حكى المؤرخون وبعض المفسرين هيئة السفينة التي أمر الله ﷻ نوحًا ﵇، بأن يصنعها، حيث جاء في وصفها أن مقدمتها مثل صدر الطائر، وطولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا (^٣)، وارتفاعها ثلاثون ذراعًا،
_________________
(١) قال الأصفهاني في المفردات (ص ٥٣٢) عن معنى الطوفان: كل حادثة تحيط بالإنسان. اه. لكنه صار متعارفًا عليه في الماء المغرق المتناهي في الكثرة، بحيث يجرفه إلى الموت، سواء كان مطرًا أو سيلًا. يُنظر: جامع البيان (١٢/ ٣٩٨)، لسان العرب (٩/ ٢٢٧).
(٢) يُنظر: أسباب هلاك الأمم السالفة (٦٣).
(٣) يُنظر: جامع البيان (١٢/ ٣٩٢ - ٣٩٤).
[ ٢٠٧ ]
ومكونة من ثلاث طبقات، كل طبقة عشرة أذرع؛ فالطبقة السفلى فيها الدواب والوحوش، وفي الطبقة الوسطى الناس، وفي الطبقة العليا الطيور، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها، وكان بابها في عرضها (^١).
ورُوي أن قوم نوح كانوا يسألونه ﵇ عما يصنع فيجيبهم أنه يصنع بيتًا يجري على الماء، ولم يكن هذا معروفًا ولا متصورًا من قبل (^٢).
فهذه السفينة العظيمة لم يكن لها نظير قبلها، ولن يكون بعدها مثلها؛ لأنها معجزة نبي، فهي حُفظت فترة من البلى؛ لتكون آية تشهدها الأمم التي كذبت الرسل، وتكون لهم عبرة وتخويفًا (^٣).
وبعدما أهلك الله تعالى قوم نوح ﵇ قال ﷻ: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، فرست السفينة واستقرت على جبل بجزيرة قرب الموصل (^٤)، يسمى الجودي (^٥).
قال الله تعالى عن بقاء أثر السفينة: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *﴾ [القمر].
وجاء في الصحيح عن قتادة ﵀ (ت: ١١٨ هـ) قال: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أوائل هذه الأمة (^٦).
_________________
(١) يُنظر: تاريخ الأمم والملوك (١/ ١١٣ - ١١٨)، البداية والنهاية (١/ ١٢٣)، صحيح قصص الأنبياء (٦٤).
(٢) تفسير القرآن الحكيم، لمحمد رشيد رضا (١٢/ ٦٣) بتصرف.
(٣) يُنظر: صحيح قصص الأنبياء (٦٢)، التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٧/ ١٨٦)
(٤) يُنظر: جامع البيان (١٢/ ٤١٩)، الكشف والبيان، للثعلبي (٥/ ١٧١)، معالم التنزيل، للبغوي (٢/ ٤٥١).
(٥) الجوديّ ياء مشددة: جبل مطلّ على جزيرة ابن عمر، في شرقيّ دجلة، من أعمال الموصل، استوت عليه سفينة نوح لما نضب الماء. يُنظر: مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع (١/ ٣٥٦).
(٦) علّقه البخاري في صحيحه مجزومًا به، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ *﴾ (٦/ ١٤٣/ ح ٤٨٦٩)، وأشار الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٦١٨) إلى أن سنده: وصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بلفظه، وزاد: على الجودي، وأورد سنده كاملًا في تغليق التعليق (٤/ ٣٢٨): قَالَ عبد بن حميد: أَنا عبد الرَّزَّاق عَنْ معمر عَنْ قَتَادَة قال: أبقى الله سفينة نوح على الجودي حَتَّى أدْركهَا أَوَائِل هَذِه الأْمة.
[ ٢٠٨ ]
وقال أيضًا ﵀: فأبقى الله ﷿ السفينة … عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة نظرًا، وكم من سفينة كانت بعدها فصارت رمادًا (^١).
وعلّق المحدّث شمس الدين الكِرماني ﵀ (ت: ٧٨٦ هـ) على ما جاء عن قتادة ﵀: أبقى الله: أي نشأ من أجزائها إلى زمان بعثة رسول الله ﷺ وهذا هو تفسير لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ (^٢).
ورُوي عن ابن جريج ﵀ (ت: ١٤٩ هـ) أنه قال: كانت السفينة تذكرة للأمم، وكم من سفينة قد هلكت وأثرها قد ذهب، إلا سفينة نوح ﵇ أدركها بعض من أمة محمد ﷺ فرأوا ألواحها على الجوديّ (^٣).
وقال ابن عاشور ﵀ (ت: ١٣٩٣ هـ) في تفسيره للآية المذكورة آنفًا: أي: أبقينا سفينة نوح ﵇ محفوظة من البلى؛ لتكون آية يشهدها الأمم الذين أرسلت إليهم الرسل، متى أراد واحد من الناس رؤيتها ممن هو بجوار مكانها، تأييدًا للرسل وتخويفًا بأول عذاب عذبت به الأمم، أمة كذبت رسولها فكانت حجة دائمة مثل ديار ثمود.
ثم أخذت تتناقص حتى بقي منها أخشاب شهدها صدر الأمة الإسلامية فلم تضمحل حتى رآها جماعة من الأمم بعد نوح ﵇ فتواتر خبرها بالمشاهدة تأييدًا لتواتر خبر الطوفان وقد ذكر القرآن أنها استقرت على جبل الجودي فمنه نزل نوح ﵇ ومن معه وبقيت السفينة هنالك لا ينالها أحد (^٤).
وقد قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ *إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ *﴾ [الشعراء].
وقال ﷿: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ *﴾ [العنكبوت].
_________________
(١) يُنظر: إلى ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ٢٠٣٧/ ح ١٠٩١٦)، وجامع البيان (١٢/ ٤٢٣). تفسير عبد الرزاق (٣/ ٢٦٠)، تغليق التعليق، لابن حجر (٤/ ٣٢٨).
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٨/ ١١٩).
(٣) يُنظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي (١٤/ ٦٦٦ - ٦٦٧).
(٤) التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٧/ ١٨٦).
[ ٢٠٩ ]
وقال ﷻ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ *لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ *﴾ [الحاقة]، وقال ﷻ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *﴾ [القمر]، فالضمير في قوله تعالى: ﴿تَرَكْنَاهَا﴾ يعود إلى السفينة وجنسها (^١).
فجنس السفينة وصنعها أبقاه الله ﷻ؛ ليدل ذلك على رحمته ﷾ بخلقه وعنايته، وكمال قدرته، وبديع صنعته ﷻ (^٢).
فجعل الله جنس السفينة آية للعالمين، يعتبرون بها رحمة من ربهم، الذي قيض لهم أسبابها، ويسر لهم أمرها، وجعلها تحملهم وتحمل متاعهم من محل إلى محل ومن قُطرٍ إلى قُطر (^٣).
فهذا دليل من القرآن دلل بعض المفسرين به على بقاء السفينة؛ عبرة وآية للاتعاظ وأن أثرها كان موجودًا وأدركه الأوائل والسابقون، وجنسها ما زال موجودًا حتى الآن.
وما زال خبراء الآثار ينقبون عن آثار السفينة في أماكن مختلفة بشتى الطرق، وتنوّع الوسائل وضروب من التقنيات العالية والدقيقة؛ للعثور عليها.
وادّعّى بعض الباحثين والمنقبين عن الآثار، من أهل الكتاب (^٤) على أنهم اكتشفوا بقايا سفينة قديمة فوق جبل «أرارات»، وقالوا بأنها سفينة
_________________
(١) يُنظر: تيسير الكريم الرحمن (٨٢٥).
(٢) يُنظر: المرجع السابق.
(٣) المرجع السابق (٦٢٨) بتصرف.
(٤) يُنظر: بحث أستاذ الفلسفة في جامعة تارتو فريدريك بارووت في عام ١٨٢٩ م: Reise zu ARMENIAN Friedrich Parrot ARARAT/http://www.ebay.com/itm/ARARAT-Journ…/360212338112. وتلاه على نفس المنوال المؤرخ والأستاذ في جامعة أوكسفورد جيمس برايس في عام ١٨٧٦ م،.http://www.noahsarksearch.com/BryceJames/BryceJames.htm وفي عام ١٩٨٢ م قام رائد الفضاء السابق جيمس أيرون بحملة جديدة إلى جبل أرارات للبحث عن سفينة نوح ﵇،http://www.arlingtoncemetery.net/jbirwin.htm واستمروا على مدى سنوات محاولين إثبات وجود السفينة على جبال الأرارات، ولكن محاولتهم كلها بائت بالفشل. يُنظر:http://www.ebnmaryam.com/vb/t186631.html
[ ٢١٠ ]
نوح ﵇، استنادًا إلى الكتاب المقدس (^١) المحرّف، ولكن جميع ما توصلوا له مجرد توقعات، خالية عن الأدلة والإثباتات، بدليل فشلهم على العثور عليها.
ولا شك أن سفينة نوح ﵇ استوت على جبل الجودي كما جاء في القرآن الكريم، وسواء كان أثر السفينة ظاهرًا أو غير ظاهر، فنحن مؤمنون مصدقون موقنون بأن الله ﷻ أهلك قوم نوح بالطوفان، ونجى نوحًا ﵇ والذين آمنوا معه بالسفينة التي استوت على الجودي، والتي أدركها السابقون، فكانت قصته ﵇ مع قومه عظة وذكرى للمعتبرين.
وبالتمعّن والنظر إلى قصة نوح ﵇ يستخلص منها: أن بداية الانحراف للشرك، وعبادة الأصنام والأوثان، هو إحياء آثار الصالحين بنية حسنة، وبقصد الذكرى والتذكر؛ جهلًا واتباعًا للأهواء.
وهذا القصد يجعل المسلم على شفا جرف هارٍ، ومزلق يؤدي به إلى هوة سحيقة من المهالك في الدنيا والآخرة.
وأن إبليس وأتباعه من شياطين الإنس والجن يستغلون لحظات ضعف المسلم، بحب الذكرى والتذكّر، من خلال التقاط الصور التذكارية والاحتفاظ بها، وتعليقها ونصبها بطرق احترافية، بدايةً من صورة كبيرة معلقة في أماكن بارزة، ومن ثم مع الوقت تصبح كالتماثيل التذكارية، كلما رأوها تذكروا صاحبها وزرعوا في نفوس من حولها كبارًا وصغارًا حبها وتعظيمها، ومن ثم تقديسها، والتتيم بها، ومخاطبتها بأحوالهم وما حصل لهم وكأن صاحب الصورة يسمعهم وتصله أخبارهم، ودعاءها، وطلب البركة منها، بالتقرّب منها، ومن ثم التقريب لها، وصرف ما لا يجوز صرفه لغير الله ﷻ، ومعلوم أن النار من مستصغر الشرر (^٢).
فلينتبه المسلم الفطن من وسائل الشرك ولا يتهاون بها.
_________________
(١) يُنظر: سفر التكوين (٨).
(٢) يُنظر: تعظيم المشاهد والآثار، لعبد العزيز الجفير (٢٤).
[ ٢١١ ]