حكم من سَبَّ أُمَّ المؤمنين عَائِشَة بما برَّأَها الله منه
قدْ أجْمَع علماءُ الإسلام قاطبةً مِن أهل السُّنَّة والجماعة على أنَّ مَن سبَّ أمَّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ ورَماها بما برَّأها الله منه أنه كافِرٌ.
قال الإمام مالك (١) ﵀: "مَن سَبَّ أبا بكرٍ وعُمرَ جُلِد، ومَن سَبَّ عَائِشَة قُتِل، قيل له: لِمَ يقتلُ في عَائِشَة؟ قال مالك: فمَن رماها فقدْ خالَفَ القرآن، ومَن خالف القرآنَ قُتِل" (٢).
وقال ابن القاسم (٣) في روايته، عن مالك: "لأن الله تعالى يقول: ﴿يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، فمن عاد لمثله فقد كفر" (٥).
_________________
(١) هو: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله، المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة المتبوعين، وإليه تنسب المالكية، وقد أثنى عليه كثير من العلماء حتى قال الشافعي: "مالك حجة الله تعالى على خلقه بعد التابعين"، ومن مصنفاته: (الموطأ)، مات سنة (١٧٩هـ). ينظر في ترجمته: الثقات لابن حبان ٧/ ٤٥٩، وفيات الأعيان ٤/ ١٣٥، وتهذيب الكمال ٢٧/ ٩١، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٤٨.
(٢) مسند الموطأ للجوهري ص (١١٢)، والشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/ ٣٠٩، والصارم المسلول ص (٥٦٦).
(٣) هو: هو أبو إسحاق: محمد بن القاسم بن شعبان، كان رأس الفقهاء المالكيين بمصر في وقته، وأحفظهم لمذهب مالك، مع التفنن في سائر العلوم، وكان دينًا ورعًا، مات سنة (٣٥٥هـ). ينظر في ترجمته: ترتيب المدارك ٥/ ٢٧٤، وطبقات الفقهاء ص (١٥٥)، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ١٧٤.
(٤) سورة النور، الآية:١٧.
(٥) الشفا ٢/ ٦٥٤.
[ ٢٠١ ]
قال ابنُ حزْم (١) ﵀: "قول مالك هاهنا صحيحٌ، وهي رِدَّة تامَّة، وتكذيبٌ لله تعالى في قَطْعِه ببراءتها" (٢).
وقال أبو بكر ابنُ زياد النيسابوريُّ (٣) ﵀: "سَمعتُ القاسمَ بنَ محمَّد يقول لإسماعيلَ ابن إسحاقَ: أُتِي المأمون في (الرَّقة) برَجلين شَتَم أحدُهما فاطمةَ، والآخَرُ عَائِشَة، فأمَر بقَتْل الذي شتَم فاطمةَ وترَك الآخَر، فقال إسماعيلُ: ما حُكْمُهما إلاَّ أن يُقتلاَ؛ لأنَّ الذي شتَم عَائِشَة ردَّ القرآن" (٤).
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية (٥) ﵀ تعقيبًا عليه: "وعلى هذا مضَتْ سِيرةُ
_________________
(١) هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، أبو محمد، عالم الأندلس في عصره، ولد بقرطبة (من بلاد الأندلس) سنة (٣٨٤هـ)، وكان فقيهًا حافظًا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة على طريقة أهل الظاهر، بعيدًا عن المصانعة حتى شُبِّه لسانه بسيف الحجاج، من تصانيفه: (المحلى بالآثار)، و(الإحكام في أصول الأحكام)، مات سنة (٤٥٦هـ). ينظر في ترجمته: وفيات الأعيان ٣/ ٣٢٥، وسير أعلام النبلاء ١٨/ ١٨٤، والبداية والنهاية ١٢/ ١١٣.
(٢) المحلى بالآثار ١٢/ ٤٤٠.
(٣) هو: عبد الله بن محمد بن زياد النيسابورىّ، أبو بكر، كان إمام الشافعية في عصره بالعراق، وجمع بين الفقه والحديث، مات سنة (٣٢٤ هـ). ينظر في ترجمته: طبقات الفقهاء ص (١١٣)، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١٩٧، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٦٥، وطبقات الشافعية للسبكي ٣/ ٣١٠.
(٤) ينظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٧/ ١٣٤٤، والصارم المسلول ص (٥٦٦).
(٥) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر، النميري، الحراني، الدمشقي، الحنبلي، أبو العباس، تقي الدين ابن تيمية، شيخ الإسلام، ولد بحران سنة (٦٦١هـ)، نظر في الرجال والعلل وتفقه وتمهر وتميز وتقدم وصنف ودرس وأفتى وفاق الأقران وصار عجبا في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسع في المنقول والمعقول والإطالة على مذاهب السلف والخلف، له مصنفات كثيرة في علوم شتى من أشهرها: (مجموع الفتاوى)، و(منهاج السنة النبوية)، و(درء تعارض العقل والنقل)، مات ﵀ سنة (٧٢٨هـ). =
[ ٢٠٢ ]
أهل الفِقه والعِلم مِن أهل البيت وغيرِهم" (١).
وقالَ ابنُ العربيِّ (٢) ﵀: "كلُّ مَن سبَّها بما برَّأها الله منه فهو مُكذِّب لله، ومَن كذَّب الله فهو كافِر" (٣).
وقال ابن قُدامة (٤) ﵀: "فمَن قذَفها بما بَرَّأها الله منه فقدْ كفَر بالله العظيم" (٥).
وقال النوويُّ (٦) ﵀: "براءةُ عَائِشَة ﵂ مِنَ الإفْك، وهي براءةٌ قطعية بنصِّ القرآن العزيز، فلو تَشكَّك فيها إنسانٌ - والعياذ بالله - صار كافرًا مرتدًّا
_________________
(١) = ينظر في ترجمته: تاريخ الإسلام ٤٩/ ٩٢، فوات الوفيات ١/ ٧٤، والبداية والنهاية ١٣/ ٣٠٣.
(٢) الصارم المسلول (٥٦٦).
(٣) هو: محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الإشبيلي المالكي، القاضي، أبو بكر ابن العربيّ، أحد كبار علماء المالكية، وكان عالمًا بعلوم القرآن، والفقه، والأدب، والتاريخ، ومن مصنفاته: (أحكام القرآن)، و(عارضة الأحوذي في شرح الترمذي)، و(العواصم من القواصم)، مات سنة (٤٥٣هـ). ينظر في ترجمته: إكمال الإكمال ٤/ ٢٩٢، ووفيات الأعيان ٤/ ٢٩٦، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٤٢.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ٣٦٦.
(٥) هو: عبد الله بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، أبو محمد، موفق الدين، فقيه، من أكابر الحنابلة، له تصانيف، منها: (المغني في الفقه شرح مختصر الخرقي) و(الكافي)، و(المقنع)، مات سنة (٦٢٠هـ). ينظر في ترجمته: البداية والنهاية ١٣/ ٩٩ وشذرات الذهب ٥/ ٨٨ وفوات الوفيات ١/ ٥٢٠.
(٦) لمعة الاعتقاد ص (٤٠).
(٧) هو: يحيى بن شرف بن مري، محيي الدين، أبو زكريا، النووي، الشافعي، ولد بنوى - قرية من قرى دمشق - سنة (٦٣١هـ)، وهو من أئمة فقهاء الشافعية، له مصنفات عديدة مشهورة منها: (المجموع شرح المهذب)، و(روضة الطالبين)، و(المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج)، مات سنة (٦٧٦هـ). ينظر في ترجمته: تاريخ الإسلام ٥٠/ ٢٤٦، وطبقات الشافعية للسبكي ٨/ ٣٩٥.
[ ٢٠٣ ]
بإجماعِ المسلمين" (١).
وقال ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآيات (٢): "قد أجمع العلماء - ﵏ - قاطبة على أن مَنْ سَبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، والله أعلم" (٣).
وقال ابنُ القيِّم ﵀: "واتَّفقتِ الأُمَّة على كُفْر قاذفِها" (٤).
وقال القاضي أبو يعلى (٥) ﵀: "من قذف عَائِشَة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم" (٦).
وقال ابن أبي موسى ﵀ (٧): "ومن رمى عَائِشَة ﵂ بما برأها الله منه فقد
_________________
(١) شرح النووي على مسلم ١٧/ ١١٧.
(٢) سورة النور، الآيات: ٢٣ - ٢٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٣٢.
(٤) زاد المعاد في هدي خير العباد ١/ ١٠٣.
(٥) هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد أبو يعلى المعروف بابن الفراء، من أهل بغداد، كان عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون، من مصنفاته: (الإحكام السلطانية)، و(الكفاية في أصول الفقه)، مات سنة (٤٥٨هـ). ينظر في ترجمته: تاريخ بغداد ٣/ ٥٥، وطبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣، وتاريخ دمشق ٥٢/ ٣٥٤، وإكمال الإكمال ٤/ ٥٥٧.
(٦) الصارم المسلول ص (٥٦٦).
(٧) هو: عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن جعفر الشريف الهاشمي إمام الحنابلة ببغداد في عصره، =
[ ٢٠٤ ]
مرق من الدين ولم ينعقد له نكاح على مسلمة" (١).
وقال بدر الدين الزركشي ﵀: "من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها" (٢).
وبعد عرض أقوال العلماء السابقة يمكن تلخيص حججهم على كفر من رمى أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵄، وهي كما يلي:
أولًا: أن في سبها تكذيبًا للقرآن الذي شهد ببراءتها، وتكذيب ما جاء به القرآن كفر (٣).
ثانيًا: إن في ذلك إيذاء لرسول الله ﷺ؛ وذلك لأن قذف المرأة أذى لزوجها (٤)، والنَّبِيّ ﷺ زوج لعَائِشَة وكانت من أحب النساء إليه، والدليل على تأذيه من ذلك، قوله في هذه الحادثة: «يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (٥)، وإيذاء رسول الله ﷺ كفر بالإجماع (٦).
_________________
(١) = وكان عالمًا فقيهًا، ورعًا عابدًا زاهدًا، قؤولًا بالحق لا يحابي أحدًا، ولا تأخذه في الله لومة لائم، مات سنة (٤٧٠هـ).ينظر في ترجمته: المنتظم ١٦/ ١٩٥، وتاريخ الإسلام ٣١/ ٣٢٢، والبداية والنهاية ١٢/ ١٤٥، وطبقات الحنابلة ٢/ ٢٣٧.
(٢) الصارم المسلول ص (٥٦٨).
(٣) الإجابة ص (٢٩).
(٤) ينظر: المحلى بالآثار ١٢/ ٤٤٠، وتفسير القرآن العظيم ٦/ ٣٢.
(٥) الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٠٩، والصارم المسلول ص (٤٥).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ ٦/ ١٠١، رقم (٤٧٥٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف٤/ ٢١٢٩، رقم (٢٧٧٠) من حديث عَائِشَة ﵂.
(٧) ينظر: الصارم المسلول ص (٣)
[ ٢٠٥ ]
ثالثًا: أن الطعن بها ﵂ فيه تنقيص برسول الله ﷺ، حيث رضيها أن تكون زوجة له وأبقاها على ذلك حتى مات، فيلزم من طعنهم أن يكون رسول الله ﷺ ديوثًا يرضى الفساد في أهله، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ (١)، قال ابن كثير ﵀: "أي ما كان الله ليجعل عَائِشَة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعًا ولا قدرًا، ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (٢) أي عما يقوله أهل الإفك والعدوان" (٣).
_________________
(١) سورة النور، الآية:٢٦.
(٢) سورة النور، الآية:٢٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٣٥
[ ٢٠٦ ]