مولدها ونشأتها
وُلِدَتْ أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ بمكة، بعد البعثة بأربع سنين أو خمس (١) تقريبًا (٢)، فخرجت إلى الدنيا فوجدت نفسها بين أبوين كريمين مؤمنين، في بيت يدين بدين الإسلام، بل وجدت نفسها ابنة خير الناس بعد رسول الله ﷺ، فوالدها أبو بكر الصديق ﵁ أوَّل من أسلم من الرجال، وبإسلامه أسلمت زوجته أم رومان وابنتاه أسماء وعَائِشَة ﵅، وبذلك تعد عَائِشَة ﵂ من أوائل المسلمات.
وكان أبواها - مع إسلامهما المتين - لهما علاقات حميمة، وصِلات وثيقة برسول الله ﷺ، كما حكت ذلك بنفسها ﵂، فعن عروة بن الزبير أن عَائِشَة زوج رسول الله ﷺ قالت: «لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً» (٣).
"وكانت لأسرة أبي بكر الصديق مكانة كبيرة قبل الإسلام، فهي من أكرم الأسر العربية وأعرقها، وبعد الإسلام تعد أسرة أبي بكر الصديق من السابقين إليه،
_________________
(١) ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة ٨/ ١٦.
(٢) رجَّح سليمان الندوي أن ولادتها في السنة التاسعة قبل الهجرة، فقال: "أصح تاريخ لولادتها هو شهر شوال قبل الهجرة، الموافق يوليو (تموز) عام ٦١٤م، وهو نهاية السنة الخامسة من البعثة". ينظر: سيرة السيدة عَائِشَة أُمّ المؤمنين ك ص (٤٠).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المساجد، باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس، ١/ ١٠٢، رقم (٤٧٦).
[ ٢١ ]
وقد ورثت أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ الكثير من عناصر الفخار التي تميزت بها قبيلتها، كما أنها ولدت ونشأت في بيت عامر بالإسلام والإيمان - كما سبق - مما كان له الأثر الكبير والطيب عليها" (١).
وقد أرضعتْ عَائِشَة ﵂ زوجةُ أبي القعيس (٢)، (٣)، فعن عائشة ﵂، قالت: «اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي القُعَيْسِ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الحِجَابُ، فَقُلْتُ: لاَ آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيّ ﷺ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا القُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيّ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ: "وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِي عَمُّكِ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَقَالَ: "ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ"» (٤).
فنشأت ﵂ في أحضان هذه الأسرة المباركة، وترعرعت في بيت الصدق والإيمان، وعاشت منذ نعومة أظفارها في ظل تعاليم الدين الإسلامي الحنيف،
_________________
(١) السيدة عَائِشَة وتوثيقها للسنة، لجيهان رفعت فوزي ص (١٢) بتصرف.
(٢) ينظر في قصة إرضاع عَائِشَة: أسد الغابة ٥/ ٤٠٧.
(٣) أبو القُعَيْسِ: اختلف في اسمه، فقيل اسمه: وائل، وقيل: الجعد، قال أبو نعيم في معرفة الصحابة ٥/ ٢٧١٤: "وائل بن أبي القُعَيْسِ أخو أفلح، له ذكر في حديث عَائِشَة، ذكره بعض المتأخرين، ولا أعلم له صحبة ولا إسلامًا". ينظر في ترجمته: معرفة الصحابة ٥/ ٢٧١٤، والاستيعاب ١/ ١٠٢، وأسد الغابة ٥/ ٤٠٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الآية ٦/ ١٢٠، رقم (٤٧٩٦) ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل ٢/ ١٠٦٩، رقم (١٤٤٥).
[ ٢٢ ]
وشهدت في طفولتها أشد المراحل التي مرت بها دعوة الإسلام وما لاقاه المسلمون من الأذى والاضطهاد.
فلما هاجر رسول الله ﷺ مع صاحبه ورفيقه أبي بكر الصديق إلى المدينة تركا أهليهما بمكة، ولما استقر بهما الحال هناك أرسل النَّبِيّ ﷺ من يحضر أهله وأهل أبي بكر، وقد تعرضت الأسرتان في طريق الهجرة لأخطار عديدة ومصاعب كثيرة، ومن ذلك ما روته عَائِشَة ﵂ قالت: «قَدِمْنَا مُهَاجِرِينَ فَسَلَكْنَا فِي ثَنِيَّةٍ (١) صَعْبَةٍ، فَنَفَرَ بِي جَمَلٌ كُنْتُ عَلَيْهِ قَوِيًّا مُنْكَرًا، فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى قَوْلَ أُمِّي: يَا عَرِيسَةُ، فَرَكِبْتُ فِي رَأْسِهِ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا، يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَرَاهُ أُلْقِيَ خِطَامُهُ (٢)، فَأَلْقَيْتُهُ، فَقَامَ يَسْتَدِيرُ، كَأَنَّمَا إِنْسَانٌ قَائِمٌ تَحْتَهُ يُمْسِكُهُ» (٣).
_________________
(١) الثَّنِيّة: الطريق في الجبل. ينظر: مشارق الأنوار ١/ ١٣٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٢٢٦.
(٢) الْخِطَام: هو الحبل الذي يُجعل في أنف البعير، حتى يُقاد به. ينظر: كتاب العين ٤/ ٢٢٦، والفائق في غريب الحديث ١/ ٣٨٢.
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٥/ ٢١١، رقم (٣٠٣٨)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٣/ ١٨٣، رقم (٢٩٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٣٦٦: "إسناده حسن".
[ ٢٣ ]