قولهم: إِنَّ عَائِشَة اتَّهمتْ مارية القبطية بالزِّنا فنزلتْ فيها آية الإفك
والرَّافِضَة لهم في تقرير هذه الشُّبْهَة عدة مسالك:
المسلك الأول: التشكيك في قصة الإفك، وإنكار براءة عَائِشَة ﵂:
"وقد أنكر جَمعٌ من الشيعة ذلك زاعمين أنّ هذا من قول العامّة - يعنون أهل السنة - إذ رواية أهل السنةّ عندهم مردودة بالإجماع، بل إنّهم يرون أيضًا أن الخبر إذا جاء متناقضًا عن واحدٍ من أئمّتهم من طريقين، وافق أحدهما مذهب أهل السنّة: يُترك الخبر الموافق لمذهب أهل السنّة لاحتمال خروجه على التقية (١)، وعلى هذا: فقد أنكر جمعٌ من الشيعة - كما تقدّم - نزول آيات سورة النّور في تبرئة عَائِشَة؛ لأنّ ذلك من قول أهل السنّة.
أما هم: فيرون أنّ هذه الآيات نزلت في براءة مارية القبطية ممّا رمته بها عَائِشَة ﵂؛ كما تقدّمت مزاعمهم في هذا.
وقد حاول بعض الشيعة المعاصرين التشكيك في قصّة الإفك، ومن هؤلاء المشككين: جعفر مرتضى الحسينيّ صاحب كتاب 'حديث الإفك'، والذي ألّف كتابه هذا بغرض نَقْض حديث الإفك؛ فقد حاول من أوّل صفحات هذا الكتاب، إلى آخر صفحاته، ردّ حديث الإفك بشتى الوسائل والحجج؛ من طعنٍ في رواة أهل السنةّ، إلى زعمٍ بتناقض هذا الحديث واضطرابه، أو دعوى ضعف السند دون بيان سبب الضعف، أو غير ذلك من الافتراءات (٢).
_________________
(١) ينظر: الصراط المستقيم للبياضي ٣/ ١٥٧، ١٨٢.
(٢) ينظر: كتاب حديث الإفك لجعفر مرتضى الحسيني.
[ ١٢٣ ]
وممّن أنكر قصّة الإفك أيضًا هاشم معروف الحسيني في كتابه 'سيرة الأئمة الاثني عشر' (١)، وغيرهما.
والرد على هذه الفرية:
أنَّ إنكار الرَّافِضَة لبراءة عَائِشَة ﵂ والتشكيك في قصة الإفك يتعارض مع إقرار جمعٍ كبيرٍ من علمائهم، واعترافهم بأنّ اللَّه ﷾ قد برّأ عَائِشَة ﵂ ممّا نُسب إليها من الإفك، وبأنّ رسول الله ﷺ قد جلد من جاء به، واستشهدوا بقصّة الإفك على وجود العداوة بين عليّ ﵁ وعَائِشَة ﵂، وبأنهّا أي العداوة ظهرت منذ ذلك الحين (٢) " (٣).
بل إِنَّ بعضَ أئمتهم يؤكد أَنَّ براءة عَائِشَة ﵂ أمرٌ متواترٌ علم بالضرورة، وإنكاره إنكار للضروري.
فيقول ابن أبي الحديد (٤): "وقوم من الشيعة زعموا أن الآيات التي في سورة النور لم تنزل فيها وإنما أنزلت في مارية القبطية وما قذفت به مع الأسود القبطي، وجحدهم
_________________
(١) ١/ ٤٣٨.
(٢) ينظر: الجمل للمفيد (٢١٩)، وتلخيص الشافي للطوسي ص (٤٦٨)، ومناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ١/ ٢٠١، والصوارم المهرقة للتستري (١٠٥)، وإحقاق الحق له ص (٢٨٤)، والدرجات الرفيعة للشيرازي (٢٥)، والفصول المهمة للموسوي (١٥٦).
(٣) الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة على أُمّ المؤمنين عَائِشَة ص (١١٢ - ١١٤) بتصرف.
(٤) هو: عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد، أبو حامد، عز الدين، له علم بالأدب والشعر والتاريخ، وجمع بين الاعتزال والتشيع، قال عنه ابن كثير: "الكاتب الشاعر الْمُطَبِّقُ الشيعي الغالي"، من مصنفاته: (شرح نهج البلاغة)، مات سنة (٦٥٦هـ). ينظر في ترجمته: تاريخ الإسلام ٤٨/ ٢٠٢، والبداية والنهاية ١٣/ ٢٣٣، والوافي بالوفيات ١٨/ ٤٦.
[ ١٢٤ ]
لإنزال ذلك في عَائِشَة جحد لما يعلم ضرورة من الأخبار المتواترة" (١).
ونجد أيضًا أَنَّ ابن أبي الحديد نفسه في موضعٍ آخر يثبت براءة عَائِشَة ﵂ حيث يقول: "وقُذِفَتْ عَائِشَة في أيام رسول الله ﷺ بصفوان بن المعطل السلمي، والقصة مشهورة؛ فأنزل الله - تعالى - براءتها في قرآنٍ يُتْلَى وَيُنْقَل، وَجُلِدَ قاذفوها الحد" (٢).
المسلك الثاني: استغلال روايات ضعيفة منكرة وقعت في كتب أهل السنة:
ومن المعروف أنَّ من مسالك الرَّافِضَة في تقرير شبهاتهم وافتراءاتهم أنهم يعمدون إلى رواية ضعيفة منكرة أو موضوعة وردت في كتب أهل السنة، فيوردونها مؤكدين بها ما يقولونه، ثم يلزمون أهل السنة بها.
وفي هذه الفرية بالذات عمد بعضهم إلى روايةٍ ضعيفة جدًا، بل باطلة وردت في كتب أهل السنة، ويتصدر هذا التيار المدعو عبد الحسين الرافضي في كتابه 'المراجعات'.
وهذه هي الرواية التي يستندون إليها: فعن عَائِشَة ﵂ قالت: «أُهْدِيَتْ مَارِيَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهَا ابْنُ عَمٍّ لَهَا، قَالَتْ: فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَقْعَةً فَاسْتَمَرَّتْ حَامِلًا، قَالَتْ: فَعَزَلَهَا عِنْدَ ابْنِ عَمِّهَا، قَالَتْ: فَقَالَ أَهْلُ الإِفْكِ وَالزُّورِ: مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى الْوَلَدِ ادَّعَى وَلَدَ غَيْرِهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ قَلِيلَةَ اللَّبَنِ فَابْتَاعَتْ لَهُ ضَائِنَةَ لَبُونٍ فَكَانَ يُغَذَّى بِلَبَنِهَا، فَحَسُنَ عَلَيْهِ لَحْمُهُ، قَالَتْ عَائِشَة ﵂: فَدُخِلَ بِهِ عَلَى النَّبِيّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: كَيْفَ تَرَيْنَ؟ فَقُلْتُ: مَنْ غُذِّيَ بِلَحْمِ الضَّأْنِ يَحْسُنُ لَحْمُهُ، قَالَ: وَلاَ الشَّبَهُ قَالَتْ:
_________________
(١) شرح نهج البلاغة ١٤/ ٢٣.
(٢) المصدر نفسه ٩/ ١٩١.
[ ١٢٥ ]
فَحَمَلَنِي مَا يَحْمِلُ النِّسَاءَ مِنَ الْغَيْرَةِ أَنْ قُلْتُ: مَا أَرَى شَبَهًا، قَالَتْ: وَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَقَالَ لِعَلِيٍّ: خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَانْطَلِقْ فَاضْرِبْ عُنُقَ ابْنِ عَمِّ مَارِيَةَ حَيْثُ وَجَدْتَهُ، قَالَتْ: فَانْطَلَقَ فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ عَلَى نَخْلَةٍ يَخْتَرِفُ رُطَبًا قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَلِيٍّ وَمَعَهُ السَّيْفُ اسْتَقْبَلَتْهُ رِعْدَةٌ قَالَ: فَسَقَطَتِ الْخِرْقَةُ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ ﷿ لَهُ مَا لِلرِّجَالِ شَيْءٌ مَمْسُوحٌ» (١).
فنجد أَنَّ هذه الرواية قد استغلها عبد الحسين الشيعي في "مراجعاته" أسوأ استغلال، واتكأ عليها في اتهامه للسيدة عَائِشَة في خُلُقِها ودينها، فقال: "وحسبك مثالًا لهذا ما أيدته - نزولًا على حكم العاطفة - من إفك أهل الزور إذ قالوا - بهتانًا وعدوانًا - في السيدة مارية وولدها ﵇ ما قالوا، حتى برأهما الله ﷿ من ظلمهم براءة - على يد أمير المؤمنين - محسوسة ملموسة! ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ (٢)! " (٣).
وعلق على هذا بقوله:"من أراد تفصيل هذه المصيبة؛ فليراجع أحوال السيدة مارية ﵂ في (ص ٣٩) من الجزء الرابع من 'المستدرك' للحاكم، أو من 'تلخيصه' للذهبي"!.
يشير بذلك إلى هذا الحديث المنكر، وأنه لم يكتف في الاعتماد عليه - مع ضعفه الشديد - بل إنه زاد على ذلك أنه لم يسق لفظه؛ تدليسًا على الناس
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٤١، رقم (٦٨٢١)، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وقال الألباني في "الضعيفة" ١٠/ ٧٠٠: "ضعيف جدًا".
(٢) سورة الأحزاب، الآية:٢٥.
(٣) المرجعات ص (٢٤٧ - ٢٤٨).
[ ١٢٦ ]
وتضليلًا؛ فإنه لو فعل وساق اللفظ؛ لتبين منه لكل من كان له لب ودين أن عَائِشَة بريئة مما نسب إليها في هذا الحديث المنكر من القول - براءتها مما اتهمها به المنافقون؛ فبرأها الله تعالى بقرآن يتلى -، آمن الشيعة بذلك أم كفروا، عامل الله الكذابين والمؤيدين لهم بما يستحقون! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم إن الحديث؛ أخرجه ابن شاهين أيضًا من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري به؛ كما في 'الإصابة' (١) للحافظ العسقلاني؛ وقال: "وسليمان ضعيف" (٢).
والجواب على هذا الكلام من وجوه:
أولًا: هذه الرواية باطلة وضعيفة جدًا لا يجوز الاحتجاج بها أبدًا:
فالحديث من رواية سليمان بن أرقم، والأئمة متفقون على تضعيفه (٣)، بل هو ضعيف جدًا.
ولظهور ضعف هذا الحديث فقد سكت عنه الحاكم في 'مستدركه' - على تساهله في التصحيح -، وكذلك سكت عنه الذهبي في 'تلخيصه عليه'، وقد أورد هذا الحديث الشيخ الألباني في كتابه 'السلسلة الضعيفة' (٤): وقال: "ضعيف جدًا".
ثانيًا: أَنَّ الحديث أصله صحيح ثابت، وليس فيه هذه الزيادات المنكرة:
وهذه الزيادات زادها ابن الأرقم على الحديث، وهذا إِنْ دل على شيءٍ إنما
_________________
(١) ٦/ ١٤.
(٢) السلسلة الضعيفة ١٠/ ٧٠١ - ٧٠٣.
(٣) ينظر: التاريخ الكبير ٤/ ٢، والضعفاء والمتروكون للنسائي ص (٤٨)، والجرح والتعديل ٤/ ١٠٠، والكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ٢٢٨، وتاريخ بغداد ١٠/ ١٨، والضعفاء والمتروكون لابن الجوزي ٢/ ١٦، والمغني في الضعفاء ١/ ٢٧٧.
(٤) ١٠/ ٧٠٠، رقم (٤٩٦٤).
[ ١٢٧ ]
يدل على أنه سيء الحفظ جدًا، أو أنه يتعمد الكذب والزيادة؛ لهوى في نفسه، ثم يحتج بها أهل الأهواء!
وأما الرواية الصحيحة في ذلك فهي عند مسلم من حديث أنس ﵁: «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ إِبْرَاهِيمَ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِىٍّ: اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَأَتَاهُ عَلِيٌّ، فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اخْرُجْ. فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِىٌّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ» (١).
المسلك الثالث: إدخالهم زيادات منحولة على النص الصحيح ليتمموا بها فريتهم:
إِنَّ من الأمور التي يتفنن فيها الرَّافِضَة أنهم يعمدون إلى روايةٍ صحيحةٍ، ثم يدخلون عليها زياداتٍ تفسد النص؛ ليسوِّغوا بذلك ما يريدونه من كذبٍ وافتراءٍ ودسٍّ، وقد يجعلون هذه الرواية المكذوبة سببًا لنزول آيةٍ في كتاب الله تعالى ليتم لهم إتقان التلبيس والتضليل.
فقد ذكر علي بن إبراهيم القُمِّي في 'تفسيره' (٢)، في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣) قال: إن
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب براءة حرم النَّبِيّ ﷺ من الريبة ٤/ ٢١٣٩، رقم (٢٧٧١)، وأحمد في مسنده ٢١/ ٤٠٥، رقم (١٣٩٨٩)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٤٢، رقم (٦٨٢٤) والزيادة له، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
(٢) ٢/ ٩٩.
(٣) سورة النور، الآية:١١.
[ ١٢٨ ]
العامة رووا أنها نزلت في عَائِشَة، وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة، وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية، وما رمتها به عَائِشَة.
ثم روى علي بن إبراهيم القُمِّي بسنده قال: "لما مات إبراهيم بن رسول الله - صلى الله عليه وآله - حزن عليه حزنًا شديدًا، فقالت عَائِشَة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جُرَيْح " (١).
فهذه الرواية هي رواية صحيحة ثابتة - عند الرَّافِضَة السبئيين -، ولذلك يعتمدون عليها أيما اعتماد، وقد صرح كبار علمائهم بصحة هذه الرواية.
فهذا المفيد - وهو من كبار علمائهم - يُؤكِّد أنّ هذه الروايات صحيحة ومسلَّمة عند الشيعة، فيقول: "خبر افتراء عَائِشَة على مارية القبطية خبٌر صحيحٌ مسلَّمٌ عند الشيعة" (٢)، فالخبر إذًا صحيح مسلَّمٌ (٣).
وقد روى الرَّافِضَة أيضًا هذه القصة في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٤).
قال علي بن إبراهيم القُمِّي في "تفسيره' (٥): "إنها نزلت في مارية القبطية أم
_________________
(١) وقد ذكر ذلك أيضًا جمع من مصنفي الرَّافِضَة نقلًا عن القُمِّي، منهم: هاشم البحراني في تفسيره: البرهان في تفسير القرآن ٤/ ٥٢، ٥٣، والمجلسي في بحار الأنوار ٢٢/ ١٥٥.
(٢) رسالة فيما أشكل من خبر مارية للمفيد ص (٢٩).
(٣) الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (١٠٣)، وينظر: الحصون المنيعة في براءة عَائِشَة الصديقة ص (٥٤)، والفتح الأنعم في براءة عائشة ومريم ص (١٣٠).
(٤) سورة الحجرات، الآية:٦.
(٥) ٢/ ٣١٨، ٣١٩.
[ ١٢٩ ]
إبراهيم، وكان سبب ذلك أن عَائِشَة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وآله -: إن إبراهيم ليس هو منك، وإنما هو من جريح القبطي، فإنه يدخل إليها في كل يوم، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وآله -، وقال لأمير المؤمنين - ﵇ -: خذ هذا السيف وأتني برأس جريح "، إلى أن قال: "فأنزل الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (١) " (٢).
وتأكيدًا لما ذكرناه آنفًا من مسلك الرَّافِضَة في إدخال زيادات فاسدة على نصوص صحيحة نورد في هذا المقام روايةً صحيحةً في كتب أهل السنة، ونرى كيف شوهها الرَّافِضَة، وغيروا فيها:
روى الطَّحَاوي من طريق: عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي، والبزار وأبو نُعَيْم، وابن عساكر، والضياء المقدسي من طريق: أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، كلهم من طريق: يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب قال: «كَانَ قَدْ تَجَرَّؤُوا (وفي رواية: كَثُرَ أو أُكْثِرَ) عَلَى مَارِيَةَ فِي قِبْطِيٍّ ابْنِ عَمٍّ لَهَا كَانَ يَزُورُهَا، وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَانْطَلِقْ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ عِنْدَهَا فَاقْتُلْهُ، » الحديث (٣).
_________________
(١) وينظر: أيضًا: البرهان في تفسير القرآن ١٣/ ١٣٨، وتفسير نور الثقلين ٥/ ٨١، وبحار الأنوار ٢٢/ ١٥٣، ١٥٤.
(٢) الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (١١٤ - ١١٥).
(٣) أخرجه الطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار ١٢/ ٤٧٣، ٤٧٤، رقم (٤٩٥٣)، والبزار في مسنده ٢/ ٢٣٧، رقم (٦٣٤)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ١/ ٣٨٧، رقم (٧٣٥)، وأبو نُعَيْم في حلية الأولياء ٣/ ١٧٧،١٧٨، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣/ ٢٣٦، ٢٣٧، قال أبو نعيم: "هذا غريب لا يعرف مسندا بهذا السياق إلا من حديث محمد بن إسحاق"، وقال المقدسي: "له =
[ ١٣٠ ]
وليس في هذا الحديث ذكر لعَائِشَة، فلينظر المنصف المتبع للحق كيف غير الرَّافِضَة في هذه الرواية ودسوا فيها الدسائس؟، فالرواية الصحيحة التي بهذا السياق وردت في المنافقين وليست في عَائِشَة ﵂.
فالمنافقون هم الذين كانوا يشيعون الأخبار الكاذبة عن مارية برأها الله، يفعلون ذلك طعنًا في رسول الله ﷺ كما فعل رأس النفاق عبد الله بن أُبي بعائشة قبلها وقد برأها الله، والذي يؤمن برسول الله ويحترمه لا يجعل زوجاته بين قاذفة ومقذوفة لاسيما بعد ما نزلت براءة عَائِشَة في قرآن يتلى في مشارق الأرض ومغاربها إلى يوم القيامة، ويؤمن ببراءتها وفضلها ومكانتها وما أنزل في شأنها من قرآن كل مؤمن، ولا يقدح فيها إلا كل زنديق حاقد على رسول الله ﷺ وعلى أسرته وأصحابه (١).
_________________
(١) = شاهد في صحيح مسلم من رواية أنس بنحوه"، وقال محققه: "إسناده حسن". والحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٥٢٧، رقم (١٩٠٤)، وقال: "وصرح البخاري وابن منده بتحديث ابن إسحاق، فزالت شبهة تدليسه وسائر رجاله ثقات، فهو إسناد متصل جيد".
(٢) الانتصار لكتاب العزيز الجبار وللصحابة الأخيار على أعدائهم الأشرار لربيع المدخلي ص (٣٩٦، ٣٩٧) بتصرف.
[ ١٣١ ]