أقوال العلماء في مكانتها العِلمِيَّة
"تَبوَّأتْ أُمُّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ مكانةً علميةً رفيعةً، جعلتها عالمة من علماء عصرها، والمرجع العلمي الأصيل الذي يرجعون إليه فيما يغمض عليهم أو يستشكل أمامهم من مسائل في القرآن والحديث والفقه، فيجدون الجواب الشافي لجميع تساؤلاتهم واستفساراتهم" (١).
فكان الأكابر من الصحابة إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها، فيجدون علمه عندها، قال أبو موسى الأشعري ﵁: «مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَة إِلا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا» (٢).
وقال مسروق ﵀: «لَقَدْ رَأَيْتُ الأكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ» (٣).
وروى هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلا بِسُنَّةٍ
_________________
(١) السيدة عَائِشَة وتوثيقها للسنة ص (٤٠).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب من فضل عَائِشَة ﵂ ٥/ ٧٠٥، رقم (٣٨٨٣)، وقال: "حديث حسن صحيح غريب"، وقال الألباني في مشكاة المصابيح ٣/ ١٧٤٦: "صحيح".
(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد ١/ ٣٨٢، رقم (١٠٧٩)، وسعيد بن منصور في سننه ١/ ١١٨، رقم (٢٨٧)، وابن أبي شيبة في مصنفه ٦/ ٢٣٩، رقم (٣١٠٣٧)، والدارمي في سننه ٤/ ١٨٨٩، رقم (٢٩٠١)، والآجري في الشريعة ٥/ ٢٤١٠، رقم (١٨٩٥)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٣/ ١٨١، رقم (٢٩١)، والحاكم في المستدرك ٤/ ١٢، رقم (٦٧٣٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٢٤٢: "إسناده حسن"، قال حسين سليم أسد في تعليقاته على الدارمي: "إسناده صحيح".
[ ٦٥ ]
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلا بِشِعْرٍ، وَلا فَرِيضَةٍ مِنْ عَائِشَة ﵂» (١).
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن (٢): «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ- وَلا أَفْقَهَ فِي رَأْيٍ إِنِ احْتِيجَ إِلَى رَأْيِهِ، وَلا أَعْلَمَ بِآيَةٍ فِيمَا نَزَلَتْ، وَلا فَرِيضَةٍ مِنْ عَائِشَة» (٣).
وقال الزهري (٤) ﵀: «لَوْ جُمِعَ عِلْمُ عَائِشَة إِلَى عِلْمِ جَمِيْعِ النِّسَاءِ، لَكَانَ عِلْمُ عَائِشَة أَفْضَلَ»، وفي رواية: «لَوْ جُمِعَ عِلْمُ نِسَاءِ هَذِهِ الأمَّةِ فِيهِنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيّ ﷺ كَانَ عَلِمُ عَائِشَة أَكْثَرَ مِنْ عِلْمِهِنَّ» (٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٥/ ٢٧٦، رقم (٢٦٠٤٨)، وفي الأدب ص (٣٦٥)، رقم (٣٩٥)، وإسناده صحيح.
(٢) هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وهو مشهور بكنيته، وكان إمامًا حجة عالمًا، مات سنة (٩٤هـ)، وقيل: (١٠٤هـ). ينظر في ترجمته: الطبقات الكبرى ٥/ ١١٨، وتاريخ ابن أبي خيثمة ٢/ ١٣٦، ومشاهير علماء الأمصار ص (١٠٦).
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٢٨٦، والحديث ضعيف؛ لأن في سنده موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، قال عنه الذهبي في الكاشف ٢/ ٣٠٨: "ضعيف"، وقال ابن حجر في تقريب التهذيب ص (٥٥٣): "منكر الحديث".
(٤) هو: محمد بن مسلم بن عبد الله بن شِهَاب الزهري، من التابعين، وهو أحد أكابر الحفاظ والفقهاء، من أهل المدينة، وكان يحفظ ألفين ومائتي حديث، مات سنة (١٢٤هـ). ينظر في ترجمته: التاريخ الكبير ١/ ٢٢٠، وتاريخ ابن أبي خيثمة ١/ ١٢٦، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦.
(٥) أخرجه الخلال في السنة ٢/ ٤٧٦، رقم (٧٥٣)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٣/ ١٨٤، رقم (٢٩٩)، والحاكم في المستدرك ٤/ ١٢، رقم (٦٧٣٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٢٤٣: "رواه الطبراني مرسلًا، ورجاله ثقات".
[ ٦٦ ]
وعن محمود بن لبيد (١) قال: «كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيّ ﷺ يَحْفَظْنَ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيّ ﷺ كَثِيرًا وَلا مِثْلًا لعَائِشَة وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ عَائِشَة تُفْتِي فِي عَهْدِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ إِلَى أَنْ مَاتَتْ، يَرْحَمُهَا اللَّهُ، وَكَانَ الأكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَرُ وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ يُرْسِلانِ إِلَيْهَا فَيَسْأَلانِهَا عَنِ السُّنَنِ» (٢).
وعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال: «كَانَتْ عَائِشَة قَدِ اسْتَقَلَّتْ بِالْفَتْوَى فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى أَنْ مَاتَتْ يَرْحَمُهَا اللَّهُ، وَكُنْتُ مُلازِمًا لَهَا مَعَ بِرِّهَا بِي» (٣).
قال ابن كثير ﵀: "وقد تفردت أُمّ المؤمنين عَائِشَة بمسائل عن الصحابة لم توجد إلا عندها، وانفردت باختيارات أيضًا وردت أخبار بخلافها بنوع من التأويل" (٤).
_________________
(١) هو: محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأنصاري أبو نعيم الأنصاري، الأشهلي، ولد في حياة النَّبِيّ ﷺ، وروى عنه أحاديث يرسلها، مات سنة (٩٦هـ). ينظر في ترجمته: الطبقات الكبرى ٥/ ٥٧، ومعرفة الصحابة ٥/ ٢٥٢٤، والاستيعاب ٣/ ١٣٧٨، والإصابة ٦/ ٣٥.
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٢٨٦، والحديث في سنده موسى بن محمد بن إبراهيم، وسبق بيان ضعفه.
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٢٨٦، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٤٩/ ١٦٥، والحديث حسن؛ لأن في سنده عبد الله بن عمر بن حفص العمري، وهو مختلف في حاله. ينظر: الكامل ٥/ ٢٣٣، والكاشف ١/ ٥٧٦.
(٤) البداية والنهاية ٨/ ٩٢.
[ ٦٧ ]