الفضائل التي انفردتْ بِها ﵂
انفردت عَائِشَة ﵂ بجملة من المناقب والفضائل التي ذكرتها كتب السنة وهي كثيرة جدًا، منها:
أولًا: أنَّها من أفضل النساء، كما في حديث أنس بن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فَضْلُ عَائِشَة عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ (١) عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» (٢)، وحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَة عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» (٣).
ثانيًا: أنها كانت أحب الأزواج إلى النَّبِيّ ﷺ، ويدل على ذلك دلالة واضحة، حديث عمرو بن العاص ﵁ حينما سأل النَّبِيّ ﷺ فقال: «أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَة"، قَالَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا"» (٤)، والنصوص التي
_________________
(١) الثَّرِيدُ: فتّ الخبز وبله بالمرق جمهرة اللغة ١/ ٤١٩، والنهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٢٠٩، ولسان العرب ٣/ ١٠٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب فضل عَائِشَة ﵂ ٥/ ٢٩، رقم (٣٧٧٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب في فضل عَائِشَة رضي الله تعالى عنها ٤/ ١٨٩٥، رقم (٢٤٤٦).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب فضل عَائِشَة ﵂ ٥/ ٢٩، رقم (٣٧٦٩)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب فضائل خديجة أُمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها ٤/ ١٨٨٦، رقم (٢٤٣١).
(٤) سبق تخريجه.
[ ٨٧ ]
تدل على محبة النَّبِيّ صلى الله عيه وسلم لعَائِشَة ﵂ كثيرة، قد سبق ذكر بعضها في المبحث الرابع: «مكانتها عند النَّبِيّ ﷺ وحبه لها».
ثالثًا: أنَّ أباها كان أحبُّ الرجال إلي النَّبِيّ ﷺ، وأعزهم عليه، ويدل لذلك حديث عمرو بن العاص السابق، وكان أبوها أيضًا أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ، فعن ابن عمر ﵄، قال: «كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيّ ﷺ فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵃» (١)، وفي رواية: «كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: "أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيّ ﷺ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ﵃ أَجْمَعِينَ"» (٢).
وقد أجمع الصحابة ﵃ ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة والناس بعد النَّبِيّ ﷺ، أبو بكر (٣)، قال الشافعي ﵀: "أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثم عمر " (٤).
وقد نقل الإجماع على أن أفضل الناس بعد النَّبِيّ هو أبو بكر الصديق جماعة
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب فضل أبي بكر بعد النَّبِيّ ﷺ ٥/ ٤، رقم (٣٦٥٥).
(٢) أخرج هذه الرواية أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في التفضيل ٤/ ٢٠٦، رقم (٤٦٢٨)، والترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁ ٥/ ٦٢٩، رقم (٣٧٠٧)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، يستغرب من حديث عبيد الله بن عمر، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن ابن عمر"، وصحح هذه الرواية الألباني في مشكاة المصابيح ٣/ ١٦٩٨ رقم (٦٠٢٥).
(٣) ينظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/ ٣١٢، وأصول الدين للغزنوي ص (٣٠٤)، والفرق بين الفرق ص/٣٥٩، وتاريخ الخلفاء ص (٣٨).
(٤) الاعتقاد للبيهقي ص (٣٦٩).
[ ٨٨ ]
من أهل العلم منهم: الإمام الشافعي (١)، وأبو طالب العشاري (٢)، والنووي (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والبيهقي (٥)، وابن حجر (٦) ﵏ جميعًا.
رابعًا: أن النَّبِيّ ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها، فعنها ﵂ قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وَفِيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرةً لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أَيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: "فِي الَّذِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا" تَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا» (٧).
وقالت أيضًا في حديث طويل: «أُعْطِيتُ تِسْعًا مَا أُعْطِيَتْهَا امْرَأَةٌ إِلا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ»، وفيه: «وَلَقَدْ تَزَوَّجَنِي بِكْرًا وَمَا تَزَوَّجَ بِكْرًا غَيْرِي» (٨)، وفي رواية: «فِيَّ سَبْعُ
_________________
(١) المصدر السابق ص (٣٦٩).
(٢) فضائل أبي بكر الصديق ص (٣٦). وأبو طالب العشاري: هو محمد بن علي بن الفتح ابن العشاري، ولد سنة (٣٦٦هـ)، وهو فقيه حنبلي، كان خيّرا، عالمًا، زاهدًا، من تصانيفه: (فضائل أبي بكر الصديق)، مات سنة (٤٥١هـ). ينظر في ترجمته: طبقات الحنابلة" ٢/ ١٩١ - ١٩٤، والمنتظم ١٦/ ٥٩، والكامل في التاريخ ٨/ ١٦٧، وتاريخ الإسلام ٣٠/ ٣١٦، والبداية والنهاية ١٥/ ٧٧٥.
(٣) شرح النووي على مسلم ١٥/ ١٤٨.
(٤) منهاج السنة النبوية ٨/ ٢٢٥.
(٥) الاعتقاد ص (٣٦٩).
(٦) فتح الباري ٧/ ١٧.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب نكاح الأبكار ٧/ ٥، رقم (٥٠٧٧).
(٨) أخرجه أبو يعلى في مسنده ٨/ ٩٠، رقم (٤٦٢٦)، والآجري في الشريعة ٥/ ٢٣٦٦، رقم (١٨٤٧)، والحديث بطوله: «لَقَدْ أُعْطِيتُ تِسْعًا مَا أُعْطِيَتْهَا امْرَأَةٌ إِلا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ: لَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِصُورَتِي فِي رَاحَتِهِ حَتَّى أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي، وَلَقَدْ تَزَوَّجَنِي بِكْرًا وَمَا تَزَوَّجَ بِكْرًا غَيْرِي، وَلَقَدْ قُبِضَ وَرَأْسُهُ لَفِي حِجْرِي، وَلَقَدْ قَبَّرْتُهُ فِي بَيْتِي، وَلَقَدْ حَفَّتِ الْمَلائِكَةُ بَيْتِي، وَإِنْ كَانَ الْوَحْيُ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي أَهْلِهِ فَيَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَأَنِّي لَمَعَهُ فِي لِحَافِهِ، وَإِنِّي لابْنَةُ خَلِيفَتِهِ وَصَدِيقِهِ، وَلَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّمَاءِ، وَلَقَدْ خُلِقْتُ طَيِّبَةً وَعِنْدَ طَيِّبٍ، =
[ ٨٩ ]
خِصَالٍ لَيْسَتْ فِي أَحَدٍ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيّ ﷺ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيّ ﷺ بِكْرًا، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ بِكْرًا غَيْرِي» (١).
خامسًا: نزول براءتها من السماء بما نسبه إليها أهل الإفك في ست عشرة آية متوالية، وَجَعْلُه قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، وشهد الله لها بأنها من الطيبات، ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢).
سادسًا: لم ينزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجًا وللمسلمين بركة، ومن ذلك: حادثة الإفك السابقة، فإنها قد عادت عليها وعلى المسلمين، بالخيرات والبركات، كما أثبت ذلك الله ﷾ في كتابه، حيث قال: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣).
_________________
(١) = وَلَقَدْ وُعِدْتُ مَغْفِرَةً وَرِزْقًا كَرِيمًا». والحديث ضعيف؛ لأن في سنده: علي بن زيد بن جدعان، وهو: ضعيف، وفيه أيضًا جدة علي، وهي: مجهولة لا تعرف. ينظر: علل الدارقطني ١٥/ ١٦٥،١٦٦، والحديث قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/ ١٤١: "إسناده جيد، وله طريق آخر".
(٢) هذه الرواية أخرجها أبو حنيفة في مسنده ص (١١٦)، وأبو يوسف في الآثار ص (٢٠٩)، رقم (٩٣٢)، يلحق بالحكم الحديث السابق.
(٣) سورة النور، الآيات:١١ - ٢٦.
(٤) سورة النور، الآية:١١.
[ ٩٠ ]
وأيضًا مما أُنزل بسببها وبركتها، آية التيمم التي كانت رحمة ورخصة للمؤمنين، فعنها ﵂: «أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً (١) فَهَلَكَتْ (٢)، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيّ ﷺ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ، إِلا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا، وَجُعِلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةٌ» (٣).
سابعًا: أن المَلَكُ جاء بصورتها إلى رسول الله ﷺ في سَرَقَةٍ من حرير، فعنها ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «رَأَيْتُكِ فِي المَنَامِ يَجِيءُ بِكِ المَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ» (٤).
وفي رواية: «أَنَّ جِبْرِيلَ، جَاءَ بِصُورَتِهَا فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: "هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ"» (٥).
_________________
(١) القِلادَة: ما جُعل في العنق من الحلي. ينظر: الصحاح ٢/ ٥٢٧، ولسان العرب ٣/ ٣٦٦، والمعجم الوسيط ٢/ ٧٥٤.
(٢) أي: ضاعت. ينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين ٤/ ٢٥١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب فضل عَائِشَة ﵂ ٥/ ٢٩، رقم (٣٧٧٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب التيمم ١/ ٢٧٩، رقم (٣٦٧).
(٤) سبق تخريجه ص (١١).
(٥) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده ٣/ ٦٤٩ رقم (١٢٣٧)، والترمذي، أبواب المناقب، باب من فضل عَائِشَة ﵂ ٥/ ٧٠٤، رقم (٣٨٨٠)، والبزار في مسنده ١٨/ ٢٢٠ رقم (٢٢٦)، وابن الأعرابي في معجمه ٣/ ١٠٢٤ رقم (٢١٣٨)، وابن حبان في صحيحه ١٦/ ٦ رقم (٧٠٩٤)، والآجري في الشريعة ٥/ ٢٣٩٦ رقم (١٨٧٦)، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح ٣/ ١٧٤٥ رقم (٦١٩١).
[ ٩١ ]
ثامنًا: اختياره ﷺ أن يمرض في دارها، ووفاته في بيتها، بين سحرها ونحرها، واجتماع ريقه وريقها في آخر ساعة له من الدنيا، ودفنه في بيتها، فعنها ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، يَقُولُ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا؟، أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ " يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَة، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَة حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا، قَالَتْ عَائِشَة: فَمَاتَ فِي اليَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ، فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللَّهُ وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي (١) وَسَحْرِي (٢)، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي، ثُمَّ قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَضِمْتُهُ (٣)، ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي» (٤).
تاسعًا: لم يكن ينزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها، فقد قال ﷺ: «لاَ تُؤْذِينِي فِي عَائِشَة، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا»، وفي رواية: «فَإِنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ، إِلا
_________________
(١) النَّحْر: أَعلَى الصَّدْر. ينظر: الصحاح ٢/ ٨٢٤، ومشارق الأنوار ٢/ ٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٥/ ٢٧.
(٢) السَّحْرُ: الرِّئَةُ وما تعلق بهَا، والمعنى: أنه مات وهو مستند إلى صدرها وما يحاذى سحرها منه. ينظر: غريب الحديث للخطابي ١/ ٣٩٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٣٤٦، والقاموس المحيط ص (٤٠٥).
(٣) أَي: مَضَغَتْه بأَسنانها ولَيَّنَتْه. ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ١٨٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ٧٨، ولسان العرب ١٢/ ٤٨٧ ..
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النَّبِيّ ﷺ ووفاته ٦/ ١٣، رقم (٤٤٥١)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب في فضل عَائِشَة رضي الله تعالى عنها٤/ ١٨٩٣، رقم (٢٤٤٣).
[ ٩٢ ]
عَائِشَة» (١).
عاشرًا: أنَّ جبريل أرسلَ لها السَّلامَ مع رسول الله ﷺ، فعنها ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ يومًا: «"يَا عَائِشَ (٢)، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلاَمَ"، فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لاَ أَرَى تُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -» (٣).
الحادي عشر: "أنها أول من بدأها النَّبِيّ ﷺ بالتخيير عند نزول آية التخيير وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا - وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤).
وقَرَنَ ذلك بموافقة أبويها فاختارت رسول الله ﷺ قبل أن تستشيرهما فاستن بها بقية أمهات المؤمنين ﵅، فعن عَائِشَة ﵂ قالت: «لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ، بَدَأَ بِي، فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي (٥) أَبَوَيْكِ"، قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ ﷿ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) عَائِشَ: منادى مرخم ويجوز فتح الشين وضمها. ينظر: فتح الباري ٧/ ١٠٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب فضل عَائِشَة ﵂ ٥/ ٢٩، رقم (٣٧٦٨)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب في فضل عَائِشَة رضي الله تعالى عنها ٤/ ١٨٩٦، رقم (٢٤٤٧).
(٤) سورة الأحزاب، الآيتان:٢٨،٢٩.
(٥) الاسْتِئْمَارُ: الْمُشَاورَة فِي فعل الشَّيْء أَو تَركه. ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٦٦، ولسان العرب ٤/ ٣٠.
[ ٩٣ ]
الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا - وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) "، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ» (٢) " (٣).
الثاني عشر: كان لها يومان وليلتان في القسم دون غيرها من أمهات المؤمنين، وذلك لما وهبتها سودة يومها وليلتها، فعن عَائِشَة ﵂: «أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لعَائِشَة، وَكَانَ النَّبِيّ ﷺ يَقْسِمُ لعَائِشَة بِيَوْمِهَا وَيَوْمِ سَوْدَةَ» (٤).
الثالث عشر: أنَّها كانت من أعلم وأفقه نساء هذه الأمة، ولم تكن هنالك امرأة أكثر حديثًا منها فيما روته عن النَّبِيّ ﷺ، قال الزهري ﵀: «لَوْ جُمِعَ عِلْمُ عَائِشَة إِلَى عِلْمِ جَمِيْعِ النِّسَاءِ، لَكَانَ عِلْمُ عَائِشَة أَفْضَلَ»، وفي رواية: «لَوْ جُمِعَ عِلْمُ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ فِيهِنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيّ ﷺ كَانَ عَلِمُ عَائِشَة
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآيتان:٢٨،٢٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ ٦/ ١١٧، رقم (٤٧٨٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية ٢/ ١١٠٣، رقم (١٤٧٥).
(٣) شذى الياسمين في فضائل أمهات المؤمنين ص (٣١)، وينظر: حبيبة الحبيب أُمّ المؤمنين عَائِشَة ص (١٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها، وكيف يقسم ذلك ٧/ ٣٣، رقم (٥٢١٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها ٢/ ١٠٨٥، رقم (١٤٦٣).
[ ٩٤ ]
أَكْثَرَ مِنْ عِلْمِهِنَّ» (١).
وعن محمود بن لبيد قال: «كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيّ ﷺ يَحْفَظْنَ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيّ ﷺ كَثِيرًا وَلا مِثْلًا لعَائِشَة وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ عَائِشَة تُفْتِي فِي عَهْدِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ إِلَى أَنْ مَاتَتْ، يَرْحَمُهَا اللَّهُ، وَكَانَ الأكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَرُ وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ يُرْسِلانِ إِلَيْهَا فَيَسْأَلانِهَا عَنِ السُّنَنِ» (٢).
وختامًا لهذه الفضائل، أسوق بعض الأبيات التي تذكر بعضًا من فضائل عَائِشَة ﵂:
يقول القحطاني ﵀ في نونيته:
أكرِم بِعائِشَةَ الرِضى مِن حُرَّةٍ بِكرٍ مُطَهَّرَةِ الإزارِ حَصَانِ
هيَ زَوجُ خَيرِ الأَنبياءِ وَبِكرُهُ وَعَروسُهُ من جُملَةِ النِسوانِ
هي عِرسُهُ هيَ أُنسه هيَ إِلفُهُ هيَ حِبُّهُ صِدقًا بِلا أَدهانِ
أَوَلَيسَ والِدُها يُصافي بَعلَها وَهُما بِروحِ اللَهِ مُؤتَلِفانِ (٣)
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) القصيدة النونية للقحطاني ص (٢٧).
[ ٩٥ ]