السبب الرئيس لهلاك أصحاب مدين هو الشرك، ثم تطفيفهم بالمكاييل، وسبب تطفيفهم أنهم كانوا حلقة وصل بين تجارة شمال الجزيرة وجنوبها، وبين مصر والشام والعراق، فكانوا في موقعهم يتحكمون في مسيرة التجارة والتّجار بفرض ما شاءوا من المعاملات التجارية الجائرة؛ سعيًا إلى جني الربح الفاحش، دون مراعاة ما يقع على غيرهم من الظلم والغبن، وقد شاعت فيهم هذه المعاملات حتى صار أمرًا متعارفًا عليه عندهم (^٣).
ومع شركهم وتكذيبهم واستكبارهم، وبخسهم بالمكاييل والموازين، وغشهم في المعاملات، وأذيتهم لنبي الله شعيب ﵇ الذي أرسله الله ﷻ إليهم، وتحديهم له بأن يُنزل العذاب بهم، لم يكتفوا بذلك فحسب بل حددوا نوع العذاب، كما جاء نبأهم في القرآن: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ *فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ *﴾ [الشعراء].
وفي بيان هلاكهم في موضع آخر من القرآن: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ *﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ *﴾ [هود].
_________________
(١) ذكرت قصة شعيب ﵇ وقومه في سورة: الأعراف (٥٩ - ٦٤)، يونس (٨٥ - ٩٣)، هود (٨٤ - ٩٥)، الحجر (٧٨ - ٧٩)، الشعراء (١٧٦ - ١٩١).
(٢) يُنظر: سورة: التوبة (٧٠)، وهود (٩٥)، الحج (٤٤).
(٣) يُنظر: أسباب هلاك الأمم السالفة (٤٤٨).
[ ٢٣١ ]
جاء وصف هلاكهم في القرآن الكريم في آيات متفرقة بألوان وأصناف من العذاب مغايرة، تارة بالصيحة وتارة بالرجفة وتارة بعذاب يوم الظلة، ولا تعارض في وقوع أصناف العذاب وألوانه بوقت واحد، ولا يُفهم من ذلك أن المغايرة في أنواع العذاب تقتضي المغايرة في المعذبين.
كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ بقوله: أن المغايرة في أنواع العذاب إن كانت تقتضي المغايرة في المعذبين فليكن الذين عذبوا بالرجفة غير الذين عذبوا بالصيحة، والحق أنهم أصابهم جميع ذلك، فإنهم أصابهم حر شديد فخرجوا من البيوت فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فرجفت (^١) بهم الأرض من تحتهم وأخذتهم الصيحة (^٢) من فوقهم (^٣) فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام (^٤).
* * *
_________________
(١) تقدّم بيان معناها عند هلاك ثمود، راجع فضلًا (٢٢٢).
(٢) تقدّم بيان معناها عند هلاك ثمود راجع فضلًا (٢٢٢).
(٣) فتح الباري، لابن حجر (٦/ ٤٥٠).
(٤) يُنظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (٣/ ٤٤٩).
[ ٢٣٢ ]