قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تبغض عثمان وتقول: "اقتلوا نعثلًا (١) فقد كفر"
استدل الرَّافِضَة على بغض عَائِشَة لعثمان، وأمره بقتله بما أورده سيف بن عمر (٢) في كتابه 'الفتنة ووقعة الجمل' عن عَائِشَة ﵂ لما انتهت إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة، لقيها عبد بن أم كلاب - وهو عبد بن أبي سلمة، ينسب إلى أمه - فقالت له: مهيم (٣)؟ قال: قتلوا عثمان ﵁، فمكثوا ثمانيا، قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز، اجتمعوا على علي بن أبي طالب فقالت: والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك! ردوني ردوني، فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلومًا، والله لأطلبن بدمه، فقال لها ابن أم كلاب: ولم؟ فو الله إن أول من أمال حرفه لأنت! ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلًا فقد كفر، قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب
_________________
(١) نَعْثَلُ: اسم رجل من أهل مصر كان طويل اللحية، وكان عثمان ﵁ إذا نيل منه وعيب شبه بذلك الرجل لطول لحيته، والنَعْثَلُ: في الأصل: الشيخ الأحمق، وقيل: الذكرُ من الضِباع. ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد ٣/ ٤٢٦، والصحاح ٥/ ١٨٣٢، والفائق في غريب الحديث ٤/ ٥٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٥/ ٧٩.
(٢) هو: سيف بن عمر الأسدي التميمي، الشيعي، أصله من الكوفة، من أصحاب السِّير، وهو ضعيف في رواية الحديث، ومن مصنفاته: (الجَمَل) و(الفتوح الكبير) و(الردة)، مات سنة (٢٠٠هـ). ينظر في ترجمته: الجرح والتعديل ٤/ ٢٧٨، والمجروحين ١/ ٣٤٥، والكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ٥٠٧.
(٣) مَهْيَمْ: كلمةٌ يُسْتَفْهَمُ بها، معناها: ما أمركم وشأنكم؟. ينظر: الصحاح ٥/ ٢٠٣٨، ومشارق الأنوار ١/ ٣٩٠، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ٣٧٨.
[ ١٣٢ ]
المسجد فقصدت للحجر، فسترت واجتمع إليها الناس، فقالت: يا أيها الناس، إن عثمان قتل مظلومًا، ووالله لأطلبن بدمه" (١).
والرد على هذا الفرية من وجوه:
أولًا: إِنَّ هذا الخبر مكذوب وموضوع لا يصح وذلك للآتي:
١ - الخبر من رواية: سيف بن عمر الأسدي التميمي، قال عنه يحيى بن معين: "ضعيف" (٢)، وقال مرة أخرى عنه: "فلس خير منه" (٣)، وقال أبو حاتم: "متروك الحديث" (٤)، وقال أبو داود: ليس بشيء" (٥)، وقال النسائي: "ضعيف" (٦)، وقال ابن عدي: "بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق" (٧).
وقال ابن حبان: "يروى الموضوعات عن الأثبات، وكان سيف يضع الحديث وكان قد اتهم بالزندقة" (٨)، وقال الدَّارَقُطْنِي: "متروك" (٩).
_________________
(١) الفتنة ووقعة الجمل لسيف بن عمر ص (١١٥)، وأورده المجلسي في بحار الأنوار ٣٢/ ٤٩ - نقلًا من كتب أهل السنة -. وهذا الخبر ورد فعلًا في كتب أهل السنة: فقد أخرجه الطبري في تاريخه ٤/ ٤٥٨،٤٥٩، وابن أعثم في الفتوح ٢/ ٤٣٧، وابن الأثير في الكامل في التاريخ ٢/ ٥٧٠.
(٢) تاريخ ابن معين رواية الدوري ٣/ ٤٥٩.
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ٥٠٧.
(٤) الجرح والتعديل ٤/ ٢٧٨.
(٥) سؤالات الآجري لأبي داود ١/ ٢١٤.
(٦) الضعفاء والمتروكون ص (٥٠).
(٧) الكامل في ضعفاء الرجال ٤/ ٥٠٨.
(٨) المجروحين لابن حبان ١/ ٣٤٦.
(٩) سؤالات البرقاني ص (٣٤).
[ ١٣٣ ]
٢ - والحديث من رواية: نصر بن مزاحم العطار، أبي الفضل المنقري، الكُوفِيّ، سكن بغداد.
وذكره الدَّارَقُطْنِيّ في الضعفاء والمتروكين (١).
وقال أبو الفتح محمّد بن الحسين الحافِظ: "نصر بن مُزَاحِم غال في مذهبه، غير محمود في حديثه" (٢)، قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: "نصر بن مُزَاحِم العَطَّار كان زائغًا عن الحق مائلًا" (٣)، قال الخطيب البغدادي: "قُلْتُ: أراد بذلك غلوه في الرفض (٤)، وقَالَ صالح بن مُحَمَّد: "نصر بن مُزَاحِم رَوَى عن الضعفاء أحاديث مناكير" (٥).
وقال العقيلي: "شيعي في حديثه اضطراب وخطأ كثير" (٦)، وقال أبو خيثمة: "كان كذابًا" (٧)، وقال أبو حاتم: "واهي الحديث، متروك" (٨).
وقال العجلي: "كان رافضيًا غاليًا ليس بثقة ولا مأمون" (٩).
وذكر له ابن عدي أحاديث وقال: "هذه وغيرهما من أحاديث غالبها
_________________
(١) الضعفاء والمتروكون ٣/ ١٣٤.
(٢) تاريخ بغداد ١٥/ ٣٨٢.
(٣) أحوال الرجال ص (١٣٢).
(٤) تاريخ بغداد ١٣/ ٢٨٤.
(٥) تاريخ بغداد ١٣/ ٢٨٤.
(٦) الضعفاء ٤/ ٣٠٠.
(٧) الضعفاء والمتروكون لابن الجوزي ٣/ ١٦٠.
(٨) الجرح والتعديل ٨/ ٤٦٨.
(٩) لسان الميزان ٦/ ١٥٧.
[ ١٣٤ ]
غير محفوظ" (١).
وقال عنه ابن حجر والذهبي: "رافضي جلد، تركوه" (٢).
وقال ياقوت الحموي: "نصر بن مزاحم أبو الفضل المنقري الكوفي: كان عارفًا بالتاريخ والأخبار، وهو شيعي من الغلاة جلد في ذلك واتهمه جماعة من المحدّثين بالكذب، وضعّفه آخرون" (٣).
٣ - إِنَّ وجود هذا الخبر في بعض كتب أهل السنة لا يجعله حجةٌ عليهم وذلك لأسباب:
أولها: إِنَّ هذا الخبر لم يرد في أمهات كتب أهل السنة المسندة المعتمدة كالصحيحين والسنن الأربعة، ونحو ذلك من الكتب المشهورة.
ثانيها: هذا الخبر ورد في كتب التاريخ التي تجمع الأخبار غثها وسمينها، ومن المعلوم أن رواة الأخبار يهتمون في الغالب بالجمع دون التمحيص.
ثالثها: إِنَّ هذا الخبر قد ورد مسندًا في بعض الكتب التاريخية كتاريخ الطبري، ومن القواعد المعروفة عند أهل الحديث أن من أسند فقد أحال، ومن أسند فقد برئت ذمته.
رابعها: إِنَّ أهل السنة لم يسكتوا عن هذه الأخبار وإنما نقدوها وبينوا ضعفها ووهائها:
_________________
(١) الكامل في ضعفاء الرجال ٨/ ٢٨٦.
(٢) ينظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٢٥٣، ٢٥٤، ولسان الميزان ٦/ ١٥٧.
(٣) معجم الأدباء ٦/ ٢٧٥٠.
[ ١٣٥ ]
قال الألوسي (١) ﵀: "وما زعمته الشيعة من أنها رضي الله تعالى عنها كانت هي التي تحرض الناس على قتل عثمان وتقول: اقتلوا نعثلًا فقد فجر كذب لا أصل له وهو من مفتريات ابن قتيبة وابن أعثم الكوفي والسمساطي وكانوا مشهورين بالكذب والافتراء" (٢).
خامسها: أنّ الأئمة وأهل الصنعة الحديثية متفقون على أن صاحب البدعة إذا روى حديثًا يوافق بدعته، فإنه لا يقبل، فهذا الراوي نصر بن مزاحم، رافضي غالٍ، روى هذه الرواية المكذوبة، التي تؤيد مذهبه الباطل، فهي مردودة عليه.
ثانيًا: أَنَّ ما جاء في مثل هذه الروايات بعيد كل البعد أن يصدر من أُمّ المؤمنين عَائِشَة في حق الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵄، وذلك للآتي:
أولًا: كان موقف عَائِشَة شديدًا ضد الذين قتلوا عثمان وكانت تطالب بالقصاص من قتلته، وقد روت لنا كتب التاريخ ذلك، فلما أُخْبِرَتْ بمقتل عثمان ﵁ قالت: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْغَوْغَاءَ مِنْ أَهْلِ الأمْصَارِ وَأَهْلِ الْمِيَاهِ وَعَبِيدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا بِالأمْسِ، وَنَقَمُوا عَلَيْهِ اسْتِعْمَالَ مَنْ حَدَثَتْ سِنُّهُ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ أَمْثَالُهُمْ قَبْلَهُ، وَمَوَاضِعَ مِنَ الْحِمَى حَمَاهَا لَهُمْ، فَتَابَعَهُمْ وَنَزَعَ لَهُمْ عَنْهَا. فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا حُجَّةً وَلا عُذْرًا بَادَرُوا بِالْعُدْوَانِ فَسَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَاسْتَحَلُّوا الْبَلَدَ الْحَرَامَ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَأَخَذُوا الْمَالَ الْحَرَامَ، وَاللَّهِ لَإِصْبَعٌ مِنْ عُثْمَانَ
_________________
(١) هو: محمود شكري بن عبد الله، أبو المعالي، الآلوسي، الحسيني، كان عالمًا بالتفسير، والحديث، والفقه، والأدب، من مصنفاته: (روح المعاني)، و(بلوغ الأرب في أحوال العرب)، مات سنة (١٢٧٠هـ). ينظر في ترجمته: الأعلام ٧/ ١٧٢، ومعجم المؤلفين ١٢/ ١٦٩، وطبقات النسَّابين ص (١٩٤).
(٢) روح المعاني ١١/ ١٩٢.
[ ١٣٦ ]
خَيْرٌ مِنْ طِبَاقِ الأرْضِ أَمْثَالِهِمْ! وَوَاللَّهِ، لَوْ أَنَّ الَّذِي اعْتَدَوْا بِهِ عَلَيْهِ كَانَ ذَنْبًا لَخَلَصَ مِنْهُ كَمَا يَخْلُصُ الذَّهَبُ مِنْ خَبَثِهِ أَوِ الثَّوْبُ مِنْ دَرَنِهِ إِذْ مَاصُوهُ كَمَا يُمَاصُ الثَّوْبُ بِالْمَاءِ، أَيْ يُغْسَلُ» (١).
ثانيًا: أَنَّ السيدة عَائِشَة ﵂ قد روت عدة أحاديث عن النَّبِيّ ﷺ في فضائل عن عثمان ﵁، وهي معروفة مشهورة، ومنها:
ما روياه عَائِشَة وعثمان ﵄: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ، لابِسٌ مِرْطَ عَائِشَة، فَأَذِنَ لأبِي بَكْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، قَالَ عُثْمَانُ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، وَقَالَ لعَائِشَة: "اجْمَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ" فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَقَالَتْ عَائِشَة: يَا رَسُولَ اللهِ مَالِي لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لأبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄، كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ، إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، أَنْ لا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ"».
ونكتفي بهذا القدر، وإِلاَّ فالأحاديث التي روتها عَائِشَة في فضائل عثمان ﵄ كثيرة، ولكن أردنا فقط التمثيل على ما ذكرناه من رواية عَائِشَة لفضائل عثمان ﵁.
_________________
(١) رواه سيف بن عمر في الفتنة ووقعة الجمل ص (١١٢)، والطبري في تاريخه ٤/ ٤٤٨، وابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ٥/ ٧٨، وابن الأثير في الكامل ٢/ ٥٧٠، وابن خلدون في تاريخه ٢/ ٦٠٧، وينظر: الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص (٢٨١).
[ ١٣٧ ]