علمها بالسُّنَّة النَّبوِيَّة
"قَامتْ أُمُّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ بدور كبير في رواية السنة النبوية وفي توثيقها، وتعتبر رائدة في هذا المجال؛ لقربها من النَّبِيّ ﷺ، فقد كانت الزوجة الشديدة اللصوق به، تسمع منه مالا يسمعه غيره، وترى من أحواله ما لا يراه غيرها، وتفهم عنه، وتسأله عما يغمض عليها، فوعت عن رسول الله ﷺ أكثر من ألف حديث شريف، روتها عنه بكل دقة وضبط وإتقان؛ ولذلك جاءت روايتها للسنة النبوية المطهرة متميزة؛ لإتيانها على السماع والقرب من رسول الله ﷺ، ونشأتها وترعرعها في بيت النبوة، وتحت توجيهه ﷺ (١).
فعن محمود بن لبيد قال: «كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيّ ﷺ يَحْفَظْنَ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيّ ﷺ كَثِيرًا وَلا مِثْلًا لعَائِشَة وَأُمِّ سَلَمَةَ» (٢).
فقد بلغت مرويات عَائِشَة ﵂ عن رسول ﷺ (٢٢١٠) حديثًا منها (١٧٤) حديثًا متفق عليها عند الشيخين، وانفرد البخاري بـ (٥٤) حديثًا ومسلم بـ (٦٩) حديثًا، والباقي في الصحاح والسنن والمعاجم، والمسانيد، وقد عَدَّها ابن حزم في المرتبة الرابعة من بين الصحابة المكثرين للرواية (٣) " (٤).
_________________
(١) ينظر: السيدة عَائِشَة وتوثيقها للسنة. ص (٣ - ٤) بتصرف.
(٢) سبق تخريجه ص (٣٥).
(٣) جوامع السيرة ص (٣١٩).
(٤) مرويات أُمّ المؤمنين عَائِشَة في التفسير ص (٩،١٠).
[ ٧١ ]
وذكرها السيوطي (١) من السبعة المكثرين في الرواية، فقال:
وَالْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأَثَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ
وَأَنَسٌ وَالْبَحْرُ كَالْخُدْرِيِّ وَجَابِرٌ وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ (٢)
فقوله: (وزوجة النَّبِيّ) يقصد بها عائشة ﵂.
وقال الحافظ أبو حفص الْمَيَانِشِيُّ (٣) ﵀ في كتابه 'إيضاح ما لا يسع المحدث جهله': "اشتمل كتاب البخاري ومسلم على ألف حديث ومائتي حديث من الأحكام فروت عَائِشَة من جملة الكتابين مائتين ونيفًا وتسعين حديثًا لم يخرج عن الأحكام منها إلا اليسير" (٤).
وقال أيضًا: "وروينا بسندنا عن بَقِيّ بن مَخْلَد ﵁ أنَّ عَائِشَة روت ألفين ومائتي حديث وعشرة أحاديث، والذين رووا ألوف عن رسول الله أربعة: أبو هريرة،
_________________
(١) هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري جلال الدين السُّيُوطي، كان عالمًا بالقرآن وعلومه، والحديث وعلومه، والتاريخ وأيامه، صنف المصنفات الكثيرة في شتى الفنون، مات سنة (٩١١هـ). ينظر في ترجمته: شذرات الذهب ١٠/ ٧٤، والأعلام ٣/ ٣٠١.
(٢) ألفية السيوطي في علم الحديث ص (١٠٨).
(٣) هو: عمر بن عبد المجيد بن عمر بن حسين القرشي، أبو حفص الميانشي: شيخ الحرم بمكة، انتقل إليها من بلده (ميانش) بإفريقية، وحدث بمصر في طريقه إلى مكة، ومن تآليفه: (مالا يسع المحدث جهله)، مات سنة (٥٨١هـ). ينظر في ترجمته: التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة ٢/ ٣٤٨، وشذرات الذهب ٦/ ٤٤٧، والأعلام ٥/ ٥٣.
(٤) الإجابة ص (٣٩).
[ ٧٢ ]
وعبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، وعَائِشَة ﵃" (١).
قال ابن كثير ﵀ وهو يتحدث عن عَائِشَة ﵂: "ولم ترو امرأة ولا رجل غير أبي هريرة عن رسول الله ﷺ من الأحاديث بقدر روايتها ﵂" (٢).
_________________
(١) الإجابة ص (٣٩).
(٢) البداية والنهاية ٨/ ٩٩.
[ ٧٣ ]