زواجها من النَّبِيّ ﷺ
تزوج النَّبِيّ ﷺ عَائِشَة ﵂ قبل الهجرة ببضعة عشر شهرًا في شهر شوّال، وهي ابنة ست سنوات، ودخل بها في شوّال من السنة الثانية للهجرة وهي بنت تسع سنوات، فعنها ﵂ قالت: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسِتِّ سِنِينَ، وَبَنَي بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ» (١).
وقد رأى النَّبِيّ ﷺ عَائِشَة ﵂ في المنام قبل زواجه بها، ففي الحديث عنها ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ (٢)، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ» (٣).
ثم بعد هذه الرؤيا المباركة جاءت مرحلة الخطوبة، ولقد ذكرت عَائِشَة ﵂ قصة خِطبة النَّبِيّ ﷺ لها بتفاصيلها الدقيقة؛ وذلك لأنها تمثل عندها ذكريات طيبة
_________________
(١) أخرجه البخاري، في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب تزويج النَّبِيّ ﷺ عَائِشَة وقدومها المدينة وبنائه بها، ٥/ ٥٥، رقم (٣٨٩٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب تزويج الأب البكر الصغيرة ٢/ ١٠٣٨، رقم (١٤٢٢).
(٢) أي: في قطعة من جَيِّد الحرير، وجمعها سَرَقٌ. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٣٦٢، ولسان العرب ١٠/ ١٥٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب تزويج النَّبِيّ ﷺ عَائِشَة وقدومها المدينة وبنائه بها، ٥/ ٥٦، رقم (٣٨٩٥)، وفي الموضع السابق، باب النظر إلى المرأة قبل التزويج ٧/ ١٤، رقم (٥١٢٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عَائِشَة رضي الله تعالى عنها، ٤/ ١٨٨٩، رقم (٢٤٣٨).
[ ٢٥ ]
لا تنسى، فقالت ﵂: «لَمَّا تُوُفِّيَتْ خَدِيجَة، قَالَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ الأَوْقَصِ - امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵄ وَذَلِكَ بِمَكَّةَ -: أَيْ رَسُولَ اللهِ، أَلا تَتَزَوَّجُ؟ قَالَ: "وَمَنْ؟ " قَالَتْ: إِنْ شِئْتَ بِكْرًا، وَإِنْ شِئْتَ ثَيِّبًا، قَالَ: "فَمَنِ الْبِكْرُ؟ " قَالَتْ: بِنْتُ أَحَبِّ خَلْقِ اللهِ إِلَيْكَ عَائِشَة بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ﵁، قَالَ: "وَمَنِ الثَّيِّبُ؟ " قَالَتْ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ آمَنَتْ بِكَ، وَاتَّبَعَتْكَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ قَالَ: فَاذْهَبِي فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ قَالَتْ: فَجَاءَتْ فَدَخَلَتْ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَوَجَدَتْ أُمَّ رُومَانَ أُمَّ عَائِشَة قَالَتْ: أَيْ أُمَّ رُومَانَ، مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ؟ قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَخْطُبُ عَلَيْهِ عَائِشَة قَالَتْ: وَدِدْتُ (١)، انْتَظِرِي أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَإِنَّهُ آتٍ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَخْطُبُ عَلَيْهِ عَائِشَة ﵂ قَالَ: وَهَلْ تَصْلُحُ لَهُ؟ إِنَّمَا هِيَ ابْنَةُ أَخِيهِ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: ارْجِعِي إِلَيْهِ فَقُولِي لَهُ: أَنْتَ أَخِي فِي الإِسْلامِ، وَأَنَا أَخُوكَ وَابْنَتُكَ تَصْلُحُ لِي، فَأَتَتْ أَبَا بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ لِخَوْلَةَ: ادْعِي لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَجَاءَهُ فَأَنْكَحَهُ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ» (٢).
وتقصُّ أيضًا عَائِشَة ﵂ كيف كان وصول الخبر إليها وكيف كانت مراسم
_________________
(١) أي: تمنَّيْت وأحْبَبتُ ذلك. ينظر: الصحاح ٢/ ٥٤٩، ولسان العرب ٣/ ٤٥٤.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٥/ ١٨٢، رقم (٣٠٠٦) و٥/ ٢٢٩، رقم (٣٠٦١)، والطبري في تاريخه ٣/ ١٦٢ - ١٦٣، والطبراني في المعجم الكبير ٢٣/ ٢٣، رقم (٥٧) و٢٤/ ٣٠، رقم (٨٠)، وابن الأثير في "أسد الغابة" ٧/ ٢٠٥، والبيهقيُّ في السنن الكبرى ٧/ ١٢٩، رقم (١٣٥٢٦)، وفي "دلائل النبوة"٢/ ٤١١ - ٤١٢. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٣٦٢: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث".
[ ٢٦ ]
الزفاف، حيث قالت: «فَأَتَتْنِي أُمُّ رُومَانَ وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ (١) وَمَعِي صَوَاحِبِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا وَمَا أَدْرِى مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي فَأَوْقَفَتْنِي عَلَى الْبَابِ، فَقُلْتُ: هَهْ هَهْ (٢)، حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي فَأَدْخَلَتْنِي بَيْتًا، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ (٣)، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَغَسَلْنَ رَأْسِي وَأَصْلَحْنَنِي فَلَمْ يَرُعْنِي (٤) إِلاَّ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ» (٥).
وتروي عَائِشَة ﵂ استعدادها للزفاف وتجهيز أمها لها، فتقول: «كَانَتْ أُمِّي تُعَالِجُنِي لِلسُّمْنَةِ، تُرِيدُ أَنْ تُدْخِلَنِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَا اسْتَقَامَ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى أَكَلْتُ الْقِثَّاءَ (٦) بِالرُّطَبِ فَسَمِنْتُ كَأَحْسَنِ سِمْنَةٍ» (٧).
_________________
(١) الأُرْجُوحَةِ: حَبل يعلق طرفاه من جانبين يمِيل براكبه من نَاحيَة إِلَى نَاحيَة. ينظر: الصحاح ١/ ٣٦٤، ومشارق الأنوار ١/ ٢٨٢.
(٢) في قولها: (هه هه) قولان: أحدهما: أنه حكاية تتابع النفس، والثاني: حكاية شدة البكاء، وهي كلمة يقولها المبهور حتى يتراجع إلى حال سكونه. ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ٢٧٢، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٥٠٦، وشرح النووي على مسلم ٩/ ٢٠٧.
(٣) عَلَى خَيْرِ طَائِرٍ: أي: تقدمين على أسعد حظ، دُعَاء بالسعادة وأصل اسْتِعْمَالهَا من تفاؤل الْعَرَب بالطير وَقد يكون المُرَاد بالطائر هُنَا الْقسم والنصيب أَيْضًا. ينظر: مشارق الأنوار ١/ ٣٢٤، وشرح السيوطي على مسلم ٤/ ٢٧، وفتح الباري ٧/ ٢٢٤.
(٤) لَمْ يَرُعْنِي: من الروع: الفزع والمفاجأة، والمعنى: لم يفاجئني وَلم يفزعني. ينظر: مشارق الأنوار ١/ ٣٠٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٢٧٧.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب تزويج الأب البكر الصغيرة، ٢/ ١٠٣٨، رقم (١٤٢٢).
(٦) القِثَّاء: الخيار، وقيل: شبيه بالخيار. ينظر: تهذيب اللغة ٩/ ٢٠٥، والصحاح ١/ ٦٤، ولسان العرب ١٥/ ١٧١.
(٧) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطب، باب في السمنة ٢/ ٤٠٨، رقم (٣٩٠٣)، وابن ماجه في سننه، كتاب الأطعمة، باب اقثاء والرطب يجمعان ٢/ ١١٠٤، رقم (٣٣٢٤)، وقال الألباني في =
[ ٢٧ ]
وأما في ليلية الزفاف نفسها فتولى تجهيزها أسماء بنت يزيد (١) وصاحباتها، تقول أسماء ﵂: «إِنِّي قَيَّنْتُ (٢) عَائِشَة لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ جِئْتُهُ، فَدَعَوْتُهُ لِجِلْوَتِهَا (٣)، فَجَاءَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهَا، فَأُتِيَ بِعُسِّ (٤) لَبَنٍ، فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَهَا النَّبِيّ ﷺ، فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا وَاسْتَحْيَتْ. قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَانْتَهَرْتُهَا وَقُلْتُ لَهَا: خُذِي مِنْ يَدِ النَّبِيّ ﷺ قَالَتْ: فَأَخَذَتْ، فَشَرِبَتْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ لَهَا النَّبِيّ ﷺ: "أَعْطِي تِرْبَكِ" (٥) قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلْ خُذْهُ، فَاشْرَبْ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوِلْنِيهِ مِنْ يَدِكَ، فَأَخَذَهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَنِيهِ، قَالَتْ: فَجَلَسْتُ، ثُمَّ وَضَعْتُهُ عَلَى رُكْبَتِي، ثُمَّ طَفِقْتُ أُدِيرُهُ، وَأَتْبَعُهُ بِشَفَتَيَّ لأصِيبَ مِنْهُ مَشْرَبَ النَّبِيّ ﷺ» (٦).
_________________
(١) = السلسلة الصحيحة ١/ ٨٤: "إسناده صحيح".
(٢) هي: أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع بن امرئ القيس بن عبد الأشهل الأَنْصارِيّة الأشهلية أم سلمة، ويُقال: أم عامر. صحابية بايعت رَسُول اللَّهِ ﷺ، وروت عنه أحاديث صالحة، وشهدت اليرموك وقتلت يومئذٍ تسعة من الروم بعمود خبائها. ينظر في ترجمتها: معرفة الصحابة ٦/ ٣٢٥٨، والاستيعاب ٤/ ١٧٨٧، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٢٩٦.
(٣) أَي زَيّنْتُ، من التَّقْيين وهو: التَّزيين. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ١٣٥.
(٤) أي: للنظر إليها مجلوة مكشوفة. ينظر: جمهرة اللغة ١/ ٤٩٣، والصحاح ٦/ ٢٣٠٤، ولسان العرب ١٤/ ١٥١.
(٥) العُسّ: القدح الكبير، وجمعه: عساس وأعساس. ينظر: تهذيب اللغة ١/ ٦٣، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٢٣٦.
(٦) أي: صاحباتك، والترب: الأقران، وهم الذين يكونون في سنٍّ واحدة. ينظر: الصحاح ١/ ٩١، وتهذيب اللغة ١٤/ ١٩٥.
(٧) أخرجه أحمد في مسنده ٤٥/ ٥٧٠، رقم (٢٧٥٩١)، والحميدي في مسنده ١/ ٣٥٩، رقم (٣٧١)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٤/ ١٧١، رقم (٤٣٤)، و٢٤/ ١٧٢، رقم (٤٣٥)، وابن بشران في أماليه ص (٣٧٦)، رقم (٨٦١)، والحديث حسنه الألباني في آداب الزفاف ص (٩١).
[ ٢٨ ]
وقد أقامت عَائِشَة ﵂ في صحبة النَّبِيّ ﷺ ثمانية أعوام وخمسة أشهر (١)، وتوفى ﷺ وهي ابنة ثماني عشرة سنة، فعنها ﵂: «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا»، وفي رواية: «وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ» (٢).
_________________
(١) الإجابة لإيراد ما استدركته عَائِشَة على الصحابة ص (١١)، زواج السيدة عَائِشَة ومشروعية الزواج المبكر ص (٣٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب إنكاح الرجل ولده الصغار ٧/ ١٧، رقم (٥١٣٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب تزويج الأب البكر الصغيرة ٢/ ١٠٣٩، رقم (١٤٢٢).
[ ٢٩ ]