من الآثار الجاهلية الكعبة اليمانية التي أخبر نبيُّنا الكريم ﷺ بظهورها آخر الزمان وافتتان الناس بها، فقال ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ
_________________
(١) يُنظر: أخبار مكة، للأزرقي (١/ ١٢٠)، الروض الأنف، للسهيلي (١/ ٢١٩).
(٢) سيب السائبة: أي: نوع من بهيمة الأنعام إذا بلغت شيئًا اصطلحوا عليه، سيبوها فلا تركب ولا يحمل عليها ولا تؤكل، وبعضهم ينذر شيئًا من ماله يجعله سائبة. يُنظر: تيسير الكريم الرحمن (٢٤٦).
(٣) وصل الوصيلة: الناقة البكر، تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم، إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٣/ ٢٠٨).
(٤) بحر البحيرة: ناقة يشقون أذنها، ثم يحرمون ركوبها. تيسير الكريم الرحمن (٢٤٦).
(٥) حمى الحامية: جمل يحمى ظهره عن الركوب والحمل، إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم. تيسير الكريم الرحمن (٢٤٦).
(٦) يُنظر: الأصنام، لأبي المنذر الكلبي (٨).
(٧) قصبه: أمعاءه. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (٤/ ٦٧).
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب قصة خزاعة (٤/ ١٨٤/ ح ٣٥٢١)، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٨/ ١٥٥/ ح ٢٨٥٦).
[ ٢٨٢ ]
أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ»، وَكَانَتْ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِتَبَالَةَ (^١)، وذو الخلصة (^٢): وثن كان يسمى ب الكعبة اليمانية (^٣).
وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ، وعظم افتتان أهل تبالة ومن حولهم من القبائل بذي الخلصة، وأعادوا سيرتها الأولى التي كانوا عليها في الجاهلية.
حتى ظهرت دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فدعا إلى التوحيد، وقضى على الشرك ووسائله، وجدد ما اندرس من معالم الدين.
حيث أرسل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀، حملة لهدم ذي الخلصة، فأتلفوها، وهدموا بعض بنائها، وبقي بعضه قائمًا.
وزال الافتتان بها فترة من الزمن، ثم عاد الجهال إلى ما كانوا عليه من الافتتان بها، حتى عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀، حيث أمر جماعة من المسلمين، فهدموا ما بقي من بنائها، ورموا بأنقاضها في الوادي، فعُفي بعد ذلك رسمها، وانقطع أثرها، ولله الحمد والمنة (^٤).
فالجاهلية المطلقة قد زالت ولله الحمد من بعد بعثة نبيّنا محمد ﷺ، ولا أثر فيما أعلم للأوثان والأصنام الجاهلية، ووجه إيرادها في هذا المطلب
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب تغيير الزمان حتى تعبد الأوثان (٩/ ٥٨/ ح ٧١١٦)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة (٨/ ١٨٢/ ح ٢٩٠٦).
(٢) وقد تباينت الروايات، وتعددت الآراء حول تعيين صنم ذي الخلصة من حيث مكانه والقبائل التي كانت تعظمه، لمعرفة الروايات التي جاءت في تعريف ذي الخلصة يُراجع: أخبار مكة، للأزرقي (١/ ١٢٤)، الأصنام، لأبي المنذر الكلبي (٣٤ - ٣٦)، سيرة ابن هشام (١/ ٨٦)، سبل الهدى والرشاد، لمحمد الصالحي الشامي (٦/ ٢٤٤)، معجم البلدان، لياقوت الحموي (٢/ ٣٨٣)، صفة جزيرة العرب، للهمداني (١٢٧)، الأغاني، للأصبهاني (٩/ ١١١)، لسان العرب، لابن منظور (٧/ ٢٩)، تاج العروس، للزبيدي (١٧/ ٥٦١)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ١١٣)، وللاستزادة في تحقيق المسألة يُراجع: كتاب الأحاديث الواردة في تحذير النبي ﷺ أمته من الشرك، لفهد المقرن (٥٢ - ٦٠).
(٣) يُنظر: لسان العرب (٧/ ٢٦).
(٤) يُنظر: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، لحمود التويجري (٢/ ٢٢٥).
[ ٢٨٣ ]
من باب الاحتراز والحذر والتحذير منها، فإذا عرفها المسلمون؛ أصبح لديهم منعة وحصانة؛ لتجنبها، وأما إذا جهلوها يُخشى عليهم من العودة إلى الشرك والافتتان به (^١).
كما قال بعض السلف: يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية (^٢).
وأيضًا كما قيل:
عَرَفتُ الشَرَّ لا لِلشَّر لَكِن لِتَوَقّيهِ
وَمَنْ لَم يَعرِفِ الشَّرَّ مِنَ الخَيرِ يَقَع فيهِ (^٣)
ومن جهة أخرى إذا عُرفت الجاهلية، عُرف في المقابل فضل الإسلام (^٤)، وكما قيل:
الضِّدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِّدُّ
وبِضِدِّها تتبيّنُ الأشياءُ (^٥)
ولكن قد يظن بعض الناس أن الشرك قد زال وأنه لا رجعة له بسبب انتشار العلوم واستنارة العقول بها، وأن جناب التوحيد محمي ولا تضره وسائل الشرك!
وهذا ظن باطل، إذ إن الواقع يخالفه، والشرك على اختلاف أنواعه ومظاهره لا يزال ضاربًا أطنابه في أكثر بقاع الأرض، ولا سيما في بلاد الغرب عقر دار الكفر، ومن أبرز ما يظهر للعيان انتشار التماثيل بينهم، وإن مما يُؤسَفُ له أن هذه الظاهرة قد أخذت تنتشر رويدًا في بعض البلاد
_________________
(١) يُنظر: شرح مسائل الجاهلية، لصالح الفوزان (١٥ - ١٦).
(٢) يُنظر: منهاج السُّنَّة النبوية، لابن تيمية (٢/ ٣٩٨).
(٣) ديوان أبي فراس الحمداني (٣٥٢) بتصرف يسير.
(٤) يُنظر: شرح مسائل الجاهلية، لصالح الفوزان (١٦).
(٥) يكثر تداول هذين البيتين مع أنهما ملفقين، وهما عبارة عن شطرين كل شطر لشاعر مختلف. فقوله: «فالضد يظهر حسنَه الضدُّ» هذا بيت للمنبجي من قصيدته «اليتيمة». أما قوله: «وبضدها تتبين الأشياء» فهذا بيت للمتنبي في قصيدة يُثني بها ويمدح أحد المتنسكة الذين مالوا إلى التصوف نسأل الله السلامة والعافية. يُنظر: الوساطة بين المتنبي وخصومه، للجرجاني (٢٧٨)، المنصف للسارق والمسروق منه، لابن وكيع (٥٨٤)، شرح ديوان المتنبي، للعكبري (١/ ٢٢). وقد نبه وألمح لهذا الشيخ صالح آل الشيخ في شرحه مسائل الجاهلية.
[ ٢٨٤ ]
الإسلامية! (^١).
ومما أخبر به رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم من آثار مروية تدل على ظهور الشرك آخر الزمان، ما يلي:
١ قال رسول الله ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ» (^٢)، المذكور آنفًا.
٢ قال رسول الله ﷺ: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاَّتُ وَالْعُزَّى. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ *﴾ [التوبة]، أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا. قَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ ما شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيَبْقَى مَنْ لا خَيْرَ فِيهِ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ» (^٣).
٣ قال رسول الله ﷺ: «… وَلَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ …» (^٤).
٤ قال رسول الله ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللهُ اللهُ» (^٥).
_________________
(١) يُنظر: موسوعة العلامة الألباني في العقيدة (٢/ ٢٣٦ - ٢٤٠)، وكذلك تحذير الساجد (١٥٥ - ١٦١).
(٢) سبق تخريجه راجع فضلًا (٢٨٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة (٨/ ١٨٢/ ح ٢٩٠٧).
(٤) أخرجه الحاكم في مستدركه، كتاب الفتن والملاحم، إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة (٤/ ٤٤٩/ ح ٨٤٨٤)، والنسائي في الكبرى، كتاب عشرة النساء، فضل نفقة المرأة وكسوتها (٨/ ٢٧٠/ ح ٩١٣٨)، وأبو داود في سننه، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها (٤/ ١٥٧/ ح ٤٢٥٢)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (٣/ ١٤٨٨).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ذهاب الإيمان آخر الزمان (١/ ٩١/ ح ١٤٨).
[ ٢٨٥ ]
وهناك آثار نبوية حديثية مروية كثيرة تدل دلالة قاطعة على أن الشرك واقع في هذه الأمة، ولعل ما أوردته هنا يكفي لإثبات عودة الشرك آخر الزمان كما سيأتي تفصيل ذلك (^١).
قال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀: أن هذه الأمة ستبتلى بما ابتليت به الجاهلية من عبادة القبور والأحجار، والتبرك بها وهذا حصل، وقاله ﵇ إخبارًا بأنه سيقع، فحذر منه.
وأن الواجب هو الثبات على عبادة الله وحده كما فعل الأنبياء ﵈ (^٢).
فإذا كان الأمر كذلك فيجب على المسلمين أن يبتعدوا عن كل الوسائل والأسباب التي قد تؤدي بهم إلى الشرك (^٣).
* * *
_________________
(١) للوصول إلى هذه المسألة والرد على شبهة ادعاء الأمن من الشرك، وادّعاء عدم عودته، انتقل فضلًا (٤٤٧).
(٢) شرح كتاب التوحيد (١/ ٤١٤).
(٣) يُنظر: موسوعة العلامة الألباني في العقيدة (٢/ ٢٣٦ - ٢٤٠)، وكذلك تحذير الساجد (١٠١ - ١٢٠).
[ ٢٨٦ ]