الآثار النبوية
بعثة الرسل نعمة من الله على البشرية؛ لأن الحاجة إليهم ضرورية، فلا ينتظم للبشر حال، ولا يستقيم لهم دين إلا بدعوة الأنبياء والرسل ﵈.
وأولوا العزم هم أفضل الرسل، وأفضل أولي العزم: رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم الذي أُرسل رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *﴾ [الأنبياء].
فكانت بعثته مشعل نور، وهداية للثقلين، وفرقانًا بين الحق والباطل، ودعوة إلى التوحيد الخالص الذي أُسه وأساسه إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
وحب رسول الله ﷺ أمرٌ أوجبه الله وشرعه لعباده، تبعًا لمحبته ﷻ، وأن اتباعه ﷺ علامة على محبته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
يقول الحافظ ابن كثير ﵀: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، … وزعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية (^١).
ولا يكمُل إيمان العبد إلا إذا كان يحب الرسول ﷺ أكثر من نفسه وماله ووالده وولده والناس أجمعين (^٢)، وهذا الحب ضابطه التوسط والابتعاد
_________________
(١) يُنظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٢/ ٣٢) بتصرف يسير.
(٢) كما جاء في الصحيحين: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، (١/ ١٢/ ح ١٥)، ومسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر من الأْهل والولد والوالد والناس أجمعين، (١/ ٤٩/ ح ٤٤).
[ ٤٢ ]
عن الغلو (^١).
وقد قام المسلمون بأداء ما افترضه الله عليهم من محبة نبيّه ﷺ وتوقيره وإكرامه وبره واتباعه وطاعته حق قيام، وظهر من حبهم لرسول الله ﷺ ما جعلهم يفدونه بكل عزيز وغال، ويؤثرونه على الأهل والأوطان والأموال، حتى باعوا أنفسهم وأموالهم لربِّ العالمين. نصرة لدينه، ودفاعًا عن نبيه ﷺ (^٢).
وبرهان هذه المحبة هو اتباعه في جميع أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وجميع تصرفاته فأي أثر ثبت عنه من ذلك يبادرون بإحيائه وامتثاله.
ولكن بسبب ضعف الإيمان وفشو الجهل أصبح بعض الناس يعظمون الرسول ﷺ بطرق لم يأت بها الشرع بل نهى عنها، فيقعون في الغلو في محبته ﷺ بدعوى أنهم يظهرون حبه وتعظيمه.
وقد ضلوا وأضلوا، وأوهموا المخدوعين بهم أنهم أولى الناس بالنبي ﷺ، وأكثرهم حبًّا له، فمال إليهم الأغرار، وظنوا أنهم من الأبرار الأخيار، وأنهم أحباب النبي ﷺ المصطفى المختار، فقد بالغوا في هذه المحبة حتى أخرجوه من نطاق البشرية إلى مرتبة الألوهية (^٣).
وقد حذّر نبيُّنا ﷺ من الغلو في قوله ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ في الدِّينِ فإنه أَهْلَكَ من كان قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ في الدِّينِ» (^٤)، فالتحذير من الرسول ﷺ لا يقع إلا على شيء يكون خطرًا على المسلم وضررًا عليه (^٥).
وأيضًا نهى ﷺ عن إطرائه، فقال: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابن
_________________
(١) يُنظر: براءة الصحابة الأخيار من التبرك بالأماكن والآثار، لربيع بن هادي (١١/ ٦٣١ - ٦٣٣).
(٢) يُنظر: محبة الرسول بين الاتباع والابتداع، لعبد الرؤوف محمد عثمان (٣).
(٣) المرجع السابق (٤) بتصرف.
(٤) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، (٢/ ١٠٠٨/ ح ٣٠٢٩)، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٢٧٨/ ح ١٢٨٣).
(٥) التعليق على صحيح مسلم، لابن عثيمين (١/ ٣٢) بتصرف يسير.
[ ٤٣ ]
مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عبد اللهِ وَرَسُولُهُ» (^١).
ولما قال بعض أصحابه: أنت سيدنا وابن سيدنا قال ﷺ: «… قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أو بَعْضِ قَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» (^٢).
فعلى المسلم أن يسلك سبيل الرشاد والتوسُّط الذي مدح الله به هذه الأمَّة فقال ﷻ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (^٣).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾، (٤/ ١٦٧/ ح ٣٤٤٥).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في كراهية التمادح، (٤/ ٢٥٤/ ح ٤٨٠٦)، صححه الألباني، في السلسلة الصحيحة (٣/ ٨٨/ ح ١٠٩٧).
(٣) يُنظر: رياض الجنة في الرد على أعداء السُّنَّة، للوادعي (٢٦١)، براءة الصحابة الأخيار (١١/ ٦٣١ - ٦٣٣)
[ ٤٤ ]