المسألة الثانية: من سعى في إحياء الآثار الفرعونية وتسبب في إخراجها.
المسألة الثالثة: أمثلة على الآثار الفرعونية الموجودة حاليًّا.
المسألة الأولى: التعريف بالفراعنة ومعتقداتهم:
الفراعنة هو لقب لحكَّام مصر القدامى، الذين يرجع تاريخهم إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد (^١)، القاطنين على ضفاف نهر النيل، في الشمال الشرقي لأفريقيا (^٢)، والمعروفة الآن بجمهورية مصر العربية.
أما عن أبرز المعتقدات الوثنية، والخرافات الجاهلية التي كانت سائدة عند الفراعنة، ما يلي:
١ خلود الروح، والحياة الأبدية، فيما وراء هذا العالم، وهذا ما كان يشغلهم، حيث دفعهم إلى الابتكار والبناء، والعمارة، والهندسة، والتشييد للأهرامات، وعلوم الطب للتحنيط (^٣)، وغيرها من العلوم التي برزوا فيها
_________________
(١) يُنظر: تطور الفكر الغربي، لمجموعة مؤلفين (٢٧). ملحوظة: يختلف تحديد تاريخ الفراعنة وزمن وجودهم من كتاب لآخر، نظرًا لغموض المدة، فحسابها مجرد تخمين، وهو ظني لا يقيني، والمتداول بين الناس على أن تاريخها يعود إلى عام (٧٠٠٠ ق. م.) غير صحيح، حيث إن معظم المؤرخين متفقين على أن تاريخ مصر يعود إلى عام (٣٢٠٠ ق. م.). يُنظر: لغز الحضارة الفرعونية، لسيد كريم (٨).
(٢) يُنظر: التراث الجغرافي، لرنده اللباييدي (١٠).
(٣) يُنظر: اليوم الآخر في الأديان السماوية والديانات القديمة، ليسر محمد (٢٩)، وتطور الفكر الغربي (٢٧).
[ ٢٥٤ ]
لتحقيق هدف مستحيل، وفشلوا في تحقيقه وهو: الخلود والبقاء.
ولا شك أن المخلوقات كلها فانية، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ *﴾ [الرحمن].
فلما رأوا ملوكهم يموتون وتخرج أرواحهم دون جدوى من محاولاتهم، قالوا بأن الأرواح بعد الموت تحتاج إلى ما يحتاج إليه الحي، فمن هنا كان النداء إلى القرابين الغذائية، التي ترافقها الطقوس الشركية (^١).
فوضعوا بجوار الموتى في قبورهم أدوات الصيد؛ كالسكين، والمكشط، وما إلى ذلك؛ ظنًّا منهم بأن الأموات يصطادون، ويذبحون طرائدهم، ويقاتلون أعداءهم (^٢).
٢ عقيدة تناسخ الأرواح، وذلك بأن الروح تعود بعد الموت، فتقيم في المومياء وفي التماثيل، وتظل تتردد من مكان إلى مكان ولا تعود إلى الإنسان في قبره إلا بعد أن يجتاز الحساب (^٣).
٣ تعدد المعبودات الوثنية وتنوعها؛ لتأثر أهل مصر القدامى بالظواهر الطبيعية، والكائنات المحلية (^٤)، فاتخاذهم للآلهة يرجع إلى شعورهم اتجاه الشيء بالحب والولاء، والخوف والرهبة، فيقدسونه ويعبدونه جهلًا وظنًّا منهم بأنه يرضى عنهم فيجنبهم أذاه، وينفعهم ويحميهم، ويعطيهم ويأخذ منهم (^٥).
فكانوا يؤلهون كل من له قوة أو صفة؛ بحجة أن له القدرة على إكسابهم القوة والصفة التي يمتلكها إذا تقربوا إليه وطلبوها منه، ولم يكن لديهم ما يمنع
_________________
(١) يُنظر: تاريخ الحضارات العام، الشرق واليونان القديمة، لمجموعة مؤلفين (١٠٨)، اليوم الآخر في الأديان السماوية والديانات القديمة (٢٩).
(٢) يُنظر: اليوم الآخر في الأديان السماوية والديانات القديمة (٣٤).
(٣) يُنظر: تطور الفكر الغربي (٢٧)، دراسات في الأديان الوثنية القديمة، لأحمد عجيبة (٨٥)، اليوم الآخر في الأديان السماوية والديانات القديمة (٣٠).
(٤) كعبادتهم للحيوانات: «العجل التمساح النسر البقرة الوزة الكبش القط الكلب الدجاجة الأفعى». يُنظر: دراسات في الأديان الوثنية القديمة (٨٥).
(٥) يُنظر: معالم حضارات الشرق الأدنى القديم، لمحمد أبو المحاسن عصفور (٦٤ - ٦٦)، دراسات في الأديان الوثنية القديمة (٨٥).
[ ٢٥٥ ]
من تقديس الظواهر الطبيعية إلى جانب الكائنات المحلية، فيرون تقديس كلًّا من الشجر لاتصافه بالثبات والدوام والاستمرار، والثور لقدرته على الإنتاج والذرية، واللبوة؛ لأنها تمثل البطش والقوة، وكذلك الإنسان يرون أن له قوة جسمانية فيكون له نصيب من التأليه، حيث إنهم ينحتون على الصخور جسم إنسان برأس حيوان، كالصنم «خنوم» رأس كبش بهيئة جسم إنسان، الذي يعتبرونه الآلهة التي تصور الأجنة، وغيرها من الأصنام والتماثيل التي يعتقدون أن لها القدرة على القيام بمهام التصرّف والتدبير فيعبدونها، ويطلبون منها حاجتهم (^١).
وكذلك من الظواهر الطبيعية أنهم عبدوا الشمس؛ لاعتقادهم أنها طائر بازيٌّ (^٢) في عرض السماء، فنحتوا قرص شمس مجنحًا، ونصبوه على الهرم الكبير كرمز مقدس له، وعبدوه، وكذلك كانوا يعبدون النيل ويقربون له القرابين والهدايا! (^٣).
ومن الملاحظ أن الديانة المصرية القديمة ظلت تتنقل في الشرك والانحراف من آلهة إلى أخرى، فكانت تعبد وتألّه شيئًا واحدًا، ثم ثلاثة، ثم تسعة، ثم ضُوعف حتى بلغ عددهم المائة وتجاوزوها! (^٤)
فلما تعددت التماثيل وُزِّعت على المدن، فأصبحت تختلف معبودات كل مدينة عن الأخرى، وتنوعت أسماؤهم ما بين اسم لملك، أو صفة لكوكب، أو تعظيم لظاهرة طبيعية، أو تقديس لحيوان أو طير، حتى آل الأمر لبعض سكان المدن إلى عبادة ملوكهم بعد وفاتهم معتقدين بأن أرواحهم صعدت إلى السماء وأصبحوا آلهة تتصرف في أهل الأرض (^٥).
_________________
(١) يُنظر: معالم حضارات الشرق الأدنى القديم (٦٥).
(٢) بازي: جنسٌ من الصُّقور الصَّغيرة أو المتوسِّطة الحجم، من فصيلة العُقاب النَّسْرية. يُنظر: لسان العرب (٥/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٣) يُنظر: العصور القديمة، لجايمس هزي براستد (٤٩ - ٤٠).
(٤) يُنظر: التفسير الديني في المعتقدات العراقية والمصرية القديمة، لصالح القريشي (١٧). ولمعرفة المزيد عن أسماء وأوصاف الآلهة والخزعبلات التي كانوا يعبدونها، يُراجع: الديانة المصرية القديمة، لياروسلاف تشرني (٢٢٣ - ٢٤٠).
(٥) يُنظر: التفسير الديني في المعتقدات (١٨)، ودراسات في الأديان الوثنية القديمة (٩١).
[ ٢٥٦ ]
كما هو الحاصل في معبد «سيتي الأول» فإلى جانب هياكل الآلهة السبعة أضافوا هيكلًا ثامنًا لعبادة الملك «سيتي»؛ أي: بعد أن مات أصبح إلهًا (^١).
وقد علّل أحد الدارسين للأديان القديمة أن الآثار تدله إلى أن الفراعنة لم يقدسوا الحيوانات لذاتها، وإنما قدسوها لحلول أرواح الآلهة فيها (^٢).
ولا شك أن اعتقاداتهم كلها باطلة، وفساد ما كانوا عليه يلوح للمسلم البصير بأدنى نظر.