العلاقة الحَسَنَة بين عَائِشَة وفاطمة ﵄
إِنَّ علاقة عَائِشَة بفاطمة ﵄ هي علاقة ود وحب ووئام واحترام وتقدير، ولم يَثْبت في الأحاديث الصحيحة أن واحدة منهما قد حملت شيئًا من البغض أو الكراهية تجاه الأخرى، بل أجمع أصحاب السير ورواة الأحاديث على أن الصلة بين عَائِشَة وفاطمة ﵄ كانت على أحسن ألفة، وأكمل مودة، كأسمى ما يكون من العلاقات بين الأحباء، وقد ورد في أخبار التاريخ ما يؤكد ارتباط نسيج المحبة بينهما.
وهناك آثار كثيرة تُبيّن العلاقة الحسنة بين عائشة وفاطمة ﵄، ومن ذلك:
ما رواه عمرو بن دينار (١) قال: قالت عَائِشَة ﵂: «مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا»، وفي رواية: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَصَدَقَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا» (٢).
_________________
(١) هو: عمرو بن دينار، أبو محمد الجمحي مولاهم، المكي، الأثرم، أحد الأعلام التابعين، وشيخ الحرم في زمانه، مات سنة (١٢٦هـ). ينظر: الطبقات الكبرى ٥/ ٤٧٩، وجامع التحصيل ص (٢٤٣)، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٠٧.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ٣/ ١٣٧، رقم (٢٧٢١)، وأبو يعلى في مسنده ٨/ ١٥٣، رقم (٤٧٠٠)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٢/ ٤١، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٢٠١: "رواه الطبراني في الأوسط، وأبو يعلى، إلا أنها قالت: ما رأيت أحدا قط أصدق من فاطمة. ورجالهما رجال الصحيح".
[ ١٠٣ ]
وأيضًا ما روت عَائِشَة بنت طلحة (١)، عن أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂، أنها قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلاَّ (٢) وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (٣).
وهنا وصفتْ أُمُّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ فاطمة بصفات حميدة تبين قدرها ومنزلتها حيث أنها تشبه النَّبِيّ ﷺ هيئةً وطريقةً وسمتًا وخلقًا.
ووصفتها أيضًا بصدق اللهجة، فعن عبد الله بن الزبير، عن عَائِشَة ﵂ أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النَّبِيّ ﷺ قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَصْدَقَ لَهْجَةً
_________________
(١) هي: عائشة بنت طلحة بن عُبَيد الله القرشية التَّيْمِيّة، أم عِمْران المدنية، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وكانت أديبة، عالمة بأخبار العرب، فصيحة، وكانت أجمل نساء زمانها وأرأسهن، مات بعد سنة (١٠٠هـ). ينظر في ترجمتها: الطبقات الكبرى ٨/ ٣٤١، وتهذيب الكمال ٣٥/ ٢٣٧، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٣٦٩.
(٢) الدَّلُّ: الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك. ينظر: تهذيب اللغة ١٤/ ٤٨، والصحاح ٤/ ١٦٩٩، ولسان العرب ١١/ ٢٤٨، والمعجم الوسيط ١/ ٢٩٤.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء في القيام ٤/ ٣٥٥، رقم (٥٢١٧)، والترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب ما جاء في فضل فاطمة ك ٥/ ٧٠٠، رقم (٣٨٧٢)، والبخاري في الأدب المفرد ص (٥١٩)، رقم (٩٤٧)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب المناقب، مناقب فاطمة بنت رسول الله - ﷺ ك ٧/ ٣٩٣، رقم (٨٣١١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٥/ ٣٥٨، رقم (٢٩٤٧)، وابن حبان في صحيحه ١٥/ ٤٠٣، رقم (٦٩٥٣)، والحاكم في المستدرك ٣/ ١٦٧، رقم (٤٧٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ١٦٢، رقم (١٣٥٧٨)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عَائِشَة"، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وقال الذهبي: "بل صحيح"، والحديث صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص (٣٥٥).
[ ١٠٤ ]
مِنْهَا، إِلا أَنْ يَكُونَ الَّذِي وَلَدَهَا» (١).
وكانت فاطمة ﵂ إذا جاءت إلى النَّبِيّ ﷺ في حاجة ولم تجده أوصت بذلك عَائِشَة ﵂، فعن علي بن أبي طالب ﵁: «أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَتَتِ النَّبِيّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لعَائِشَة، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَة » الحديث (٢).
فهذا يدل على ثقة فاطمة ﵂ بعائشة ﵂، ويدل أيضًا على اهتمام عَائِشَة ﵂ بتبليغ ما أوكلته إليها فاطمة ﵂.
وأيضًا لما أرسل أمهاتُ المؤمنين فاطمةَ ﵂، إلى النَّبِيّ ﷺ تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: «يَا بُنَيَّة أَلاَ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟»، قالت: بلى، فرجعت إليهن، فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع (٣).
وفي هذا تصريح واضح من فاطمة بمحبتها لعَائِشَة ﵄.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٧٥، رقم (٤٧٥٦)، وابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ١٨٩٦، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقد عنعنه هنا ابن إسحاق ولم يصرح بالتحديث، وهو مدلس.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النفقات، باب عمل المرأة في بيت زوجها ٧/ ٦٥، رقم (٥٣٦١)، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم ٤/ ٢٠٩١، رقم (٢٧٢٧).
(٣) سبق تخريجه.
[ ١٠٥ ]