الآثار الوثنية والجاهلية
عاش المسلمون قرونًا طويلة لا يرفعون رأسًا لأمور الجاهلية، ولا يعيرون لآثارها اهتمامًا، ولا يكترثون لها، وإن ذكروها فإنما يتحدثون عنها لأجل بيان ما كانوا عليه من الضلال، وكيف هداهم الله ﷻ، وأنعم عليهم بالإسلام.
فكان الناس في إسلامهم، والآثار تحت أرضهم، لا يثير الحديث التاريخي عنهم شيئًا من الانتماء أو التعصب أو الحماس (^١).
حتى غزا الكفار بعض بلاد المسلمين تحت اسم الاستعمار، وانتقلت أفكارهم وعقائدهم، واتجهت أطماعهم إلى بلاد المسلمين؛ للتنقيب عن كنوز الأرض بزعمهم، وإحياء الآثار الجاهلية؛ بدعوى معرفة التاريخ القديم، وما يخبئه الماضي من أخبار مجهولة (^٢).
كما قال المستشرق كويلرينج: إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض؛ لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام، ولسنا نطمع بطبيعة الحال أن يرتد المسلم إلى ما قبل الإسلام، ولكن يكفينا تذبذبه بين الإسلام وبين تلك الحضارات (^٣).
ولم تتوانى الحملات الآثارية عن ذلك، فأرسلوا بعثات متوالية؛ لبدء التنقيب في أراضي المسلمين، وإحياء الآثار الوثنية والجاهلية القديمة، حيث يزودون كل بلد الانتماء المناسب لأرضه؛ لذبذبة الولاء للإسلام، وتفكيك وحدة المسلمين، وإشعال النعرات القومية والوطنية، فتكون العراق بابلية،
_________________
(١) يُنظر: دور أهل الذمة في إقصاء الشريعة الإسلامية، لماجد المضيان (٣٤٥).
(٢) يُنظر: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر (١٣١).
(٣) الشرق الأدنى ومجتمعه وثقافته، لكويلر ينج، نقلًا من واقعنا المعاصر (١٨٨).
[ ٢٥٠ ]
ومصر فرعونية، ولبنان فينيقية، ونحو ذلك (^١).
حتى انجرف ولاء بعض المسلمين لها شيئًا فشيئًا، وأصبح من الشعوب المسلمة من يفتخر بانتمائه الجاهلي أكثر من اعتزازه بالإسلام، ثم يتحول ذلك إلى صراع وعصبية بين القوميات، فهذه قومية فرعونية، وتلك بابلية والأخرى فينيقية وغيرها من القوميات الجاهلية (^٢).
فصار إحياء الآثار القديمة في أرض الإسلام وبلاد المسلمين تحقيقًا لخطط الأعداء، الذين يسعون جاهدين لإقناع كل دولة مسلمة بأن لها كيانًا قائمًا بذاته منذ أقدم العصور، والعمل على جعل مناط الولاء والبراء هو الانتماء إلى الثقافات التي يُلحق بها الاكتشاف الأثري (^٣)، الذي به يتحقق إحياء القوميات الوثنية والجاهلية بين المسلمين.
فظاهر دعواهم إحياء الآثار، والمحافظة عليها؛ لمعرفة التاريخ القديم لكل إقليم، وإبراز الحضارات العريقة له، والتقدّم والتطور العلمي الذي كانوا يتحلون به، ومن ثم عرضها في المتاحف، واستثمارها ماديًّا واقتصاديًّا.
وباطنها إحياء الشرك والوثنية التي يعيشها الكفار ليل نهار، وتحقيق أهداف خفية خبيثة من الاستيلاء على الأراضي، أو إحياء النعرة العرقية بين المسلمين؛ حتى يتفرقوا فتنشأ بينهم العصبيات القومية، والجاهلية، والعداوات، والحروب، وتتحقق مطامعهم في الشرق الإسلامي.
وللأسف تحقق قدر كبير من أهدافهم بنبش عمق الأراضي؛ لاستخراج الآثار، والنظر في تاريخ الأقاليم، فأصبح كلٌّ منهم يفخر بتاريخه الجاهلي الوثني متناسيًا انتماءه للإسلام الذي ينافي الوثنية والجاهلية وينقضها.
كفخر بعض المصريين بأنهم أحفاد الفراعنة، وبعض اللبنانيين بأنهم أحفاد الفينيقيين، وبعض العراقيين بأنهم أحفاد البابليين وغيرهم (^٤).
_________________
(١) يُنظر: براءة الصحابة الأخيار من التبرك بالأماكن والآثار (٦٣٦).
(٢) تهافت العلمانية في الصحافة العربية، للبهنساوي (١٧٥).
(٣) يُنظر: دور أهل الذمة (٣٤٥).
(٤) يُنظر: براءة الصحابة الأخيار (٦٣٦)، دور أهل الذمة (٣٤٣).
[ ٢٥١ ]
فإحياء تلك الآثار مثل إحياء قوم نوح ﵇ للأوثان.
ولا شك أن الأصل في سعيهم الحثيث لنبش الآثار هو عبادة غير الله ﷾؛ لأنهم يأنفون من توحيد رب العالمين، وإخلاص العبادة له ﷻ، لهذا تجدهم يبحثون عما بحث عنه الشيطان من الأصنام، لما أخرجها لعمرو بن لحي من تحت رمال شاطئ جدة؛ حتى عبدها من عبد من مشركو العرب، فهؤلاء الكفار الذين احتلوا بعض بلاد المسلمين، هم أولياء الشيطان وأعوانه، فلا غرْو أن يستخدمهم لهذا الغرض.
وفي ظل تلك المؤشرات نجد أن مخلفات الأمم التي مضت، والتحريات الحديثة لها، بعيدة كل البعد عن التطوّر المادي، أو التقدّم العلمي، وما ينادونها به من حضارة؛ بل هي رجعية يحيطها ظلام الجهل.
وأكبر دليل على تخلّفها وجهلها وضلالها: الانحطاط العقدي، والطقوس الوثنية التي كانوا متمسكين بها؛ كخضوعهم للصخور، وعبادتهم للحيوانات، والأشجار، وغيرها من الأشياء التي يستحيل على العاقل الموفّق التصديق على أنها آلهة.
كما نفى بعض السلف عن المشركين أن يكون لهم عقول!
يقول الإمام حرب الكرماني ﵀: قلتُ لإسحاق ﵀: فالرجل يقول للمشرك إنه رجل عاقل؟ قال: لا ينبغي أن يقال؛ لأنه ليست لهم عقول (^١).
والآثار المعنية في هذا المبحث: هي المعالم المرئية الباقية من الأمم الوثنية السابقة.
ففي هذا المبحث سأتناول إن شاء الله بعضًا من الآثار الوثنية والجاهلية، الموجودة في بعض بلاد المسلمين، والتي قد يفخر وينتسب إليها بعض المسلمين.
_________________
(١) مسائل حرب الكرماني (٢/ ٨٨١).
[ ٢٥٢ ]
ويظنون أن حضارة أي أمة من الأمم بما تخبئه أرضها من قلاع وحصون وصور ونصب وتماثيل، وغير ذلك من آثار الأمم التي سبقتهم والتي جعلوها مقياسًا للحضارة.
متناسين عبودية المخلوقات التي كانت سائدة آنذاك؛ وما تشير إليه القرائن من علو طبقة على أخرى، الذي جاء الإسلام بهدمه ونقضه، وتحرير الإنسان من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق، وهذه الحرية الحقيقية التي كفلها الإسلام للإنسان (^١).
فلأجل ذلك نجد أن الآثار الوثنية والجاهلية القديمة اشتملت على أشكال وألوان من الانحرافات العقدية التي أصابت البشرية في حقبة من الزمن، والتي فيها فشا الجهل وبرز التخلّف وساد الضلال وعمّ.
ولست أقصد في هذا المبحث استقصاء جميع الآثار الوثنية، والجاهلية التي كانت من قبل، ولكن سأشير إلى أبرزها، والتي سيكون بسطها في المطالب التالية:
المطلب الأول: الآثار الفرعونية.
المطلب الثاني: الآثار الفينيقية.
المطلب الثالث: الآثار البابلية.
المطلب الرابع: الآثار الجاهلية.
المطلب الخامس: حكم إحياء الآثار الوثنية والجاهلية.
* * *
_________________
(١) يُنظر: دور أهل الذمة (٣٤٦).
[ ٢٥٣ ]