المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار البابلية وتسبب في إخراجها.
المسألة الثالثة: أمثلة على الآثار البابلية الموجودة حاليًّا.
المسألة الأولى: التعريف بالبابلية ومعتقداتهم:
تقع بابل (^١) في العراق جنوب بغداد، أسفل ملتقى النهرين على ضفة الفرات اليسرى (^٢)، الذين يرجع تاريخهم إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد (^٣).
وجاء ذكر بابل في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ أي: أن الله ﷾ امتحن الناس آنذاك بالملكين الكائنين بأرض بابل في العراق، بتعلّم السحر منهما فمن نجاه الله منهما سعِد بالإيمان ونجا من الكفر، ومن انقاد لهما وانفتن بتعلّم السحر شقي بالكفر، فيزداد المعلمان بالتعليم عذابًا، حيث فيه ابتلاء المعلم والمتعلّم (^٤).
_________________
(١) بابل لفظة يونانية مصحفه عن باب إيلو ومعناها: باب الرب، أو بيت الرب. يُنظر: العراق قديمًا وحديثًا، لعبد الرزاق الحسني (٨١)، الذخائر الشرقية، لكوركيس عواد (١٨).
(٢) يُنظر: دراسات في تاريخ الشرق الأدنى القديم، لأحمد أمين سليم (٣٠٣)، المنجد، للويس معلوف (١٠٠).
(٣) يُنظر: العراق قديمًا وحديثًا (٨١)، والتراث الجغرافي (١٣).
(٤) يُنظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، للثعلبي (١/ ٢٤٥)، تيسير الكريم الرحمن (٦١).
[ ٢٧١ ]
وأيضًا جاء عن بعض المفسرين أن بابل هي الأرض التي خسف الله بها النمرود (^١)، وسميت بابل؛ لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح النمرود؛ أي: تفرقها مِنَ الفزع (^٢).
فدلّ ما سبق على أن بابل كانت أرض: السحر، والخسف.
أبرز المعتقدات الوثنية، والخرافات الجاهلية التي كانت سائدة عند البابلية، ما يلي:
١ يعتقدون ارتباط الظواهر الطبيعية بالقوى الإلهية (^٣)، مما أدى إلى ظهور جملة من الطقوس الدينية الخرافية التي سيطرت عليهم، من تعدد الآلهة التي تجاوزت الألفي إله (^٤).
فتعلقوا بعبادة الأجرام السماوية، وخاصة الشمس، والقمر والكواكب، ومظاهر الطبيعة؛ كالماء والهواء والنور والظلام وغيرها، ولكل إله اسم معيّن، ومهام ووظائف يقوم بها بزعمهم (^٥).
مثل: مردوك ويقال: مردوخ وهو الإله الأعظم لبابل، الذي يزعمون أنه يحيي الموتى (^٦)، وعشتار التي يقولون بأنها أم مردوك،
_________________
(١) يُنظر: جامع البيان (٤/ ٥٦٨)، تفسير القرآن العظيم، لابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٥٣)، فتوح البلدان، لأحمد البَلَاذُري (٢٦٩) والنمرود هو: نمرود بن كنهان بن كوش بن سام بن نوح، ملك بابل، استمر في ملكه (٤٠٠) سنة، طغى وبغى، وتجبر وعتا، وآثر الحياة الدنيا، ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له، حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الرب وادعى لنفسه الربوبية، فحاجه إبراهيم الخليل ﵇ فبهت وعاند واستكبر. يُنظر: تاريخ الأمم والملوك، لابن جرير الطبري (١/ ١٢٧ - ١٤٤).
(٢) يُنظر: تفسير القرآن العظيم، لابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٥٣)، معالم التنزيل، للبغوي (١/ ١٤٨)، الهداية إلى بلوغ النهاية، لأبي محمد القيسي (٦/ ٣٩٧٧).
(٣) يُنظر: عشتار ومأساة تموز، لفاضل عبد الواحد (٢٠).
(٤) يُنظر: التفسير الديني في المعتقدات العراقية والمصرية القديمة، لصالح القريشي (١١).
(٥) يُنظر: تاريخ العلاقات العراقية المصرية، لداود سلمان (٢٦)، نقلًا من التفسير الديني في المعتقدات العراقية والمصرية القديمة، لصالح القريشي (١٣)، ومعالم حضارات الشرق الأدنى القديم (٢١٦ - ٢١٧).
(٦) يُنظر: بلاد ما بين النهرين، لديلا بورت (١٤٣ - ١٤٤).
[ ٢٧٢ ]
ويعتقدون بأنها آلهة التناقض الحرب والحب ويرمزون لها بشعار النجمة الثُمانيّة (^١)، وإله الشمس الذي يزعمون أنه القاضي الأعظم الذي أملى قوانين العدالة على الملوك، وإله القمر الذي يزعمون أنه يقيس الزمن، ويعاقب المذنبين من الملوك بقضاء حياتهم في التأوهات والدموع (^٢)، وغيرها كثير من التماثيل والأصنام التي كانوا يعبدونها.
حيث كان لكل مدينة عراقية إله يختص لها يُرمز لها (^٣)، وأيضًا كان لكل أسرة آلهتها المنزلية التي تقام إليها الصلاة في المناسبات، وتقدّم لها القرابين (^٤).
وقد قيل: ليس في الوثنيات القديمة أغنى في الخرافة من البابلية (^٥).
٢ يعتقدون قدرتهم على التأثير في مظاهر الطبيعة، وتسخيرها بالسحر، والتي تعتبر من أصول عبادتهم، إذ إن رجل الدين الأول: هو الساحر، والثاني: المنجم والعرّاف (^٦).
ويقول كثير من المؤرخين أن البابليين هم الذين أسسوا وأنشأوا علم الفلك والتأثير التنجيم (^٧)، فكانوا لا يجرؤن على البتّ في أمر من الأمور، أو الإقدام على مشروع، إلا إذا استعان بكاهن أو عرّاف؛ ليقرأ طالعه بطريقة من طرق الشعوذة السحرية الخفية (^٨).
فاهتموا بتدوين الملاحظات على الأجرام السماوية اعتقادًا منهم أن لها تأثيرًا على طبائع البشر، والتكهن بمصائرهم (^٩).
_________________
(١) يُنظر: الحضارة البابلية (٦٣).
(٢) يُنظر: معالم حضارات الشرق الأدنى القديم (٢١٧).
(٣) يُنظر: العراق في موكب الحضارة، لسامي الأحمد (١/ ١٤٤).
(٤) يُنظر: قصة الحضارة، لول وايريل ديورانت (٢١٤)، العبادات في الأديان السماوية، لعبد الرزاق الموحي (٢٧).
(٥) يُنظر: قصة الحضارة (٢٢٧).
(٦) يُنظر: بلاد ما بين النهرين، لديلا بورت (١٥١ - ١٥٤).
(٧) يُنظر: معالم حضارات الشرق الأدنى القديم (٢٥٠).
(٨) يُنظر: قصة الحضارة (٢٢٧).
(٩) يُنظر: معالم حضارات الشرق الأدنى القديم (٢٥٠). ومما يجدر الإشارة إليه والتنبيه إلى ما انتشر في زماننا من التهاون في مسألة الأبراج وقراءاتها، يقول الشيخ العلامة صالح آل الشيح حفظه الله محذرًا: وإذا قرأ هذه الصفحة وهو يعلم برجه الذي ولد فيه، أو يعلم البرج الذي يناسبه، وقرأ ما فيه، فكأنه سأل كاهنًا، فلا تقبل له صلاة أربعين يومًا، فإن صدق بما في تلك البروج فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ، وهذا يدلك على غربة التوحيد بين أهله. التمهيد لشرح كتاب التوحيد (١/ ٤٩٠).
[ ٢٧٣ ]
ويعتقدون أن الأمراض تسببها الأرواح الشيطانية الشريرة، فيلجؤون إلى آلهة الطب، والتي رمزوا لها بعصا ملتفٌ حولها حية أو حيتان، حيث تعتبر الحية باعتقادهم قادرة على تجديد شبابها؛ لأنها تخلع جلدها فيعود إليها الشباب.
كما أنهم يلجؤون إلى الأطباء الذين كانوا غالبًا من الكهنة، ويدّعون علاجهم بالطلاسم، والتمائم (^١) كوضع قلادة من حجارة صغيرة تُسلك في خيط وتعلق على العنق، وما إليها من الرقى والتعاويذ؛ لاسترضاء الآلهة على حد زعمهم والحصول على مساعدتها في شفاء المرضى (^٢).
لأجل ذلك نجد أن أكثر الألواح التي عثروا عليها في أرض بابل مكتوب عليها بحروف مسمارية (^٣) طلاسم وصيغ سحرية؛ بحجة طرد الشياطين، وتكهنات وتنبؤات بالغيب، وقوائم في الفأل السماوي منه والأرضي (^٤).