قول الرَّافِضَة: إنّ عَائِشَة خرجتْ لقتالِ عليّ ﵄
يقول الرَّافِضَة: إِنَّ عَائِشَة ﵂ خرجت لتقاتل عليًا ﵁ ظلمًا وعدوانًا، واستدلوا على ذلك بحديث نسبوه إلى النَّبِيّ ﷺ: «تُقَاتِلِينَ عَلِيًّا وَأَنْتِ ظَالِمَةٌ لَهُ».
واستدلوا برواية أخرى ذكرها المجلسي في 'بحار الأنوار' عن الصادق - ﵇ - عن آبائه ﵈ في خبر الطير: "أنه جاء علي - ﵇ - مرتين فردته عَائِشَة ﵂ فلما دخل في الثالثة وأخبر النَّبِيّ - صلى الله عليه وآله - به قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وآله: أبيت إلا أن يكون الأمر هكذا يا حميراء ما حملك على هذا؟ قالت: يا رسول الله اشتهيت أن يكون أبي أن يأكل من الطير. فقال لها: ما هو أول ضغن (١) بينك وبين علي وقد وقفت على ما في قلبك لعلك إنشاء الله تعالى لتقاتلينه!! فقالت: يا رسول الله، وتكون النساء يقاتلن الرجال؟ فقال لها: يا عَائِشَة، إنك لتقاتلين عليًا ويصحبك ويدعوك إلى هذا نفر من أهل بيتي وأصحابي فيحملونك عليه وليكونن في قتالك أمر يتحدَّث به الأولون والآخرون " (٢).
الرد على هذه الشُّبْهَة:
أولًا: هذه الروايات باطلة مكذوبة ومن وضع الرَّافِضَة، فكلّ هذه الأخبار التي
_________________
(١) الضِّغْنُ: الحِقد والكراهية. ينظر: الصحاح ٦/ ٢١٥٤، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٩١، ولسان العرب ١٣/ ٢٥٥.
(٢) ينظر: هذه الشُّبْهَة في: بحار الأنوار ٣٢/ ٩٣، والاحتجاج للطبرسي ١/ ٢٩٣، ومدينة المعاجز لهاشم البحراني ١/ ٣٩١.
[ ١٥٨ ]
ساقوها، ونسبوها كذبًا إلى رسول الله ﷺ لا تُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، وليس لها أسانيد معروفة، وهي بالموضوعات أشبه منها بالأحاديث الصحيحة، بل هي كذبٌ قطعًا" (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الحديث الذي رواه وهو قوله لها: «تُقَاتِلِينَ عَلِيًّا وَأَنْتِ ظَالِمَةٌ لَهُ» فهذا لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا له إسناد معروف وهو بالموضوعات المكذوبات أشبه منه الأحاديث، بل هو كذب قطعًا" (٢).
ثانيًا: المعروف والموقن به من موقف عَائِشَة ﵂ ومن معها أنهم خرجوا للإصلاح لا القتال، "فإن عَائِشَة ﵂ لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، فلم يكن للصحابة قصدٌ في الاقتتال يوم الجمل، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم، فإنه لما تراسل عليّ وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، وكان عليّ غير راضٍ بقتل عثمان ولا معينًا عليه، كما كان يحلف فيقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله، وهو الصادق البار في يمينه، فخشي القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظن طلحة والزبير أن عليًا حمل عليهم، فحملوا دفعًا عن أنفسهم، فظن عليّ أنهم حملوا عليه، فحمل دفعًا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعَائِشَة ﵂ كانت راكبة: لا
_________________
(١) الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (٢١٢، ٢١٣).
(٢) منهاج السنة النبوية ٤/ ١٧٠.
[ ١٥٩ ]
قاتلت، ولا أمرت بالقتال، هكذا ذكره غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار" (١).
ويتضح كون عَائِشَة ﵂ خرجت للإصلاح من خلال النقاط التالية:
أولًا: أن عَائِشَة ﵂ تقول بلسانها: إنها خرجت للإصلاح، فروى الطبري بإسناده قال: «فَخَرَجَ الْقَعْقَاعُ حَتَّى قَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ ﵂ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: أَيْ أُمَّهْ، مَا أَشْخَصَكِ وَمَا أَقْدَمَكِ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ قَالَتْ: أَيْ بُنَيَّ، إِصْلاحٌ بَيْنَ النَّاسِ » (٢).
ثانيًا: أنّ عَائِشَة ﵂ كتبت بأنها ما خرجت إِلاَّ للإصلاح، فروى ابن حبان في 'كتاب الثقات': «وَقدم زيد بْن صوحان من عِنْد عَائِشَة مَعَه كِتَابَانِ من عَائِشَة إِلَى أبي مُوسَى وَالِي الْكُوفَة وَإِذا فِي كل كتاب مِنْهُمَا بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم، من عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن قيس الأشْعَرِيّ، سَلام عَلَيْك، فَإِنِّي أَحْمَد إِلَيْك اللَّه الَّذِي لاَ إِلَه إِلاّ هُوَ، أما بعد: فَإِنَّهُ قد كَانَ من قتل عُثْمَان مَا قد علمت، وَقد خرجت مصلحَة بَين النَّاس، فَمر من قبلك بالقرار فِي مَنَازِلهمْ وَالرِّضَا بالعافية حَتَّى يَأْتِيهم مَا يحبونَ من صَلاَح أَمر الْمُسلمين، فَإِن قتلة عُثْمَان فارقوا الْجَمَاعَة وَأَحلُّوا بِأَنْفسِهِم الْبَوَار» (٣).
ثالثًا: أن عَائِشَة ﵂ وقَّعت على الصلح، فجاء في كتب السِّير: «كَانَ القتال يَوْمَئِذٍ فِي صدر النهار مع طَلْحَة وَالزُّبَيْر، فانهزم الناس وعَائِشَة ﵂ توقع الصلح» (٤).
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٤/ ١٧٠، ١٧١)، وشبهات حول الصحابة أُمّ المؤمنين عَائِشَة ص (١٤).
(٢) الفتنة ووقعة الجمل ص (١٤٥)، وتاريخ الطبري ٣/ ٢٩، والكامل في التاريخ ٢/ ٥٩١.
(٣) رواه ابن حبان في السيرة النبوية وأخبار الخلفاء ٢/ ٥٣٤، وفي الثقات ٢/ ٢٨٢.
(٤) رواه سيف بن عمر في الفتنة ووقعة الجمل ص (١٦٨)، والطبري في تاريخه ٤/ ٥٢٩.
[ ١٦٠ ]
وفي الختام نخلص إلى أن عَائِشَة ﵂ لم تخرج لقتال على ولم تخرج لمنازعته في الخلافة، وإنما خرجت بقصد الإصلاح.
يقول ابن حزم ﵀: "وأما أُمّ المؤمنين والزبير وطلحة ﵃ ومن كان معهم فما أبطلوا قط إمامة علي، ولا طعنوا فيها ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة، ولا أحدثوا إمامة أخرى، ولا جددوا بيعة لغيره، هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه، بل يقطع كل ذي علم على أن كل ذلك لم يكن، فإن كان لا شك في كل هذا فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي، ولا خلافًا عليه ولا نقضًا لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته هذا ما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد، فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ ظلمًا" (١).
وقال ابن حجر ﵀: "ولم يكن قصدهم القتال، لكن لما انتشبت الحرب، لم يكن لمن معها بد من المقاتلة، ولم ينقل أن عَائِشَة ﵂ ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة وإنما أنكرت هي ومن معها على عليّ منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم، وكان عليّ ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بحسب ذلك وخشي من نسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم فأنشبوا الحرب بينهم إلى أن كان ما كان" (٢).
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/ ١٢٣.
(٢) فتح الباري ١٣/ ٥٦.
[ ١٦١ ]