وفاتها ﵂
توفيت أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ بالمدينة النبويَّة، ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان من السنة السابعة أو الثامنة أو التاسعة والخمسين للهجرة، في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵁ (١).
وقد زارها بعض الصحابة في مرض موتها، فعن ابن أبي مليكة (٢): أن ابن عباس استأذن عليها وهي مغلوبة (٣)، فقالت: أخشى أن يثني عليَّ، فقيل: ابن عم رسول الله ﵌، ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير إن اتقيت، قال: فأنت بخير إن شاء الله، زوجة رسول الله ﵌، ولم يتزوج بِكرًا غيرك، ونزل عذرك من السماء، فلما جاء ابن الزبير قالت: جاء ابن عباس، وأثنى علي، ووددت أني كنت نسيًا منسيًا (٤).
وعند وفاتها حزن عليها أهل المدينة حزنًا شديدًا، ولما سمعت أم سلمة ﵂ الصرخة على عَائِشَة أرسلت جاريتها: انظري ماذا صنعت؟ فجاءت فقالت: قد
_________________
(١) ينظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٦٢، والاستيعاب ٤/ ١٨٨٥، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم ٥/ ٣٠٣، وأسد الغابة ٧/ ١٨٦، والبداية والنهاية ٨/ ١٠١، والوافي بالوفيات ١٦/ ٣٤٣، والإصابة ٨/ ٣٤٤.
(٢) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة أبو بكر القرشي التيمي الأحول، أحد التابعين، وكان قاضيًا على عهد ابن الزبير، وكان من كبار أصحاب ابن عباس، مات بمكة سنة (١١٧هـ). ينظر في ترجمته: المعارف ١/ ٤٧٥، والمنتظم ٧/ ١٨٠، والكامل في التاريخ ٤/ ٢٢٨.
(٣) أي: قد غلبها المرض فأضعفها عن التصرف. ينظر: كشف المشكل من حديث الصحيحين ٢/ ٣٨٧، وعمدة القاري ١٩/ ٨٧.
(٤) سبق تخريجه.
[ ٤٥ ]
قضت (١)، فقالت: «يَرْحَمُهَا اللهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ كُلِّهِمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا أَبُوهَا» (٢)، وفي رواية: «أَذْهَبَ عَنْكِ يَا عَائِشَةُ، فَمَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكِ، - ثُمَّ قَالَتْ -: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، غَيْرَ أَبِيهَا» (٣).
وقال مسروق (٤) ﵀: "لولا بعض الأمر لأقمت المناحة على أُمّ المؤمنين" (٥).
وقد صلى عليها أبو هريرة ﵁ وسط مقابر البقيع وكان يومئذٍ خليفة مروان بن الحكم أمير المدينة حينئذٍ من جهة معاوية؛ لأنه حج فاستخلف
_________________
(١) أي: قضت أجلها، ومنه قوله تعالى: ﴿؟؟؟؟﴾ [الأحزاب:٢٣] أي: قضى أجله، وقضي في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه والانفصال منه. ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/ ٢٢٢، وتفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٣٠٢، ومشارق الأنوار ٢/ ١٨٩، ولسان العرب ٧/ ٢٢٣.
(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده ٣/ ١٨٥، رقم (١٧١٨)، ومن طريقه أبو نعيم في حلية الأولياء ٢/ ٤٤، والحديث في سنده زمعة بن صالح، روى له مسلم في المتابعات، وهو ضعيف. ينظر: الكاشف ١/ ٤٠٦، وتقريب التهذيب ص (٢١٧). وقال الألباني عن هذا الحديث في السلسلة الضعيفة ٣/ ٢٥٥: "وهذا الإسناد لا بأس به في الشواهد".
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ٢/ ٥٧٨، رقم (١٢٣٤)، والحديث في سنده يعقوب بن حميد، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب ص (٦٠٧): "صدوق ربما وهم".
(٤) هو: مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عَائِشَة: تابعي ثقة، من أهل اليمن. قدم المدينة في أيام أبى بكر. وسكن الكوفة. وشهد حروب على. وكان عالمًا بالفتيا، مات سنة (٦٢هـ). ينظر في ترجمته: المنتظم ٦/ ١٩، وتاريخ ابن أبي خيثمة ٣/ ١١٠، وتاريخ بغداد ١٥/ ٣١١، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٢٤.
(٥) الطبقات الكبرى ٨/ ٦٢، وتاريخ ابن أبي خيثمة ٣/ ١٣٠، وتاريخ الإسلام ٤/ ٢٥٠.
[ ٤٦ ]
أبا هريرة، ﵁ (١).
ودفنت ﵂ ليلًا بعد الوتر، وكان الليل مظلمًا فلم يجد المشيعون بُدًّا من أن يحملوا فيه خِرَقًَا (٢) غمسوها في زيت وأشعلوا فيها النار لتضئ لهم الطريق إلى المقابر، وازدحم الناس وتجمعوا حول النعش (٣)، ولم تُرَ ليلة أكثر ناسًا منها، ونزل أهل العوالي (٤) إلى المدينة (٥).
ونزل في قبرها خمسة من آل الصديق: عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام من أختها أسماء بنت أبي بكر، والقاسم، وعبد الله ابنا أخيها محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان عمرها يومئذ سبعًا وستين سنة، ودفنت بالبقيع (٦)، ﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ينظر: المستدرك ٤/ ٥، وتاريخ الإسلام ٤/ ١٦٤.
(٢) الخِرَقُ: جمع خِرْقَة، وهي الْقطعَة من الثَّوْب الممزق. ينظر: جمهرة اللغة ١/ ٥٩٠، والصحاح ٤/ ١٤٦٨.
(٣) النَعْشُ: سرير الميِّت. ينظر: الصحاح ٣/ ١٠٢٢، ولسان العرب ٦/ ٣٥٥.
(٤) العوالي: جمع عالية وهي كل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمائرها، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية أميال. ينظر: مشارق الأنوار ٢/ ١٠٨، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٢٩٥، والمغرب في ترتيب المعرب ص (٣٢٧).
(٥) ينظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٦١، وتاريخ الطبري ١١/ ٦٠٢، والمستدرك ٤/ ٥.
(٦) الطبقات الكبرى ٨/ ٦٢،٦٤،٧٦، وتاريخ ابن أبي خيثمة ٢/ ٥٨، والاستيعاب في معرفة الأصحاب ٤/ ١٨٨٥، وأسد الغابة ٧/ ١٨٦، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم ٥/ ٣٠٣، وتاريخ الإسلام ٤/ ٢٤٩، والبداية والنهاية ٨/ ١٠١، والإصابة ٨/ ٢٠.
[ ٤٧ ]