حفظ السلف سُنَّة رسول الله ﷺ في صدورهم، ونقلوها كما سمعوها، وشاهدوها من رسول الله ﷺ.
ولقد همَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بتدوينها، ثم امتنع خشية أن تختلط بكتاب الله، واكتفى بحفظها بالصدور، والتحديث بها (^٤).
وكان المسلمون آنذاك على خير وهدى، فلما وقعت الفتنة، وساء فعل من لا خلاق لهم بالوضع في الحديث ما ليس منه، انتدب السلف للحفاظ على السُّنَّة، والذب عنها، فاتخذوا تدابير قوية، ووضعوا قواعد صلبة، بها يحفظ حديث رسول الله ﷺ من الزيادة والنقصان.
_________________
(١) يُنظر: المرجع السابق (٢/ ٣٤٥).
(٢) الاهتمام بالسنن النبوية، لعبد السلام بن برجس «مجموع مؤلفاته» (٢/ ٥٠) بتصرف.
(٣) فتح الباري، لابن حجر (١٢/ ١٩٣).
(٤) تدوين العقيدة السلفية، لعبد السلام بن برجس «مجموع مؤلفاته» (٣/ ٨) بتصرف.
[ ٥٢ ]
وكان ذلك أكبر دليل على عظم هذه الأمة وعلو شأنها، وأنها قادرة على التجديد الموافق لمقصد الشارع، فقواعد المحدثين شاهد من شواهد الجهود الجبارة في هذه الأمة، حيث وضعوا قواعد وأنظمة يعجز العصر الحديث بما فيه من تقدم وتطور في الوسائل أن يحكم كما أحكمت، وأن يتقن كما أتقنت، فرحمهم الله رحمة واسعة وجزاهم عن الإسلام والسُّنَّة خير الجزاء (^١).
وكان من تلك التدابير لحفظ السُّنَّة: تدوينها وفق قواعد متقنة، والفضل بعد الله ﷿ في هذه الخطوة المباركة يعود لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ الذي كتب إلى أئمة أهل السُّنَّة (^٢) في الآفاق: انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاجْمَعُوهُ وَاحْفَظُوهُ؛ فَإِنِّي أَخَافُ دُرُوسَ الْعِلْمِ، وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ (^٣).
فكتب قاضي المدينة أبو بكر بن حزم ﵀، ولكنه لم يُلم بجميع الأحاديث والآثار التي في المدينة، وكتب ابن شهاب الزهري ﵀، فكان هو الجامع لأكثر السُّنَّة والمدوّن لها، ثم تتابع العلماء والمحدّثون على التدوين، فقلّما تجد بلدًا من البلدان إلا وفيه عالم يجمع ويكتب (^٤).
حتى قُيّدت الآثار المروية عن الرسول ﷺ في أوائل القرن الثاني الهجري، وتتابع التدوين عبر القرون، وذلك من خلال التصانيف الكثيرة من السنن والصحاح والمسانيد والآثار المنقولة بواسطة العدل الضابط عن مثله إلى
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) تدوين العقيدة السلفية (٣/ ٩) بتصرف.
(٣) علّقه البخاري في صحيحه مجزومًا به، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم (١/ ٣١)، ويُنظر: تاريخ أصبهان، لأبي نعيم (١/ ٣٦٦)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ١٩٥).
(٤) على سبيل المثال: في مكة: ابن جريج، وابن إسحاق، وفي المدينة: سعيد بن أبي عروبة، ومالك بن أنس، وفي البصرة: حمّاد بن سلمة، وفي الكوفة: سفيان الثوري، وفي اليمن: معمر، وفي مصر: الليث بن سعد، وفي الشام: الأوزاعي، وفي واسط: هشيم بن بشير، وفي خرسان: عبد الله بن المبارك، وفي الري: جرير بن عبد الحميد. يُنظر: تدوين العقيدة السلفية (٣/ ٩) بتصرف.
[ ٥٣ ]
منتهاه، حتى يصل إلى الرسول ﷺ؛ حفظًا لها وصيانةً (^١).
فجمعوا ما سنَّه رسول الله ﷺ وما شرعه، في العقائد، والأحكام، العلمية والعملية، الواجبة والمندوبة، وقد جرى على ذلك الإمامان: البخاري، ومسلم في صحيحيهما، وغيرهما في الموطآت والجوامع (^٢) والسنن (^٣) والمسانيد (^٤) والمصنفات (^٥) التي لا يحصيها إلا الله ﷿ (^٦).
فإنهم مع نقل السُّنَّة المتعلقة بالأحكام، نقلوا السُّنَّة المتعلقة بالعقائد (^٧).
وصنفت كتب العقيدة المسندة (^٨)، التي جمعت السنن الخاصة في باب الاعتقاد، وأُفردت المسائل العقدية، وسمى بعض العلماء كتب العقيدة بالسُّنَّة؛ وذلك للتميز بين عقيدة أهل السُّنَّة، وعقيدة أهل البدعة (^٩).
وسموها كذلك باسم الشريعة؛ فسموا أصول الاعتقاد شريعة، وفرقوا بين شريعة أهل السُّنَّة، وشريعة غيرهم (^١٠).
_________________
(١) يُنظر: حكم إحياء الآثار (٥/ ٩٤).
(٢) كموطأ مالك وأصحاب الجوامع: الترمذي، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة.
(٣) أصحاب السنن: النسائي وأبو داود، وابن ماجه.
(٤) أصحاب المسانيد: الشافعي، وأحمد، وأبو قرة الزبيدي، وأبو داود الطيالسي، وابن وهب، وأحمد بن منيع، ومسدد، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن أبي عمر العدني، وبقي بن مخلد، والحميدي، والدارمي، وعبد بن حميد، وأبو يعلى الموصلي، والحسن بن سفيان، وأبو بكر البزار.
(٥) أصحاب المصنفات: حماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وكيع، وهشيم، وعبد الرزاق ..
(٦) للاستزادة: يُنظر: التسعينية، لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٣٠ - ١٤٩).
(٧) مما تضمنته كتبهم: كتاب التوحيد، والإيمان، والسُّنَّة، والقدر، وأحاديث في إثبات الصفات، وغيرها من أمور العقيدة.
(٨) كشرح اعتقاد أهل السُّنَّة للإمام اللالكائي حيث عقد بابًا: سياق ما رُوي عن النبي ﷺ في ثواب من حفظ السُّنَّة وأحياها ودعا إليها يُنظر: (١/ ٥٥ - ٧٥)، وكذلك البغوي في شرح السُّنَّة (١/ ١٨٩ - ٢٠٩)، وغيرهم كثير.
(٩) كالسُّنَّة، لعبد الرحمن بن القاسم، ولأبي سعيد أسد بن موسى، ولابن الإمام أحمد، وللخلال، وللطبراني، وللجعفي وللأثرم. للاستزادة في معرفة المؤلفات التي خدمت السُّنَّة يُنظر: تدوين العقيدة السلفية (٣/ ١١).
(١٠) كالشريعة للآجري، والإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، لابن بطة العكبري. يُنظر: المرجع السابق.
[ ٥٤ ]
فهؤلاء الأئمة الأعلام، والمحدثون الحفاظ، الذي قال فيهم أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ﵀: قوم سلكوا محجة الصالحين، واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين، بسنن رسول الله ﷺ.
قوم آثروا قطع المفاوز والقفار، على التنعم في الدمن والأوطار، وتنعموا بالبؤس في الأسفار، مع مساكنة العلم والأخبار، وقنعوا عند جمع الأحاديث والآثار بوجود الكسر والأطمار، … فعقولهم بلذاذة السُّنَّة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تعلّم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السُّنَّة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم (^١).
ولقد كان للعلماء الربانيين على مرّ العصور، يدٌ ظاهرة، في الحث على إحياء الآثار النبوية الحديثية المروية، والدفاع عنها، إرشادًا، وتعليمًا، وتأليفًا (^٢).
ولم تزل بحفظ الله وتوفيقه وإعانته، طائفة في كل عصر تكرّس جهودها، وتوجه همّها، وتنشئ أبناءها على العناية المكثفة بالآثار النبوية الحديثية المروية.
فمصنفات أهل الحديث أكثر من أن تُحصر وأشهر من أن تُذكر، سواء كانت من خلال المصنفات المستقلة بالعقائد أو ما تضمنتها من أبواب ضمنها.
فكثير من أئمة السلف اهتموا بالتصنيف؛ لإحياء هذا الأصل العظيم، واعتنوا به أشد العناية وسموا ذلك بعلم الأثر.
فأفنوا أعمارهم من أجل المحافظة عليها، وقطعوا القفار، وكابدوا مشقة الأسفار، وأوصلوا الليل بالنهار؛ لأجل جمع آثار النبي ﷺ وتدوينها؛ ليُعمل بها، وبلغ من حرصهم على تتبع آثاره ﷺ القولية والفعلية بأن نقلوا إلينا دقائق
_________________
(١) معرفة علوم الحديث (١/ ٢ - ٣).
(٢) يُنظر: الاهتمام بالسنن النبوية (٢/ ١٢).
[ ٥٥ ]
شؤون حياة النبي ﷺ: كغُسله ووضوئه، وأكله وشربه، ونومه واستيقاظه … هذا كان دينهم، وتلك كانت مهمتهم (^١).
ولم يكتفوا بذلك فحسب بل حفظوها عن أيدي العابثين، ودافعوا عنها، وردوا على من أنكرها، فألفوا الرسائل والكتب؛ للدفاع عن السُّنَّة والرد على أهل الباطل.
فكان أول من تصدى للرد على من أنكر حجية السُّنَّة قديمًا فيما أعلم الإمام الشافعي ﵀ فقد جاء في كتاب الأُم (^٢) وكتاب جماع العلم (^٣) تفنيد شبهات من أنكر السُّنَّة كلها، كما عقد ﵀ فصلًا طويلًا في كتابه الرسالة (^٤) أسماه: حجية خبر الآحاد والرد على من أنكره.
وتبعه الإمام أحمد ﵀ فصنّف كتاب طاعة الرسول ﷺ (^٥) ردَّ فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سُنَّة النبي ﷺ وترك الاحتجاج بها، وتبعهما عدد من العلماء (^٦).
_________________
(١) علم الآثار وبيان المنهج الإسلامي، لعمر بن محمد العمر (١٠٤٨) بتصرف.
(٢) يُنظر: الأم (٧/ ٢٥٠).
(٣) يُنظر: كتاب جماع العلم (٤ - ١٩).
(٤) يُنظر: الرسالة، للشافعي (٣/ ٤٠٠ - ٤٧١).
(٥) أشار إلى وجود هذا الكتاب شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٥/ ٩٧)، والذي يظهر والله أعلم أنه مفقود كما أفاد بذلك الشيخ عبد العزيز السدحان حفظه الله في رسالة قصيرة تحوي (٣٩) صفحة تحت عنوان: الملتقط من كتاب طاعة الرسول ﷺ للإمام أحمد بن حنبل والذي جمع فيه ما تفرق من أحاديث الطاعة، ويُنظر أيضًا: مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله، باب طاعة الرسول ﷺ (٤٥٠ - ٤٥٥).
(٦) أمثال: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ﵀ فألف كتاب: تأويل مختلف الحديث، ردَّ فيه على أعداء السُّنَّة وبخاصة المعتزلة. ومحمد بن نصر المروزي ﵀ فصنّف كتابه السُّنَّة وأجاد فيه وأفاد، وألّف ابن عبد البر ﵀ كتاب: جامع بيان العلم وفضله، وضمنه أبوابًا كثيرة في الحث على لزوم السُّنَّة والدفاع عنها، ثم جاء بعدهم أبو المظفر السمعاني ﵀ فألف كتابه المستطاب: الانتصار لأهل الحديث. ثم جاء شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فصنّف منهاج السُّنَّة وأبدع فيه، وأتى بعده تلميذه ابن القيم ﵀ فحرّر كتابه الصواعق المرسلة وبحث فيه مسألة خبر الواحد بما لا مزيد عليه، كما صنَّف إعلام الموقعين وخصص مئات الصفحات للذبّ عن السنن. وألف محمد بن إبراهيم القاسمي الوزير اليمني ﵀ كتاب: العواصم والقواصم، واختصره في: الروض الباسم في الذب عن سُنَّة أبي القاسم …، هذه إشارة إلى بعض مؤلفات السلف في الذب عن السُّنَّة، والدفاع عنها للاستزادة يُنظر: شبهات القرآنيين، لمحمود مزروعة (١٢ - ١٦).
[ ٥٦ ]
وبفضل الله ثم بفضل جهود السلف العلمية في إحياء الآثار النبوية الحديثية المروية بالاهتمام بها حفظًا، وضبطًا، وروايةً، وتفقهًا في معانيها، وذبًّا عنها، وردًّا على من أنكرها.
ولا أدل على ذلك من هذه الكتب التي وصلت إلينا الزاخرة بالكثير من الآثار القولية والفعلية، محفوظة، مخدومة؛ لينصب جهد المسلم على إحيائها بالعلم، والتعلّم، والتعليم، والدعوة إليها (^١).