علمها بالقرآن وعلومه
"تُعَدُّ أُمُّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ من كبار مفسري عصرها؛ ساعدها على ذلك سماعها للقرآن الكريم منذ نعومة أظافرها، قالت ﵂: «لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَكَّةَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ، ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (١)، وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلا وَأَنَا عِنْدَهُ» (٢).
وزواجها وعيشها في كَنَفِ رسول الله ﷺ جعلها تظفر بحضور نزول الكثير من القرآن الكريم، إذ عاشت تسع سنوات في مهبط الوحي، ولم يكن ينزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها (٣).
وقد نزلت آيات كثيرة بسببها مثل آيات الإفك، والتيمم، ورأت كيف ينزل عليه جبريل ﵇ بالوحي حتى إنَّها وصفت حال النَّبِيّ ﷺ حين نزوله، فقالت: «لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ (٤) وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا (٥)» (٦).
ولم تكن عَائِشَة ﵂ تكتفي بمجرد الحفظ، وإنما كان إذا غمض عليها شيء
_________________
(١) سورة القمر، الآية:٤٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن ٦/ ١٨٥، رقم (٤٩٩٣).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أَي: يَنْقَطِع عَنهُ. غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ١٩٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٤٥٢.
(٥) أَي: يسيل ويتَصَبَّب عرقًا. ينظر: تهذيب اللغة ١٢/ ١٠٤، ومشارق الأنوار ٢/ ١٦٠.
(٦) أخرجه البخاري، باب بدء الوحي، ١/ ٦، رقم (٢).
[ ٦٨ ]
لا تتردد في طرحه على الرسول ﷺ؛ لتتعرف على معاني الآيات القرآنية، ومراد الله ﷿ منها، فقد قالت عَائِشَة ﵂: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (١) قَالَتْ عَائِشَة: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: "لا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لا تُقْبَلَ مِنْهُمْ ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٢)» (٣).
وهذا ما جعل عَائِشَة ﵂ على معرفة تامة بالقرآن الكريم، وأسباب نزوله، وموضوعاته وقضاياه، مما جعلها تقيم تفسيرها للقرآن الكريم على منهج تفسيري له أصوله الخاصة التي يعتمد عليها، ويبرز فكرها وثقافتها" (٤).
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآية:٦٠.
(٢) سورة المؤمنون، الآية:٦١.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة المؤمنون ٥/ ٣٢٧، رقم (٣١٧٥)، وأحمد في مسنده ٤٢/ ١٥٦، رقم (٢٥٢٦٣)، و٤٢/ ٤٦٥، رقم (٢٥٧٠٥)، والحميدي في مسنده ١/ ٢٩٨، رقم (٢٧٧)، وابن راهويه في مسنده ٣/ ٩٤١، رقم (١٦٤٣)، وأبو يعلى في مسنده ٨/ ٣١٥، رقم (٤٩١٧)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٢٧، رقم (٣٤٨٦)، والبيهقي في شعب الإيمان ٢/ ٢١٣، رقم (٧٤٧)، وفي معرفة السنن ١٤/ ٤٨٣، رقم (٢٠٨٥٣)، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٣٠٤، رقم (١٦٢).
(٤) ينظر: تفسير أُمّ المؤمنين عَائِشَة ص (١١٣)، والسيدة عَائِشَة وتوثيقها للسنة ص (٤٦ - ٤٨)، السيدة عَائِشَة أُمّ المؤمنين وعَالِمة نساء الإسلام ص (١٨٢)، موسوعة فقه عائشة أم المؤمنين وحياتها وفقهها ص (٨٣).
[ ٦٩ ]
يقول أبو سلمة بن عبد الرحمن: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلا أَفْقَهَ فِي رَأْيٍ إِنِ احْتِيجَ إِلَى رَأْيِهِ، وَلا أَعْلَمَ بِآيَةٍ فِيمَا نَزَلَتْ، وَلا فَرِيضَةٍ مِنْ عَائِشَة» (١).
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٧٠ ]