الفوائد والآثار الإِيجابِيَّة لحادثة الإفك الحديثة
إنَّ العصبة التي تناولت بيت النبوة الطاهر الكريم وشككت فيه، موجودة كما وجدت في زمان النَّبِيّ ﷺ، فإلى يومنا هذا نجد من يرمي أُمّ المؤمنين عَائِشَة بالفحش وغيره من الافتراءات، بعد أن برأها الله من تلك التُّهَم الكاذبة الملفقة، فعادوا إلى ما نهى الله عن العودة إليه، ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، والهدف في السابق والحاضر واحد، وهو النيل من الإسلام والطعن في أهله، ولكن الإفك الحديث أخطر وأشد من القديم؛ لأنه جاء بعد نزول القرآن بالبراءة، والنهي عن عدم العودة إليه، فأبى هؤلاء إلا أن يكذبوا بالقرآن، ويعودوا إلى ما نهى الله عنه.
فمع نزول البراءة من السماء، والثناء من الله، نجد أناسًا امتلأت قلوبهم كفرًا، ونفاقًا، وخبثًا يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويطعنون في أشرف عرض، وأشرف امرأة! يفرّقون بذلك بين المسلمين، ويثيرون الفتنة بينهم، ويتجرّأون على الله ورسوله تحت ستار حبّهم لآل البيت ﵈، وآل البيت منهم براء. يفسدون على الناس دينهم، وعقيدتهم، وإسلامهم.
وكما أن حادثة الإفك في السابق جاءت وفي طياتها الخير الكثير، فكذلك الإفك الحديث لم يخلُ من فوائد وآثار إيجابية، بل حوى الخير والبشرى، والفضل
_________________
(١) سورة النور، الآية:١٧.
[ ١٩١ ]
والبركة ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (١)، فلما ثارت الهجمة على أمنا عَائِشَة ﵂ وتجدد الإفك من جديد، جاءت الفوائد والآثار الطيبة مصاحبة لهذه الفتنة، وفي ما يلي ذكر لأهم هذه الفوائد والآثار:
أولًا: من أعظَمِ الخيرِ في هذهِ الحادثة؛ ما تكشّفَ للناسِ جميعًا من حقيقةِ دينِ هؤلاءِ الروافضِ وأخلاقِهم، وما ظهرَ للجميعِ من قُبحِ فعالِهم، وسوء ما تخفيهِ قلُوبُهم من الحقدِ السافرِ على أمّهاتِ المؤمنينَ رضيَ اللهُ تعالى عنهُنّ، وبانَ عداؤُهم الذي يُبطنونهُ لأهلِ السُّنة، وظهرت تقيتهم.
ثانيًا: في هذهِ الحادثة رسالةٌ صريحةٌ إلى دعاةِ التقاربِ والتلميعِ لمذهبِ التشيُّع، فقد أتَت على بُنْيانهم من القواعد، وبينت فشل واستحالة ما يدعون إليه، وأنى لهم أن يجمعوا بين الحق والباطل، وما مثلهم إلا كمثل مَن ينشُدُ في الماءِ جذوةَ نار، أومَن يطلبُ من السّرابِ إرواءً لظمئه.
ثالثًا: من عظيم برَكات هذهِ الحادثة؛ تداعي الكثير من علماءِ أهلِ السُّنة ودُعاتهم إلى تبيانِ خطورةِ التشيُّع وسوءِ آثاره، وتوارُد بعض وسائلِ الإعلامِ الهادفة من مواقع الانترنيت والقنوات المتخصِّصة في فضحِ الرَّافِضَة توارُدًا محمودًا على إنتاج الكثير من البحوثِ والبرامج الوثائقية التي تكشِفُ ضلالَ التشيُّعِ وفسَاده، وشاءَ اللهُ أن يكونَ الحديثُ عن خطَر الرَّافِضَة مثارَ اِهتمامِ الكثيرِ من العامةِ في البيوتاتِ والطرقاتِ والأسواقِ وأماكنِ العمل والاِجتماعات، وهذا - بحمدِ الله - خيرٌ عظيمٌ عميم، سهّل من مهمّةِ المصلِحينَ المختصِّينَ والمنشغلينَ بخطورةِ هذا الجانب،
_________________
(١) سورة النور، الآية:١١.
[ ١٩٢ ]
ولا يحيقُ المكرُ السيِّئُ إلا بأهلهِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
رابعًا: من الجميل في هذهِ الحادثة؛ التأثيرِ الإيجابيّ على كثير من عامّةِ الشيعةِ وعقلاءهم، وإزالة الغشاوة عن عيون كثير من المخدوعين، فقد سمِعنا أن كثيرًا منهم رجَعَ إلى منهج أهل السنة، وأدركَ خطورة ما كانَ عليه، وخطورة ما عليهِ الشيعة من الحقدِ على الخلفاءِ الراشدينَ وعلى أمّهاتِ المؤمنينَ، وهذا واللهِ من الخيرِ الذي نشكُرُ الله عليه (١).
خامسًا: قيام أهل السنة بحملة إعلامية قوية تُبيِّن فضائل ومناقب الصحابة ﵃، وخصوصًا أمهات المؤمنين ﵅، وكان التركيز الأكثر على أُمِّنا عَائِشَة ﵂، فصارت خطب الجمعة موجهة لذلك الغرض، وكثير من وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة والمقروءة، توجهت لنفس الهدف، وحسبك بهذا بركة.
سادسًا: اهتمام بعض العلماء وطلبة العلم - خصوصًا في الآونة الأخيرة -، بجمع الشُّبُهَات المثارة حول أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂، وغيرها من أمهات المؤمنين والصحابة الكرام والأئمة الأعلام، وتفنيد هذه الشُّبُهَات، والرد على الأباطيل والافتراءات المكذوبة عليهم، جزاهم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء.
سابعًا: تبني بعض المؤسسات الخيرية، والمنظمات الطوعية، والمواقع الإسلامية، مسابقات في سيرة أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة - رضي الله عن الجميع -، ومن ذلك مؤسسة الدُّرَر السَّنِيَّة التي تبنَّتْ مسابقة عالمية بعنوان: "أمنا عَائِشَة
_________________
(١) هذه الفوائد الأربع لخصتها من مقال لعبد الرحمن بن محمد السيد، على موقع صيد الفوائد www.saaid.net، بعنوان: "ما هيَ بأول بركتكم يا آل أبي بكر! حادثةُ الإفكِ الجديدة، بركاتٌ بعضُها فوقَ بعض! "، وتاريخ المقال: الثلاثاء ١٩/شوال/١٤٣١هـ.
[ ١٩٣ ]
ملكة العفاف"، وهذا البحث أحد البحوث المقدمة لهذه المسابقة، فجزاهم الله خيرًا.
ثامنًا: تدافع الأدباء والشعراء من كافة أنحاء المعمورة للدفاع عن أُمِّ المؤمنين عَائِشَة ﵂، وهجاء من سبها، وقد وقفت على كثيرٍ من القصائد التي جادت بها قرائحهم، ومن ذلك ما يلي:
قصيدة للشاعر حسين بن أحمد النجمي (١)، جاءت في واحد وأربعين بيتًا، مطلعها:
تبا لها تلك الكلاب النابحة فاحت نتانتهم بأقبح رائحةْ
قد أخرجوا أحقادهم وضلالهم وتقصدوا تلك الرزان الصالحةْ
أمي وأُمّ المؤمنين جميعهم زوج النَّبِيّ وحبه والناصحةْ
لا تحسبوا شرا شرارة إفكهم هي بالثواب من المهيمن رابحة
خسئت وخابت ألسن طعنت بها كان الجدير بأن تقوم منافحة
ما شوهوها بل تزيد نصاعة ووجوههم بالذل أمست كالحة
قد برأ الرحمن عرض نبيه من أكبش للصخر أضحت ناطحةْ
هلك النفاق ورأسه لكنه وجد الإساءة بالتشيع سانحة
إن التشيع والنفاق كعملة وجهان فيها بالقبائح طافحة
فأتى الخبيث يزيح عن وجه الخنا ويسوق فريته بأنتن جارحة
فعدوا على العرض الحرام وأطلقوا تلك السهام الغادرات الجارحة
فالله قد مدح الصحابة بالهدى والآي في السور الكريمة صادحة
_________________
(١) القصيدة على موقع منتديات دنيا الخيال www.d-alkhial.com.
[ ١٩٤ ]
ومكذب القرآن ينشر فكره بالزيف في قصص التفاهة قادحة
والسنة الغراء تظهر فضلهم فأكفهم ليد الحبيب مصافحة
نصروا الهدى بذلوا الدماء وأزهقت أرواحهم لله عنه مكافحة
أيجيء في هذا الزمان منافق متزعما بالحقد أتفه لائحة
جاءت من ابن سلول تحمل فكره في أبشع الصور الخبيثة واضحة
أماه أزعجني وأشعل في دمي نارا من الألم المؤرق لافحه
ما صك في أذني من الزيف الذي نقلته شاشات مساء البارحة
وأختم بقصيدة طويلة نظمها: أبو سهل طه بن الطيب بن المحجوب الزَّيَّاتي (١)، جاءت في ثمانين بيتًا، أنقل منها مقتطفات:
الْحَمْدُ للهِ الْمَلِيكِ الْقَادِرِ رَبٍّ عَظِيمٍ مَالِكٍ دَيَّانِ
ثُمَّ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيّ مُحَمَّدٍ مَا نَاحَ قُمْرِيٌّ عَلَى اْلأَغْصَانِ
وَالصَّحْبِ وَاْلآلِ الْكِرَامِ خِصَالِهِمْ وَكَذَاكَ زَوْجَاتٍ رُزِقْنَ جِنَانِ
وَعَلَى جَمِيعِ السَّالِكِينَ سَبِيلَهُمْ حَتَّى تَشِيبَ مَفَارِقُ الْوِلْدَانِ
إِنَّ الرَّوَافِضَ أَوْغَلُوا فِي غَيِّهِمْ وَتَتَايَعُوا فِي الظُّلْمِ وَالشَّنَآنِ
تَرَكُوا التَّقِيَّةَ أَظْهَرُوا كُفْرَانَهُمْ بِالطَّعْنِ فِي زَوْجِ النَّبِيّ الْعَدْنَانِي
- - -
_________________
(١) هذه النونية أخذتها من الناظم مباشرة، وهي غير مطبوعة، ولكنها موجودة على بعض المواقع والمنتديات، عبر الشبكة العالمية.
[ ١٩٥ ]
هَذَا الْخَبِيثُ وَقَدْ تَجَاسَرَ مُعْلِنًا لِلْكُفْرِ بَعْدَ بَرَاءَةِ الْقُرْآنِ
فِي سَبِّ عَائِشَة اْلأَبِيَّةِ أُمِّنَا وَالطَّعْنِ فِيهَا بِتُهْمَةِ الْبُهْتَانِ
أَتَسُبُّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مُكَذِّبًا لِلَّهِ ثُمَّ رَسُولِهِ الرَّبَّانِي؟
وَتُنَاقِضُ اْلإِجْمَاعَ أَمْرًا وَاضِحًا؟ فَالْكُفْرُ فِيكَ وَمِنْكَ يَا شَيْطَانِ
فَالْقَدْحُ فِيهَا مُلاَزِمٌ لِلطَّعْنِ فِي شَخْصِ النَّبِيّ وَعِرْضِهِ الْمُنْصَانِ
لَوْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِالْكِتَابِ مُصَدِّقًا خُذْ آيَةَ التَّطْهِيرِ دُونَ تَوَانِ
فَالرَّجْسُ أَمْرٌ ذَاهِبٌ عَنْ أَهْلِهِ جَاءَ التَّطَهُّرُ دُونَمَا نُكْرَانِ
أَزْوَاجُ هَذَا الُمُجْتَبَى مِنْ آلِهِ صَلَّى اْلإِلَهُ عَلَيْهِ فِي اْلأَكْوَانِ
فِي آيَةِ اْلأَحْزَابِ جَاءَ سِيَاقُهَا يُعْطِي اللَّبَيبَ قَرِينَةَ الْبُرْهَانِ
سَبَبُ النُّزُولِ الْقَطْعِي فِي تَحْقِيقِهِ جَاءَ الْمُبَاهِلُ مُهْلِكٌ لِلْجَانِي
إِنْ لَمْ يَكُنْ أَزْوَاجُهُ مِنْ أَهْلِهِ قُلْ لِي بِرَبِّكَ هَلْ يَصِحُّ لِسَانِ؟
- - -
يَا شِيعَةَ الرَّفْضِ الطُّغَاة تَبَاعَدُوا عَنْ كُلِّ كُفْرٍ يَسْحَقُ اْلإِيمَانِ
كَذَّبْتُمُ الْقُرْآنَ كُفْرًا وَادَّعَيْـ ـتُمْ فِيهِ تَحْرِيفًا كَذَا نُقْصَانِ
وَالسُّنُّةُ الْغَرَّاءُ لاَ مَعْنَى لَهَا هَذَا الْبُخَارِي وَصِنْوَهُ هَذَيَانِ
كَفَّرْتُمُ الصَّحْبَ الْكِرَامَ صَرَاحَةً فِي رِدَّةِ الشَّيْخَيْنِ قُلْ عُثْمَانِ
لَمْ يَنْجُ مِنْ تِلْكَ الضَّغِينَةِ وَاحِدٌ إِلاَّ ثَلاَثَةُ أَوْ يَكُونُوا ثَمَانِ
[ ١٩٦ ]
ويقول في براءة عَائِشَة ﵂:
فَاللهُ بَرَّأَهَا وَعَظَّمَّ شَأْنَهَا فِي عَشْرِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ
فِي سُورَةِ النُّورِ الْكَرِيمَةِ مُعْلِنًا عَنْ طُهْرِهَا وَعَفَافِهَا الْمُزْدَانِ
قَدْ صَانَهَا الْمَوْلَى الْكَرِيمُ وَخَصَّهَا بِخَصَائِصٍ مَشْدُودَةِ اْلأَرْكَانِ
فَشَهَادَةُ التَّنْزِيلِ جَاءَ خِطَابُهَا فِي اْلآيِيِ نَقْرَؤُهَا بِكُلِّ زَمَانِ
هِيَ حَبَّةُ الْعِقْدِ الْفَرِيدِ ِلأَنَّهَا بِكْرٌ تُفَاخِرُ فِيهِ فِي الْقَمَرَانِ
وَأَحَبُّ زَوْجٍ لِلنَّبِيِّ بِلاَ مِرَاء مَنْ ذَا يُوَازِي الْجَوْهَرَ الرَّنَانِ
زَوْجُ النَّبِيّ تُحِبُّهُ وَيُحِبُّهَا قَدْ غَابَ عَنْهَا يُفِيضُ بِالرِّضْوَانِ
مَاتَ النَّبِيّ وَرَأْسُهُ فِي سَحْرِهَا فِي يَوْمِهَا الْمَعْقُودِ بِالرُّجْحَانِ
قَدْ كَانَ دَفْنُ رَسُولِنَا فِي بَيْتِهَا فَكَفَاهَا فَضْلًا بُقْعَةُ اْلأَكْفَانِ
رِيقُ النَّبِيّ وَرِيقُهَا امْتَزَجَا مَعًا فَالْمُسْتَحِيلُ تَبَاعُدِ الْمَاءَانِ
حَازَتْ عُلُومًا قَدْ تَقَاصَرَ دُونَهَا جُلُّ الرِّجَالِ وَخَاضَتِ الْبَحْرَانِ
أَمَّا الْفَصَاحَةُ فَهْيَ تَمْلِكُ سِرَّهَا قَدْ فَاقَتِ الْعُرْبَ الْقُدَامَى مَعَانِي
وَرِوَايَةُ اْلآثَارِ أَصْلُ كَلاَمِهَا لاَ لَنْ تُدَانِيهَا النِّسَاء لاَءَانِ
هِيَ خَيْرُ هَذَا الْجَمْعِ مِنْ زَوْجَاتِهِ مَنْ مَاتَ عَنْهُنَّ الرَّسُولُ الْحَانِي
وفي الختام أقول: هذه ثمانٍ من الفوائد والآثار الإيجابية لحادثة الإفك الحديثة، وما هي إلا غيض من فيض وقليل من كثير، إذ المقام لا يتسع لذكر أكثر من ذلك.
[ ١٩٧ ]