تبيَّن في المسألة السابقة نهاية ومآل بعض الآثار المرئية النبوية من خلال ذكر ما جاء عنها من الآثار المروية، والتي يمكن تلخيصها كالتالي:
١ آثار انقطعت بوفاة النبي ﷺ وذهبت بذهابه ﷺ: كاليد، والريق، والبصاق، وفضل الوضوء (^٢).
٢ آثار دفنت في القبور (^٣): كالبردة، والعصا، والشعر.
_________________
(١) السيرة الحلبية، لأبي الفرج نور الدين الحلبي (١/ ٥).
(٢) كما سبق بيانه في (٥٤).
(٣) يُنظر: ما رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب حسن الخلق (٥١٠/ ح ٦٠٣٦).
[ ٧٩ ]
٣ آثار احترقت (^١): كالبردة، والعصا.
٤ آثار فُقدت وضاعت (^٢): كالشعر، والبردة، النعلين، والدرع، والخاتم.
٥ آثار نسبتها غير صحيحة: كالقدح، والعصا (^٣)، والعمامة، والنعل (^٤).
والواجب التحقق من مدى صحة بعض الآثار التي تُعرض في المتاحف، وتُعرف في بعض البلدان بالأمانات المباركة (^٥): كأسنان نبوية، ونعلين نبويتين، وخرقة السعادة، السجادة النبوية، وقبضة سيف من السيوف النبوية، وقوس نبوي، ولواء نبوي، ماء من الغسل النبوي، وآثار أخرى لبعض الأنبياء ﵈، وآثار لبعض الصحابة ﵃.
وأعجب هذه الآثار بقاء ماء من الغسل النبوي حتى هذا القرن الخامس عشر!
صحيح أنه جاء في الأثر عن أم سُليم ﵂ أنها احتفظت بعرق النبي ﷺ بقوارير (^٦) لكن لم يؤثر عن الصحابة ﵃ في الأحاديث الصحيحة، أن أحدًا منهم احتفظ بشيء من فضل وضوء النبي ﷺ بعد موته.
ولو سلمنا ببقاء فضل وضوئه بعد وفاته ﷺ، فلا يمكن بقاؤه لمدة طويلة؛ لأن طبيعة المواد السائلة كما ذكرتُ سابقًا (^٧) تكون عُرضة للجفاف
_________________
(١) يُنظر: الأحكام السلطانية (٢٢٢ - ٢٢٣)، البداية والنهاية (٦/ ٣٧٩)، تاريخ الخلفاء (٤٥)، أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ (٢/ ١٩٧).
(٢) يُنظر: تاريخ الخلفاء (٤٥)، الآثار النبوية، لأحمد تيمور باشا (٢٠ - ٢١).
(٣) القدح والعصا التي وصلت من بيت ابن القلقشندي أنهما ليسا من الأثر النبوي، وإنما هما من أثر الليث بن سعد. يُنظر: مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، لمحمد بن طولون الصالحي (٣١١).
(٤) نعل أهداها بعضهم للخليفة المهدي العباسي، فظهر له أنها غير صحيحة. الآثار النبوية (١٢٩).
(٥) الآثار التي بالقسطنطينية، وهي المعروفة عند الأتراك بالأمانات المباركة، وهي كثيرة لم يذكر أصحاب التواريخ التركية إلا أهمها. يُنظر: الآثار النبوية، لأحمد تيمور (٧٨ - ٧٩) بتصرف.
(٦) سبق تخريجه راجع فضلًا (٦٧).
(٧) راجع لطفًا (٦٨).
[ ٨٠ ]
والتبخر والانسكاب، وأيضًا للانتهاء بالاستخدام المستمر للذين توارثوها، خصوصًا وأن من يملك شيئًا من آثار الرسول ﷺ ضنين بها لنفسه، ولا يؤثر بها غيره.
وأيضًا بقاء النعلين، وعرضها في بعض المتاحف، فقد جاء ذكر فقدانها في وقعة تيمورلنك، وليس لها ذكر بعد ذلك (^١).
والقول في بقية الآثار السابق ذكرها واحد وهو أن ما وصل منها إلى الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخلفاء والكبراء، حافظوا عليها واهتموا بها مدة من الزمن، لكن لما تعاقبت الفتن والمحن على المسلمين أدى ذلك إلى فقدانها، وانقطاع سند تداولها، وعدم مجيء خبرها من الزمن المتقدّم، وهذا دليل على فقدانها واندثار معالمها، فإن الباحث المحقق يكاد يجزم بأن دعوى بقاء شيء من آثار النبي ﷺ إلى زماننا دعوى غير صحيحة.
ولقد أفاد المحدّث الفقيه حماد بن إسحاق الأزدي (ت: ٢٦٧ هـ) ﵀ في كتابه: تركة النبي ﷺ إلى قلة ما ترك النبي ﷺ من آثار مرئية وحسية، مستندًا على الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ﵀ عن عمرو بن الحارث ﵁ قال: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا إِلاَّ بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً» (^٢).
فهذا دليل صريح صحيح يؤكد قلَّة ما ترك النبي ﷺ من آثار حسية (^٣).
ومن زاوية أخرى حتى لو أراد أصحاب المتاحف والمزارات إثبات الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ بالطرق التجريبية الحديثة فإن خبراء الآثار
_________________
(١) كما سيأتي بيانه في تفنيد الشبهات المتعلقة بالنعل وغيره، انتقل لطفًا (٤٢٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب الوصايا (٤/ ٢/ ح ٢٧٣٩).
(٣) للاستزادة في معرفة ما ترك النبي ﷺ من آثار، يُنظر: تركة النبي ﷺ (٩٤ - ١١٥).
[ ٨١ ]
لا يعتدّون بأي قطعة أثرية عضوية (^١) كانت مكشوفة ومعرضة للهواء والتلوث، ولم تُحفظ من وقت اكتشافها بطريقة علمية صحيحة، ولم تُطبق عليها خطوات علمية يسلكها خبراء الآثار تجاه القطع الأثرية؛ لمعرفة وقياس عمر الأثر (^٢).
ومن المعلوم أن القطع الأثرية العضوية المكشوفة والمعرضة للهواء تتلوث، ولا يمكن بتاتًا معرفة عمرها الصحيح، ولا قياس زمن بقائها بالطرق الحديثة عند خبراء الآثار: كقياسها بواسطة النظائر المشعة: ١٤ C، ٢٣٨ U، ٢٣٢ Th، والمستخدم منها في تحليل العينات الأثرية العضوية هو الكربون المشع Radiocarbon Dating والذي يرمز له ب: ١٤ C (^٣) .
حيث يُعدّ هذا القياس عند خبراء الآثار من أحدث الطرق وأفضلها في تحديد التاريخ المطلق الرقمي لعمر الأثر، وهي أكثر طريقة يثقون بها؛ لدقة نتائجها، وقربها للصواب (^٤) في ظنهم.
بناءً على ذلك فإن الآثار المنسوبة للنبي ﷺ لا يعتدّ بها عند خبراء الآثار؛ لأنها لم تكن محفوظة عند من ورثها بطرق صحيحة؛ بل بالعكس كانت معرضة للهواء ومتاح للجميع لمسها وتقبيلها والتبرك بها.
وهذا أمر ينفي وجود أي إثبات لها، لا بالطرق الشرعية ولا بالعلوم التجريبية الحديثة، وهذا يزيد الباحث عن حقيقتها يقينًا بزيفها وعدم صحة نسبتها للنبي ﷺ.
_________________
(١) الآثار العضوية: أي: قطعة كانت متصلة بكائن من الكائنات الحية وانفصلت عنه تسمى قطعة عضوية، أو يكون الكائن نفسه فقد الحياة، مثالها: أسنان وشعر وقلامة أظافر الإنسان، أو جلد وعظم الحيوان، وكذلك من النباتات ورق البردي وخشب الأشجار، والفحم وشمع العسل، والمنسوجات من الكتان والقطن والحرير، وغيرها.
(٢) أفادني بذلك عميد كلية السياحة والآثار بجامعة الملك سعود: أ. د. عبد الناصر بن عبد الرحمن الزهراني، في مساء يوم الإثنين، الموافق: ٢٨/ ٨/ ١٤٣٩ هـ ١٤/ ٥/ ٢٠١٨ م.
(٣) يُنظر: التقنيات التحليلية في صيانة مواد الآثار، لباربرا هـ. ستيوارت (٣٩٤).
(٤) يُنظر: المسح الأثري في الوطن العربي (٣٠)، استخدام التقنيات الحديثة في علم الآثار (٥٩).
[ ٨٢ ]
والذي عليه العلماء من المحدثين والمحققين وبعض المؤرخين والآثاريين: عدم صحة الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ في العصور المتأخرة وإنكارها؛ لعدم وجود أدلة تثبت صحتها بل الأدلة تؤكد عدم ذلك، أنقل لكم بعضًا مما ورد في ذلك:
١ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ت: ٧٢٨ هـ): وما يذكره بعض الجهال فيها أي: في الصخرة من أن هناك أثر قدم النبي ﷺ (^١) وأثر عمامته وغير ذلك فكله كذب (^٢).
٢ يقول المحدّث ناصر الدين الألباني ﵀ (ت: ١٤٢٠ هـ): ونحن نعلم أن آثاره ﷺ من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين (^٣).
وقال أيضًا ﵀: وما يفعلونه اليوم في بعض البلاد من التبرك في بعض المناسبات بشعرة محفوظة في زجاجة فهو شيء لا أصل له في الشرع، ولا يثبت ذلك بطرق صحيحة (^٤).
٣ يقول الشيخ العلامة أحمد النجمي ﵀ (ت: ١٤٢٩ هـ): التبرك المشروع في حق النبي ﷺ اختص به أهل عصره ومن بعدهم بقليل، الذين حصل لهم شيء من ثيابه أو شعره أو عرقه، وآخر من صح أنه كان عنده شيء من شعر النبي ﷺ هو الإمام أحمد بن حنبل ﵀.
أما أهل الأزمنة المتأخرة فقد فاتهم ذلك، وإن كان قد فاتهم هذا فإن البركة كل البركة، والخير كل الخير في الاستقامة على هديه، واقتفاء سننه، واتباع طريقه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتقرب إلى الله بتلاوة الكتاب الذي أُنزل عليه، ودراسة السُّنَّة التي نطق بها، والعمل بما دلت عليه فعلًا وتركًا، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ [آل عمران] (^٥).
_________________
(١) سيأتي الكلام عن أثر القدم وعدم صحة نسبتها للنبي ﷺ في صفحة (١٠٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٣).
(٣) التوسل أنواعه وأحكامه، للألباني (١٤٤).
(٤) دفاع عن الحديث النبوي والسيرة، للألباني (٧٦).
(٥) أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة (٤٢٧ - ٤٢٨).
[ ٨٣ ]
٤ يقول الشيخ العلامة عبد المحسن العباد حفظه الله: وقد ظفر بآثار النبي ﷺ الجسدية الصحابة ﵃ ومن وصله شيء منها من التابعين ومن بعدهم، وبعد ذلك انقرضت، ولم يكن لها وجود على الحقيقة، ولا مجال للتعلق بها (^١).
٥ يقول الشيخ العلامة د. صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله: … وما يدعيه الآن بعض الخرافيين من وجود شيء من شعره ﷺ أو غير ذلك؛ فهي دعوى باطلة لا دليل عليها، … إذ لا وجود لهذه الآثار الآن لتطاول الزمن الذي تبلى معه هذه الآثار وتزول، ولعدم الدليل على ما يُدعى بقاؤه منها بالفعل (^٢).
٦ يقول أ. د. ناصر الجديع حفظه الله: ثبوت فقدان الكثير من آثار الرسول ﷺ على مدى الأيام والقرون، بسبب الضياع، أو الحروب والفتن، وغير ذلك (^٣)، … لا سيما مع مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان على وجود تلك الآثار النبوية، ومع إمكان الكذب في ادعاء نسبتها إلى الرسول ﷺ للحصول على بعض الأغراض، كما وضعت الأحاديث، ونسبت إلى الرسول ﷺ كذبًا وزورًا (^٤).
٧ يقول المؤرخ ابن طولون (ت: ٢٧٠ هـ) في معرض حديثه عن القدح والعصا التي وصلت من بيت ابن القلقشندي: ثم تبيّن أنهما ليسا من الأثر النبوي، وإنما هما من أثر الليث بن سعد (^٥).
٨ يقول المؤرخ أحمد تيمور باشا ﵀ (ت: ١٣٨٤ هـ): لم نر أحدًا من الثقات ذكرها [الآثار النبوية] بإثبات أو نفي، فالله ﷾ أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب، ويتنازعها من
_________________
(١) التحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة (٤/ ٢١٦).
(٢) البيان لأخطاء بعض الكُتَّاب، لصالح الفوزان (١/ ١٧٥ - ١٧٦).
(٣) التبرك أنواعه وأحكامه، لناصر الجديع (٢٥٧).
(٤) المرجع السابق (٢٦٠).
(٥) مفاكهة الخلان في حوادث الزمان (٣١١).
[ ٨٤ ]
الشكوك (^١).
وقال أيضًا على صحة الشعرات المنسُوبة إلى النبي ﷺ بقوله: غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها! (^٢).
٩ يقول خبير الآثار أ. د. عفيف البهنسي ﵀ (ت: ١٤٣٩ هـ): إنه تمت دراسة الآثار التي يقال: إنها نبوية في متاحف إسطنبول والنتيجة: أنه لا يُمكن إثبات أي شيء منها تاريخيًّا، حتى ما يُنسب للصحابة الكرام ﵃.
وغاية الأمر أن النادر منها يُمكن أن يرقى زمنيًّا للقرن الأول، دون أن يوجد أي إثبات أثري وتاريخي أنها لفلان من الناس دون غيره (^٣).
وبناء على ما تقدم من نهايات لتلك الآثار التي صح ثبوت بعضها برهة من الزمن، يتبين أنها اندثرت وزالت ولم تبق؛ إذ لا دليل ولا برهان صحيح يدل على وجود شيء من آثار النبي ﷺ ولكن العجيب وجود بعضها في أكثر من موضع ومتحف ومزار!.