قولهم: إنَّ عَائِشَة مَنَعتْ من دَفْنِ الحسن بن عليّ عند جَدِّه
يرى الرافضة أَنَّ عائشة منعت من دفن الحسين بن علىّ عند جده النبي ﷺ؛ لبغضها للحسن، وعداوتها لآل البيت.
فروى الكليني في 'الكافي': بسنده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: "لَمَّا حضر الحسن بن علي ﵇ الوفاة قال للحسين ﵇: يا أخي، إني أوصيك بوصية فاحفظها: إذا أنا مِتُّ، فهيئني، ثم وجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لأحدث به عهدًا، ثم اصرفني إلى أمي ﵍، ثم رُدَّنِي فادفني بالبقيع واعلم أنه سيصيبني من عَائِشَة ما يعلم الله والناس صنيعها وعداوتها لله ولرسوله، وعداوتها لنا أهل البيت، فلما قُبِضَ الحسن ﵇ وَوُضِعَ على السرير، ثم انطلقوا به إلى مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان يصلي فيه على الجنائز، فصلى عليه الحسين ﵇ وحُمِلَ وأُدْخِلَ إلى المسجد، فلما أُوقِفَ على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله، ذهب ذو العوينين إلى عَائِشَة، فقال لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن ليدفنوه مع النَّبِيّ صلى الله عليه وآله، فخرجت مبادرة على بغلٍ بسرجٍ، فكانت أول امرأة ركبت في الإسلام سرجًا، فقالت: نَحُّوا ابنكم عن بيتي؛ فإنه لا يدفن في بيتي ويهتك على رسول الله حجابه. فقال لها الحسين ﵇: قديمًا هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله؛ أدخلت عليه بيته من لا يحب قربه، وإن الله سائلك عن ذلك يا عَائِشَة" (١).
_________________
(١) ينظر: الخبر في كتب الشيعة الآتية: الكافي للكليني ١/ ٣٠٠، و١/ ٣٠٢، والوافي للفيض الكاشاني =
[ ١٣٨ ]
وهذه الرواية من أكمل وأشهر الروايات التي أوردها الرَّافِضَة في كتبهم لتأكيد هذه الفرية، وثمة روايات أخرى ضربنا عنها صفحًا.
والجواب عن هذه الفرية كالتالي:
أولًا: هذه الرواية مكذوبة موضوعة باطلة لا تصح بحالٍ:
ويتضح هذا من وجوهٍ:
أ- إسناد هذه الرواية باطل لا يثبت:
فهذه الرواية قد ضعفها علماء الشيعة أنفسهم في كتبهم المعروفة المشهورة:
قال المازندراني (١) - شارحًا لرواية الكليني في "الكافي"-: "قوله: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح)، قال الكليني وعدة من أصحابنا: بكر بن صالح مشترك بين مجهول يروي عن أبي جعفر - ﵇ - وبين ضعيف وهو بكر بن صالح الرازي يروي عن الكاظم - ﵇ - فإن كان المراد به الأول فالسند الأول مسند مع احتمال الإرسال؛ لأن رواية إبراهيم ابن هاشم عمن يروي عن الباقر - ﵇ - بلا واسطة بعيد جدًا، وإن كان المراد به الثاني كما
_________________
(١) = ٢/ ٣٤٠، وبحار الأنوار للمجلسي ٤٤/ ١٤٢ - ١٤٤، و١٧/ ٣١، وشرح أصول الكافي للمازندراني ص (١٥٨)، ومدينة المعاجز لهاشم البحراني ٣/ ٣٤٠ - ٣٤١، والأنوار البهية لعباس القمي ص (٩٢)، وجامع أحاديث الشيعة للبروجردي ٣/ ٣٩٧،٣٩٨، ومواقف الشيعة للميانجي ١/ ٣٧٤،٣٧٥، وتفسير نور الثقلين للحويزي ٤/ ٢٩٦، وإعلام الورى بأعلام الهدى للطبرسي ص (٤١٤)، وجواهر التاريخ لعلي الكوراني العاملي ص (٢٣٨ - ٢٤٠).
(٢) هو: حسام الدين محمد صالح بن أحمد المازندراني، الشيعي الرافضي، من مصنفاته: (شرح أصول الكافي) و(شرح قصيدة البردة)، مات سنة (١٠٨٦). ينظر في ترجمته: معجم رجال الحديث الخوئي ١٩/ ٨٢.
[ ١٣٩ ]
هو الظاهر لأن إبراهيم بن هاشم يروي عنه فالسند مرسل أو مربوط بالسند الثاني مع احتمال أن يكون هو والأول واحدًا كما صرح به بعض أصحاب الرجال، فتأمل! " (١).
ب- التناقضات الواردة في هذه الرواية مقارنةً بالروايات الأخرى مما يدلل على وهائها جميعها:
"أمّا الروايات التي أوردها الشيعة: فإنهّا كلّها على اختلافها لم يروها إلا اّلشيعة.
ورغم تضافرهم على روايتها، إلا أّنّه حصل فيها تناقض شديد يدلّ على كونها مكذوبة من أصلها" (٢).
ج - الروايات تبطل من خلال نقد متونها ونقدها من الداخل:
"من عادة الشيعة حين اختراعهم للأكاذيب، واختلاقهم للإفك أن يجعلوا مع الكلمات الكاذبة الكثيرة كلمةً واحدةً صادقة، كي يُوهموا السّذج بأنَّ ما اخترعوه ثابت، وما اختلقوه صادق.
وتراهم أيضًا حينما يُريدون توجيه أحد المطاعن إلى شخصٍ يُبغضونه يعمدون إلى رواية ثابتة ذُكر فيها هذا الشخص بخير، فيقلبونها عليه، ويذكرونه فيها بشرّ.
وهذه طريقة مردة الجنّ من مسترقي السمع، وأوليائهم من شياطين الإنس، يجعلون مع الكلمة الصادقة الوحيدة مائة كذبة، حتى يقول الساذج عنهم: قد صدقوا في تلك الكلمة.
_________________
(١) شرح أصول الكافي ٦/ ١٥٨.
(٢) ينظر: كتاب الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (١٤٣، ١٤٤).
[ ١٤٠ ]
فقصّة موت الحسن ﵁، واستئذان أخيه الحسين من عَائِشَة بأن، يُدفن عند جدّه ثابتة في كتب أهل السنّة، أمّا ممانعة الصدّيقة، وركوبها على بغل، وخروجها إلى الناّس، وغير ذلك من الترّهات: فكلّه إفك غير مقبول، يأباه ويرفضه ذوو العقول" (١).
ومما يضاف إلى نقد المتن أَنَّ هذه الرواية تحتوي على زيادة منكرة، تخالف قول الشيعة والسنة: فـ"ادّعاؤهم أنّ عَائِشَة - ﵂- هي أوّل من ركب السُّروج، دعوة كاذبة، ورغم كذبها من أصلها، فإنّه يُوجد ما ينقضها في كتب القوم أنفسهم فقد رووا أنّ فاطمة - ﵂- ركبت بغلةً في يوم عرسها (٢)، وأنّ عليًّا أركبها على حمارٍ ودار بها على بيوت المهاجرين والأنصار يدعوهم إلى نصرته لمّا بويع لأبي بكر بالخلافة (٣)؛ على حدّ زعم الشيعة.
فكيف يقول الشيعة بعد هذا: إنّ عَائِشَة ﵂ هي أوّل من ركب بغلًا، أو أوّل من ركبت السروج؟! " (٤).
ثانيًا: إِنَّ بعض عقلاء الشيعة أكدوا سماح عَائِشَة للحسن بالدفن وجعلوا ذلك من مناقبها:
فروى أبو الفرج الأصبهاني بسنده: "إن الحسن بن علي أرسل إلى عَائِشَة أن
_________________
(١) ينظر: كتاب الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (١٤١).
(٢) ينظر: كشف الغمة للإربلي ١/ ٣٦٨.
(٣) ينظر: السقيفة لسليم بن قيس ص (٨١) والاحتجاج للطبرسي ص (٨١ - ٨٢)، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦/ ١٣، ومنار الهدى لعلي البحراني ص (٢٠٠)، والبرهان للبحراني٣/ ٤٢، وإلزام الناصب للحائري٢/ ٢٦٩، وسيرة الأئمة الاثني عشر لهاشم معروف الحسيني ١/ ١٢٤ - ١٢٦.
(٤) ينظر: كتاب الصاعقة في نسف أباطيل وافتراءات الشيعة ص (١٤٤).
[ ١٤١ ]
تأذن له أن يدفن مع النَّبِيّ ﷺ فقالت: نعم، ما كان بقى إلا موضع قبر واحد، فلما سمعت بذلك بنو أمية اشتملوا بالسلاح هم وبنو هاشم للقتال، وقالت بنو أمية: والله لا يدفن مع النَّبِيّ ﷺ أبدًا، فبلغ ذلك الحسن فأرسل إلى أهله أما إذا كان هذا فلا حاجة لي فيه ادفنوني إلى جانب أمي فاطمة، فدفن إلى جنب أمه فاطمة ﵍" (١).
قال أبو الفرج الأصبهاني: "قال يحيى بن الحسن: وسمعت علي بن طاهر بن زيد يقول: لما أرادوا دفنه ركبت عَائِشَة بغلًا، واستنفرت بني أمية مروان بن الحكم، ومن كان هناك منهم ومن حشمهم، وهو القائل: "فيومًا على بغل ويومًا على جمل" (٢).
قال ابن أبي الحديد- مناقشًا لهذه الرواية-: "قلت: وليس في رواية يحيى بن الحسن ما يؤخذ على عَائِشَة لأنه لم يرو أنها استنفرت الناس لما ركبت البغل وإنما المستنفرون هم بنو أمية ويجوز أن تكون عَائِشَة ركبت لتسكين الفتنة لاسيما وقد روي عنها أنه لما طلب منها الدفن قالت نعم فهذه الحال والقصة منقبة من مناقب عَائِشَة" (٣).
ثالثًا: أَنَّ المنع من جهة عَائِشَة لو ثبت فهو محمولٌ على المنع بعد السماح وذلك بعد أن رأت رفض بني أمية واستعدادهم لقتال بني هاشم، فمنعت من باب سد الفتنة وخوف سفك الدماء لا أنها منعت ابتداءً.
_________________
(١) مقاتل الطالبيين ١/ ٢٠.
(٢) مقاتل الطالبيين ١/ ٢٠، ٢١.
(٣) شرح نهج البلاغة ١٦/ ٥١.
[ ١٤٢ ]
وهذا الكلام تجسده الرواية الآتية: فعن هشام بن عروة عن أبيه قال: "قال الحسن حين حضرته الوفاة: أدفنوني عند قبر رسول الله ﷺ إِلاَّ أن تخافوا أن يكون في ذلك شر، فإن خفتم الشر فادفنوني عند أمي، وتوفي فلما أرادوا دفنه أبى ذلك مروان وقال: لا، يدفن عثمان في حش كوكب، ويدفن الحسن هاهنا. فاجتمع بنو هاشم وبنو أمية، فأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاءوا بالسلاح، فقال أبو هريرة لمروان: يا مروان أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول له ولأخيه حسين: هما سيدا شباب أهل الجنة فلما رأت عَائِشَة السلاح والرجال، وخافت أن يعظم الشر بينهم، وتسفك الدماء قالت: البيت بيتي؛ ولا آذن أن يُدْفَنَ فيه أحد، وقال محمد بن علي لأخيه: يا أخي إنه لو أوصى أن يدفن لدفناه أو نموت قبل ذلك، ولكنه قد استثنى فقال: إلا أن تخافوا الشر، فأي شر أشد مما ترى؟ فدفن بالبقيع إلى جنب أمه" (١).
ويؤيد ذلك أَنَّ الصحابة مع أنهم في أول الأمر كانوا مع موقف عَائِشَة في السماح للحسن بالدفن إلا أنهم لما رأوا الفتنة أمروا الحسين أن ينفذ وصية أخيه في حقن الدماء ودفنه بالبقيع، وكان هذا موقف أبي هريرة ﵁ (٢)، وعبد الله بن عمر ﵄ (٣).
رابعًا: أَنَّ هذه الأخبار باطلة متنًا؛ لأنها تعارض روايات صحيحة صريحة توضح سماح عَائِشَة وترحيبها بدفن الحسن مع جده ﷺ، وإيثارها له، بل قالت لأخيه الحسين لمّا استأذنها في دفن الحسن ﵁: "نعم، بقي موضع قبر واحد، قد
_________________
(١) أنساب الأشراف ١/ ٣٨٩.
(٢) تاريخ دمشق ١٣/ ٢٨٨.
(٣) تاريخ دمشق ١٣/ ٢٨٨.
[ ١٤٣ ]
كنت أحب أن أدفن فيه، وأنا أؤثرك به" (١).
_________________
(١) تاريخ دمشق ١٣/ ٢٨٩، ٢٩٠، وينظر: تاريخ المدينة لابن شَبَّة ١/ ١١١، فقد رواه بإسناده.
[ ١٤٤ ]