المسألة الثانية: هلاك قوم نوح ﵇.
المسألة الثالثة: سفينة نوح ﵇ وأثرها.
المسألة الأولى: لمحة عن دعوة نبي الله نوح ﵇ لقومه:
أول رسول أرسله الله ﷻ إلى أهل الأرض: نوح ﵇ وهو أحد أولي العزم من الرسل، لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا *﴾ [الأحزاب].
وأثنى الله عليه في القرآن بقوله ﷻ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا *﴾ [الإسراء]، وأيضًا استجاب الله دعوته ونجاه من الكرب، وجعل في ذريته النبوة والكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ *وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ *وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ *﴾ [الصافات].
وما صَبَرَ أحدٌ في طول مدة دعوته إلى الله صَبْرَ نوح ﵇ وثَبَتَ ثباتُه، فقد مكث ﵇ يدعوا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما آمن معه إلا قليل، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عن الشرك به ﷾، ويبدي فيهم ويعيد، يدعوهم سرًّا وجهارًا، ليلًا ونهارًا، وهم لا يزدادون إلا
[ ٢٠٢ ]
عتوًّا ونفورًا (^١).
فخلّد الله ﷻ ذكره في القرآن الكريم، وذُكرت قصته في كثير من السور (^٢)، وسميت سورة من المفصل باسمه ﵇ «سورة نوح»، وذُكر أيضًا ﵇ بآيات مع ذكر الأنبياء، وذكر قومه مع مجمل الأمم في سور أُخر (^٣).
رُوي عن جماعة من السلف أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون (^٤) كلهم على ملة الحق، وأن الكفر بالله إنما حدث في القرن الذين بُعث إليهم نوح ﵇ (^٥).
حيث كان قبل بعثة نبي الله نوح ﵇ رجالٌ صالحون لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا، زيّن الشيطان لأتباعهم الذين كانوا يقتدون بهم، أن يحيوا آثارهم ويصوروا صورهم، ثم نصبوا في مجالسهم التي يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم: ودًّا وسواعًا ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا؛ لتُذكرهم بهم وينشطوا على الطاعة إذا رأوها بزعمهم، وتكون عونًا لهم على عبادة الله، ففعلوا ولم تعبد في أول الأمر، لكن لما مات أتباعهم، ثم طال الأمد، ونُسي العلم، وقلّ التوحيد، وجاء آخرون، دب إليهم إبليس وقال لهم: إن أسلافكم إنما كانوا يعبدونهم، ويتوسلون إليهم، وبهم يسقون المطر، فأطاعوه
_________________
(١) يُنظر: جامع البيان (١٢/ ٣٩٤)، تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٤/ ٣٢١)، البداية والنهاية (١/ ١١٢ - ٣٥٥).
(٢) ذكرت قصة نوح ﵇ وقومه في سورة: الأعراف (٥٩ - ٦٤)، يونس (٧١ - ٧٣)، هود (٢٥ - ٤٩)، الأنبياء (٧٦ - ٧٧)، المؤمنون (٢٣ - ٣٠)، الشعراء (١٠٥ - ١٢٢)، العنكبوت (١٤ - ١٥)، الصافات (٧٥ - ٨٢)، القمر (٩ - ١٧).
(٣) يُنظر: سورة آل عمران (٣٣)، النساء (٦٣)، الأنعام (٨٤)، التوبة (٧٠)، إبراهيم (٩)، الإسراء (٣)، مريم (٥٨)، الحج (٤٢)، الفرقان (٣٧)، الأحزاب (٧)، سورة ص (١٢)، غافر (٥ - ٣١)، الشورى (١٣)، سورة ق (١٢)، الذاريات (٤٦)، النجم (٥٢)، الحديد (٢٦)، التحريم (١٠).
(٤) عشرة قرون: المراد بالقرن الجيل أو المدة على ما سلف، قال الحافظ ابن كثير: المراد بالقرن مائة سنة، فبينهما ألف سنة لا محالة. يُنظر: الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد (٢٠/ ٤٠ - ٤١).
(٥) تاريخ الأمم والملوك، للطبري (١/ ١١١).
[ ٢٠٣ ]
وألهوهم، وعُبدت الأصنام، فوقع الشرك (^١).
فكان هدفهم الأول في إحياء آثارهم أن يتذكروهم؛ فينشطوا ويزدادوا من الطاعات، وفعل الخيرات، لكن سرعان ما تحوّل إحياء آثارهم، والاهتمام بهم إلى تعظيم وتقديس، حتى غلوا وجاوزوا الحد في العناية، ووصلوا إلى التأليه والعبادة نسأل الله السلامة والعافية حتى حصلت النتيجة الوخيمة وهي الوقوع في الشرك؛ الذي كان سببه التدرج بالانحراف، والتهاون بوسائل الشرك وذرائعه.
فلما انتشر في الأرض الفساد، وعمّ البلاء بعبادة الأصنام، وشرع الناس بالضلال والغي، أرسل الله عبده ورسوله نوح ﵇ يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه، وكان ﵇ أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض (^٢).
فكان نبي الله نوح ﵇ أول رسول أرسله الله ﷻ لإبطال الشرك، وإقامة الحجة على المشركين؛ لتذكيرهم بنعم الله ووجوب شكرها، ودلالتهم على سوء مغبة الشرك ولزوم التبري منه، ولكن القوم غلب عليهم هوى الشرك، ففقدوا رشدهم، ولم يفقهوا دعوة نبيّهم، واجتهدوا في الدفاع عن وثنيتهم بما هو خارج عن موضوع النزاع (^٣).
كما قال الله ﷾ حكاية عن قوم نوح ﵇: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ *أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ *فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ *﴾ [هود]، فكانوا يردون دعوته بحجة أنه بشر، وأنه ما آمن به
_________________
(١) يُنظر: البداية والنهاية، لابن كثير (١/ ١١٩) وتيسير الكريم الرحمن (٨٨٩).
(٢) كما ثبت في الصحيحين في حديث الشفاعة الطويل، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا قال: «… فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا …» أخرجه البخاري في صحيحه كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (٤/ ١٣٤/ ح ٣٣٤٠).
(٣) يُنظر: رسالة الشرك ومظاهره، لمبارك الميلي (١/ ١١٢).
[ ٢٠٤ ]
منهم إلا الأراذل والسفلة بزعمهم، وأنه ليس بأفضل منهم حتى ينقادوا لأمره ﵇ (^١)، ورموه بالكذب (^٢)، واتهموه بالجنون (^٣)، والضلال المبين (^٤)، ولا شك أن زعمهم باطل، وقولهم فاسد.
قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ معلقًا على زعمهم الباطل لأتباع نبي الله نوح ﵇: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾: وهم في الحقيقة الأشراف، وأهل العقول، الذين انقادوا للحق ولم يكونوا كالأراذل، الذين يقال لهم: الملأ الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟ (^٥).
وكان فعلهم أعجب من قولهم فقد كانوا يرفعون ثيابهم ويغطون بها رؤوسهم، ويضعون أصابعهم في آذانهم إذا سمعوه يدعوهم إلى الله ﷻ؛ لئلا ينفذ إليهم كلام الحق؛ ولئلا ينظروا إلى الرسول الكريم ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا *﴾ [نوح].
واستمروا على هذا الضلال حتى فشا فيهم الكفر والطغيان، وأشركوا بالله، وأصبح السابق يوصي اللاحق بالتمسك بآلهتهم، وعدم ترك عبادة الأوثان، قائلين لهم:
﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا *﴾ [نوح]، فتمسكوا بضلالهم وتواصوا به، فلم يستجيبوا لدعوة نبي الله نوح ﵇ مع قوة حجته، وطول مدته (^٦).
فدعوة نبي الله نوح ﵇ لاقت قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًّا، وأعينًا عميًا،
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (٣٨٠).
(٢) يُنظر: تيسير الكريم الرحمن (٣٨٠)، رسالة الشرك ومظاهره، لمبارك الميلي (١/ ١١٢).
(٣) يُنظر: سورة يونس، آية: (٧٣).
(٤) يُنظر: سورة القمر، آية: (٩).
(٥) يُنظر: سورة الأعراف، آية: (٦٠).
(٦) يُنظر: رسالة الشرك ومظاهره، لمبارك الميلي (١/ ١١٢).
[ ٢٠٥ ]
فكان كلما طال عليهم الأمد ازدادوا كفرًا (^١).
فقد كانت سجاياهم تأبى الإيمان، واتباع الحق، ولهذا قال ﷻ: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا *﴾ [نوح] (^٢).
ثم انتهى بهم الأمر إلى استعجال نزول العذاب، وقطعوا رجاءه ﵇ في إيمانهم، فقالوا: ﴿قَالُوا يانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ *﴾ [هود] (^٣).