم الأمور.
ومما يدل أيضًا على العلاقة الطيبة بين عَائِشَة وعليِّ ﵄، أن عَائِشَة ﵂ كانتْ أحيانًا تُحيلُ السائل على عَلِيِّ ليجيبَه، فعن شريح بن هانئ قال: «سَأَلْتُ عَائِشَة، عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: ائْتِ عَلِيًّا فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنِّي، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ بِمِثْلِهِ»، وفي رواية: «عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَلْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (٢).
وقد سأل عَائِشَة ﵂ آخر، فقال: «فِي كَمْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَتْ لَهُ: سَلْ عَلِيًّا، ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِالَّذِي يَقُولُ لَكَ، قَالَ: فَأَتَى عَلِيًّا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "فِي الْخِمَارِ وَالدِّرْعِ السَّابِغِ"، فَرَجَعَ إِلَى عَائِشَة فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ: "صَدَقَ"» (٣).
_________________
(١) = بالحديث، والتاريخ، والنحو، والشعر، من مصنفاته: (تاريخ المدينة)، و(تاريخ البصرة)، و(الشعر والشعراء)، مات سنة (٢٦٢هـ). ينظر في ترجمته: معجم الأدباء ٥/ ٢٠٩٣، ووفيات الأعيان ٣/ ٤٤٠، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٦٩، والوافي بالوفيات ٢٢/ ٣٠١.
(٢) تاريخ المدينة ٤/ ١٢٣٣، وينظر: فتح الباري لابن حجر ١٣/ ٥٦.
(٣) سبق تخريجه ص (٣١).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٣/ ١٢٨، رقم (٥٠٢٩)، وابن أبي شيبة أبي شيبة ٢/ ٣٦، رقم (٦١٦٩)، والحديث صححه الألباني في تمام المنة ص (١٦١).
[ ١٠١ ]