منزلتها عند النَّبِيّ ﷺ
كان لعَائِشَة ﵂ مكانة خاصة في قلب النَّبِيّ ﷺ؛ وذلك لأنها كانت ابنة صاحبه الأكبر أبي بكر الصديق، وكانت أيضًا أحب زوجاته إليه.
وقد حبَّ النَّبِيّ ﷺ عَائِشَة ﵂ منذ صغرها، فعن حبيب مولى عروة (١) قال: كان رسول الله ﷺ يختلف إلى بيت أبي بكر ويقول: «يَا أُمَّ رُومَانَ، اسْتَوْصِي بِعَائِشَةَ خَيْرًا وَاحْفَظِينِي فِيهَا» (٢).
وقد كان ﷺ يُظهر حبه لعَائِشَة ﵂، ولا يخفيه، حتى إن عمرو بن العاص ﵁، سأله فقال: «أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَة"، قَالَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا"» (٣).
هذا الحديث فيه منقبة ظاهرة لأُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ وهي أنها كانت أحبُّ أزواج النَّبِيّ ﷺ إليه.
_________________
(١) هو: حبيب مولى عروة بن الزبير بن العوام، الأسدي، قال ابن سعد: "كان قليل الحديث"، مات في آخر سلطان بني أمية. ينظر في ترجمته: الطبقات الكبرى ٥/ ٤١٢، والثقات لابن حبان ٦/ ١٨٠، ومغاني الأخيار ٣/ ٥١١.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٨/ ٦٢، والحاكم في المستدرك ٤/ ٥، رقم (٦٧١٦)، وهو حديث مرسل، إذ إن حبيبًا من التابعين، وذكرتُ الحديث استئناسًا.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب قول النَّبِيّ ﷺ: "لو كنت متخذا خليلا" ٥/ ٥، رقم (٣٦٦٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ ٤/ ١٨٥٦، رقم (٢٣٨٤).
[ ٣١ ]
وقد علم جميع الناس حبَّ النَّبِيّ ﷺ لعَائِشَة حتى ثارت غيرة زوجاته، فعنها ﵂: أن نساء رسول الله ﷺ كن حزبين، فحزب فيه عَائِشَة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله ﷺ، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله ﷺ لعَائِشَة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ، أَخَّرَهَا حتى إذا كان رسول الله ﷺ في بيت عَائِشَة، بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله ﷺ في بيت عَائِشَة، فكلم حزب أم سلمة فقلن لها: كلمي رسول الله ﷺ يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله ﷺ هدية، فليهده إليه حيث كان من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها، فكلميه قالت: فكلمته حين دار إليها أيضًا، فلم يقل لها شيئا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته، فقال لها: «لاَ تُؤْذِينِي فِي عَائِشَة فَإِنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ، إِلا عَائِشَة»، قالت: فقالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله، ثم إنهن دَعَوْنَ فاطمة بنت رسول الله ﷺ، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: «يَا بُنَيَّة أَلاَ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟»، قالت: بلى، فرجعت إليهن، فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش، فأتته، فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عَائِشَة وهي قاعدة فسبتها، حتى إن رسول الله ﷺ لينظر إلى عَائِشَة، هل تكلم، قال: فتكلمت عَائِشَة ترد على زينب حتى أسكتتها،
[ ٣٢ ]
قالت: فنظر النَّبِيّ ﷺ إلى عَائِشَة، وقال: «إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ» (١).
وكان ﷺ يفسح لها المجال للعب، ولم يحرمها من هذه المتعة، بل إنه كان يفرح بلعبها ويضحك حتى تُرَى نواجِذه، فعنها ﵂ قالت: «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيّ ﷺ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، "فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ (٢) مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ (٣) إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي"» (٤).
وكان ﷺ دائمًا يحب أن يدخل الفرح والبهجة على قلبها، فيحملها على عاتقه لتشاهد الحبشة وهم يلعبون، فعنها قالت: «وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ» (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض ٣/ ١٥٦، رقم (٢٥٨١)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عَائِشَة رضي الله تعالى عنها ٤/ ١٨٩١، رقم (٢٤٤٢).
(٢) أي: يَتَغَيَّبْنَ منه ويدخلن من وراء السِّتْرِ. ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد ٤/ ٣١٥، وفتح الباري ١٠/ ٥٢٧.
(٣) أَي: يرسلهن وَاحِدَة بعد أخري. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٣٥٦، وفتح الباري ١/ ١٣١.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس ٨/ ٣١، رقم (٦١٣٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عَائِشَة رضي الله تعالى عنها ٤/ ١٨٩٠، رقم (٢٤٤٠).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب أصحاب الحراب في المسجد ١/ ٩٨، رقم (٤٥٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة العدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في =
[ ٣٣ ]
وكان ﷺ من شدة حبه لها ينزل إلى رغباتها ويشاركها في لعبها، فعنها ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيّ ﷺ فِي سَفَرٍ، قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ (١) سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: "هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ"» (٢).
وكان النَّبِيّ ﷺ إذا افتقدها قال: «وَاعَرُوْسَاهُ» (٣).
وقد وجعت يومًا فقالت: "وارأساه" فقال النَّبِيّ ﷺ: «بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ» (٤)، قال بدر الدين الزركشي (٥) ﵀: "فيه إشارة للغاية في الموافقة حتى تألم بألمها فكأنه
_________________
(١) = أيام العيد ٢/ ٦٠٩، رقم (٨٩٢).
(٢) أَي: سَمِنْتُ وبَدنْتُ. ينظر: تهذيب اللغة ١٤/ ١٠٢، ولسان العرب ١٣/ ٤٨.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب في السبق على الرجل ٣/ ٢٩، رقم (٢٥٧٨)، والنسائي في الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب مسابقة الرجل زوجته ٨/ ١٧٧، رقم (٨٨٩٣)، و٨/ ١٧٨، رقم (٨٨٩٥)، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء ١/ ٦٣٦، رقم (١٩٧٩)، وأحمد ٤٠/ ١٤٤، رقم (٢٤١١٨)، وابن حبان في صحيحه ١٠/ ٥٤٥، رقم (٤٦٩١)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٣/ ٤٧، رقم (١٢٥)، والحديث صححه العراقي في تخريج الإحياء ص (٤٨٢)، وابن الملقن في البدر المنير ٩/ ٤٢٤، والألباني في إرواء الغليل ٥/ ٣٢٧، رقم (١٥٠٢).
(٤) أخرجه أحمد ٤٣/ ٢١٦، رقم (٢٦١١٢) من حديث عَائِشَة ﵂، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٢٢٨: "رواه أحمد، وفيه أبو شداد ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح"، والحديث ضعفه محققو المسند ٤٣/ ٢١٦ (طبعة الرسالة).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف ٩/ ٨٠، رقم (٧٢١٧) من حديث عَائِشَة ﵂.
(٦) هو: محمد بن بهادر بن عبد الله، بدر الدين، الزركشي، فقيه شافعي أصولي، تركي الأصل، مصري المولد والوفاة، له تصانيف كثيرة في عدة فنون، من تصانيفه: (البحر المحيط)، و(إعلام الساجد بأحكام المساجد)؛ مات سنة (٧٩٤هـ).
[ ٣٤ ]
أخبرها بصدق محبته حتى واساها في الألم" (١).
وكان ﷺ متمسكًا بحبها حتى فارق الدنيا، ويدل على ذلك اختياره ﷺ أن يمرض في بيتها، ووفاته بين سحرها ونحرها، ودفنه في بيتها.
_________________
(١) = ينظر في ترجمته: طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة ٣/ ١٦٧، والدرر الكامنة ٥/ ١٣٣، وشذرات الذهب ٦/ ٣٣٥.
(٢) الإجابة لإيراد ما استدركته عَائِشَة على الصحابة ص (٥٣).
[ ٣٥ ]