قول الرَّافِضَة: إنَّ عَائِشَة سقتْ النَّبِيَّ ﷺ السُّمَّ
يقول الرَّافِضَة: إنَّ عَائِشَة وحَفْصة تآمَرَتا مع أبويهما؛ لاغتيال النَّبِيّ ﷺ، فقد وضَعَتا السُّمَّ في فَمِ النَّبِيّ ﷺ وأنَّه ماتَ نتيجة ذلك، وسلك الرَّافِضَة في هذه الفرية مسلكين:
المسلك الأول: وضع الروايات المكذوبة:
فجاء في 'البرهان في تفسير القرآن' (١) لهاشم البحراني (٢)، و'بحار الأنوار' (٣) للمجلسي (٤)، في تفسير قوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٥): "قال علي بن إبراهيم القمي (٦): كان سبب نزولها أن رسول الله
_________________
(١) ١٤/ ٦٧،٦٨.
(٢) هو: هاشم بن سليمان بن إسماعيل الحسيني البحراني الكتكاني التوبلي، من أعلام الروافض، ومن كبار مفسريهم، له: (البرهان في تفسير القرآن)، مات سنة (١١٠٧هـ). ينظر في ترجمته: الأعلام ٨/ ٦٦، ومعجم المؤلفين ١٣/ ١٣٢.
(٣) ٢٢/ ١٠١.
(٤) هو: محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي الأصفهاني، أحد أعلام الرَّافِضَة، له: (بحار الأنوار)، مات سنة (١١١١هـ). ينظر في ترجمته: الأعلام ٦/ ٤٨.
(٥) سورة التحريم، الآيات:١ - ٣.
(٦) هو: علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، الرافضي، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/ ١١١: "رافضي =
[ ١١٥ ]
صلى الله عليه وآله كان في بعض بيوت نسائه، وكانت مارية القبطية معه تخدمه، وكان ذات يوم في بيت حفصة، فذهبت حفصة في حاجة لها، فتناول رسول الله صلى الله عليه وآله مارية، فعلمت حفصة بذلك، فغضبت وأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالت: يا رسول الله، هذا في يومي، وفي داري، وعلى فراشي! فاستحيا رسول الله صلى الله عليه وآله منها، فقال: «كفي فقد حرَّمتُ مارية على نفسي، ولا أطأها بعد هذا أبدًا، وأنا أفضي إليك سرًا، فإن أنت أخبرت به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». فقالت: نعم، ما هو؟ فقال: «إن أبا بكر يلي الخلافة من بعدي، ثم من بعده عمر أبوك». فقالت: من أخبرك بهذا؟ قال: «الله أخبرني».
فأخبرت حفصة عَائِشَة من يومها بذلك، وأخبرت عَائِشَة أبا بكر، فجاء أبو بكر إلى عمر، فقال له: إن عَائِشَة أخبرتني عن حفصة كذا، ولا أثق بقولها، فسل أنت حفصة، فجاء عمر إلى حفصة، فقال لها: ما هذا الذي أخبرت عنك عَائِشَة؟ فأنكرت ذلك، وقالت: ما قلت لها من ذلك شيئًا، فقال لها عمر: إن كان هذا حقًّا فأخبرينا حتى نتقدم، فاجتمع أربعة على أن يسموا رسول الله - صلى الله عليه وآله -، فنزل جبرئيل - ﵇ - على رسول الله - صلى الله عليه وآله - بهذه السورة: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ يعني: قد أباح الله لك أن تكفر عن يمينك ﴿واللَّهُ
_________________
(١) = جلد، له تفسير فيه مصائب"، كان حيًا قبل (٣٢٩هـ). ينظر في ترجمته: معجم الأدباء ٤/ ١٦٤١، والوافي بالوفيات ٢٠/ ٦، وميزان الاعتدال ٣/ ١١١، ولسان الميزان ٤/ ١٩١.
[ ١١٦ ]
مَوْلاكُمْ وهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ - وإِذْ أَسَرَّ النَّبِيّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ أي أخبرت به ﴿وأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يعني أظهر الله نبيه على ما أخبرت به وما هموا به من قتله ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ أي أخبرها وقال: «لم أخبرت بما أخبرتك به؟» ".
وجاء في نفس الكتابين السابقين في موضع آخر: "عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله ﵇، قال: تدرون مات النَّبِيّ صلى الله عليه وآله أو قتل؟، إن الله يقول: ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ فسم قبل الموت، إنهما سقتاه، فقلنا: إنهما وأبويهما شر من خلق الله" (١).
ويقول ياسر الحبيب (٢) في احتفاله بوفاة عَائِشَة ﵂: "ماذا أقول، وماذا أعدد أو أذكر؟ أأذكر سمَّها لرسول الله صلى الله عليه وآله وقتلها إياه؟ " (٣)، فهو
_________________
(١) البرهان في تفسير القرآن ٣/ ٣١، وبحار الأنوار ٢٢/ ٢١٣.
(٢) هو: ياسر يحيى عبد الله الحبيب من مواليد سنة ١٩٧٩م بالكويت، وهو أحد رافضة الكويت، وهو خرِّيج علوم سياسية من جامعة الكويت، عرف بأسلوبه الحاد في بيان آرائه، بدأ بطرح الأقوال الشيعية التي لم يجرؤ أحد على طرحها في الزمن المعاصر في مجالسه الخاصة في الكويت، مما أدى إلى إلقاء السلطات الكويتية القبض عليه بتهمة "سب الصحابة"، وتطورت القضية إلى أمن الدولة فحُكم فيها في مايو ٢٠٠٤ بالسجن لعشر سنوات أدانته الكثير من المنظمات الدولية لحقوق الإنسان ومنها منظمة العفو الدولية ووزارة الخارجية الأمريكية، لكنه قضى في السجن ثلاثة أشهر فقط؛ وأطلق سراحه بعفو أميري وصف رسميًا فيما بعد بأنه "خطأ إداري" وتمكّن من الهجرة غير الشرعية إلى العراق وثم إلى إيران ثم سافر إلى بريطانيا دون أن تتمكن السلطات الكويتية من اعتقاله مجددا ونال حق اللجوء في بريطانيا. ينظر في ترجمته: منتديات بغداد الرشيد: www.baghdadalrashid.com، وإجابات قوقل: www.ejabat.google.com
(٣) موقع اليوتيوب www.youtube.com: " شريط احتفال ياسر الحبيب بدخول عائشة النار" =
[ ١١٧ ]
ينقل هذه الفرية عن أسلافه، ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (١).
المسلك الثاني: صرف معنى الأحاديث الصحيحة إلى ما يوافق هواهم:
استغل الرَّافِضَة قصة سقي عَائِشَة وحفصة النَّبِيّ ﷺ الدواء في مرضه، فقالوا: سقتاه السُّمَّ، وهذا هو نص الرواية الصحيح:
عن عَائِشَة ﵂، قالت: «لَدَدْنَا (٢) رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: "لاَ تَلُدُّونِي"، قَالَ: فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي" قَالَ: قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاّ لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلاّ العَبَّاسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ"» (٣).
وعن أسماء بنت عميس ﵂، قالت: «أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ فَلَدُّوهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: "مَا هَذَا؟ " فَقُلْنَا: هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَاهُنَا - وَأَشَارَ [الراوي] إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ - وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ، قَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ فِيكَ ذَاتَ
_________________
(١) = دقيقة (٢)، ثانية (٧).
(٢) سورة الذاريات، الآية:٥٣.
(٣) أي: أسقيناه اللدود: وهو دواء يُصبُّ في أحَدِ جانبي فمِ المريض، بين اللسان والشدق. ينظر: تهذيب اللغة ١٤/ ٤٩، والفائق في غريب الحديث ٣/ ٨٥، ولسان العرب ٣/ ٣٩٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النَّبِيّ ﷺ ووفاته ٦/ ١٤، رقم (٤٤٥٨)، وكتاب الطيب، باب اللدود ٧/ ١٢٧، رقم (٥٧١٢)، وكتاب الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل ٩/ ٨، رقم (٦٨٩٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب كراهة التداوي باللدود ٤/ ١٧٣٣، رقم (٢٢١٣).
[ ١١٨ ]
الْجَنْبِ (١) يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "إِنَّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللهُ ﷿ لَيَقْرَفُنِي بِهِ (٢) لاَ يَبْقَيَنَّ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلاّ الْتَدَّ إِلاّ عَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَعْنِي الْعَبَّاسَ، قَالَ: فَلَقَدِ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ يَوْمَئِذٍ وَإِنَّهَا لَصَائِمَةٌ لِعَزْمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (٣).
الرد على هذه الفرية من وجوه (٤):
الوجه الأول: أن القصة في مسلكهم الأول من الأباطيل المكذوبة، ومن الدَّعاوى الغريبة التي سوّد الرَّافِضَة بها كتبهم، فالرَّافِضَة إذا أرادوا أن يؤيدوا باطلهم عمدوا إلى بعض الآيات القرآنية، فاخترعوا في تفسيرها قصصًا مختلقة تُؤيِّد إفكهم، حتى يُوهموا أبناء طائفتهم، ومن يُسقطونه في حبائلهم أنّ هذا الإفك الذي زعموه قد نزلت في بيانه وتأكيده آيات القرآن الكريم، وهذا ما فعلوه في هذه الافتراءات
_________________
(١) ذَات الْجَنْبِ: هي قرحة تصيب الإنسان داخل جنبه. ينظر: الصحاح ١/ ١٠٣، والنهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٣٠٣، ولسان العرب ١/ ٢٨١.
(٢) أي: ليرميني به، والمراد ليبتليني به، فإن المبتلى ببلية يُرمى بها، فكأن الذي ابتلاه رماه به. قاله السندي. ينظر: تحقيق مسند أحمد ٤٥/ ٤٦٢ (طبعة الرسالة).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده ٤٥/ ٤٦٠، رقم (٢٧٤٦٩)، وعبد الرزاق في مصنفه ٥/ ٤٢٨، رقم (٩٧٥٤)، وابن راهويه في مسنده ٥/ ٤٢، رقم (٢١٤٥)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٥/ ١٩٥، رقم (١٩٣٥)، وابن حبان في صحيحه، ١٤/ ٥٥٢، رقم (٦٥٨٧)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٤/ ١٤٠، رقم (٣٧٢)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٢٥، رقم (٧٤٤٦)، وقال: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حجر في فتح الباري ٨/ ١٤٨، والألباني في السلسلة الصحيحة ٧/ ١٠١٥، رقم (٣٣٣٩).
(٤) ينظر في الرد على هذه الفرية: الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (٥١٧٠)، ومقال للشيخ عبد الرحمن الطوخي بعنوان: "رد الشبه والافتراءات عن السيدة عَائِشَة"، تاريخ: ٢٥/ ١٠/١٤٣١هـ، على شبكة الألوكة: www.alukah.net.
[ ١١٩ ]
التي أرادوا إلصاقها بخير عباد الله بعد الأنبياء والمرسلين؛ بأبي بكر وعمر، وبابنتيهما ﵃ أجمعين (١).
وهذه الأكذوبة التي ذكروها في سبب نزول آيات سورة التحريم، لم أجدها في غير كتب الرَّافِضَة، والصحيح أن سبب نزول هذه الآيات كان في تحريم النَّبِيّ ﷺ للعسل كما في الصحيح، فعن عَائِشَة ﵂ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَالَ: "لاَ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ، لاَ تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَدًا"» (٢).
وبهذا يتبين كذب وافتراء الرَّافِضَة، واختلاقهم الروايات التي توافق قصدهم السيئ، وتخدم مذهبهم الفاسد.
الوجه الثاني: بالنِّسبة لقصة اللدود في المسلك الثاني، التي روتها عَائِشَة وأسماء ﵄، وفهمها الرافضة فهمًا يوافق إفكهم، أقف عندها وقفات:
أولًا: أن اللَّدُود: هو الدواء الذي يُصبُّ في أحَدِ جانبي فمِ المريض (٣)، فكيف عَرَف الرَّافِضَة مكوِّنات الدواء الذي وضعَتْه عَائِشَة للنبي ﷺ؟!
_________________
(١) ينظر: الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (٥١) بتصرف.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية ٦/ ١٥٦ رقم (٤٩١٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته، ولم ينو الطلاق ٢/ ١١٠٠ رقم (١٤٧٤).
(٣) ينظر: تهذيب اللغة ١٤/ ٤٩، والفائق في غريب الحديث ٣/ ٨٥، ولسان العرب ٣/ ٣٩٠.
[ ١٢٠ ]
ثانيًا: أنَّ مَن نقَلَ هذه الحادثة هو عَائِشَة ﵂ فكيف تنقل قتْلَها لنبيِّها، وزوجها، وحبيبها ﷺ؟!
ثالثًا: السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّة في الطعام الذي قُدِّم للنبي ﷺ كُشِفَ أمرُه من الله تعالى وأخبرتِ الشاة النَّبِيّ ﷺ أنّها مسمومة، فلماذا لم يحصل معه ﷺ الأمر نفسه في السُّمِّ الذي وضعته عَائِشَة في فمه؟!
رابعًا: لم يُعطَ الدواءُ للنبي ﷺ من غير عِلّة، بل أُعطِيَه مِن مَرضٍ ألَم به.
خامسًا: لم يُعطَ النَّبِيّ ﷺ الدواء إلاَّ بعد أن تشاورَ نساؤه ﵅ في ذلك الإعطاء.
سادسًا: لا ننكر أن يكون النَّبِيّ ﷺ مات بأثَر السُّم! لكن أيُّ سُمٍّ هذا؟ إنَّه السُّم الذي وضعتْه اليهوديَّة للنبيِّ ﷺ في طعام دَعَتْه لأكْله عندها، وقد لفَظَ ﷺ اللُّقمة؛ لإخبار الله تعالى بوجود السُّم في الطعام، فأخبرَ النَّبِيّ ﷺ في آخر أيامه أنّه يجد أثرَ تلك اللُّقمة على بَدَنه، ومِن هنا قال مَن قال من سلف هذه الأُمة: إنَّ الله تعالى جمع له بين النبوَّة والشهادة.
سابعًا: من الواضح في الرواية أنَّ نساء النَّبِيّ ﷺ لم يفْهَمنَ مِن نَهْي النَّبِيّ ﷺ بعدم لَدِّه أنَّه نهْي شرعي، بل فهِموا أنَّه من كراهية المريض للدواء، وفَهْمُهم هذا ليس بمستنكرٍ في الظاهر، وقد صرَّحوا بأنهم وإن لم يكنْ لهم عذرٌ عند النَّبِيّ، ﷺ؛ لأنَّ الأصْلَ هو الاستجابة لأمرِه، ﷺ قد أخطؤوا في تشخيص دَائه ﷺ لذا فقد ناوَلوه دواءً لا يُناسب عِلَّته.
قال ابن حجر ﵀: "وإنَّما أنْكَرَ التداوي؛ لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنّوا أنَّ به "ذات الْجَنْب"، فداووه بما يلائمها، ولم يكنْ به ذلك؛ كما هو ظاهر في
[ ١٢١ ]
سياق الخبر كما ترى" (١).
وأخيرًا أقول: إن سلوك الرَّافِضَة في افتراءاتهم وشبهاتهم أكثر من مسلك، دليلٌ واضحٌ على كذبهم وتدليسهم.
_________________
(١) فتح الباري ٨/ ١٤٧.
[ ١٢٢ ]