أورد الحافظ ابن كثير ﵀ عدة روايات في هلاك ثمود قوم صالح ﵇، أحدها: أن ثمودًا اجتمعوا يومًا في ناديهم فجاءهم نبي الله صالح ﵇ فدعاهم إلى الله، وذكرهم ووعظهم وأمرهم وحذرهم.
فقالوا له: أخرج لنا ناقة من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة، من صفتها كيت وكيت (^٥).
فقال لهم نبي الله صالح ﵇: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به؟
قالوا: نعم، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك.
ثم قام إلى مصلاه فصلى لله ﷿ ما قدر له، ثم دعا ربه ﷿ أن يجيبهم إلى ما طلبوا.
فأمر الله ﷿ تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء، على الصفة التي نعتوا.
فلما عاينوها كذلك رأوا أمرًا ومنظرًا هائلًا، وقدرة باهرة ودليلًا قاطعًا
_________________
(١) يُنظر: تيسر الكريم الرحمن، لعبد الرحمن السعدي (٣٨٤).
(٢) يُنظر: سورة الحجر (٨٠ - ٨٤).
(٣) الأعراف (٧٣ - ٧٩)، وهود (٦١ - ٦٨)، والإسراء (٥٩)، والشعراء (١٤١ - ١٥٩)، والنمل (٤٥ - ٥٣)، وفصلت (١٧ - ١٨)، والقمر (٢٣ - ٣٢)، والشمس (١١ - ١٥).
(٤) يُنظر: سورة: التوبة (٧٠)، وهود (٩٥)، إبراهيم (٩)، الحج (٤٢)، الفرقان (٣٨)، العنكبوت (٣٨)، سورة ص (١٣)، غافر (٣١)، فصلت (١٣)، سورة ق (١٢)، الحاقة (٤)، البروج (١٨).
(٥) أي: ذكروا أوصافًا ونعتوها وتعنتوا فيها.
[ ٢٢٠ ]
وبرهانًا ساطعًا، فآمن جماعة منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم وعنادهم.
فقال لهم نبي الله صالح ﵇: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤] (^١).
فلما خرجت الناقة بهذه الكيفية العجيبة، الخارقة للعادة؛ تلبية لطلبهم بأن يُخرج لهم آية بصفات معينة، لزمهم تجاه ظهور هذه الآية لوازم، وأمرهم نبي الله صالح ﵇ بعدة أمور: (^٢)
١ الإيمان بالله ﷻ وحده، وترك عبادة ما سواه، لقوله: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣].
٢ تقسيم الماء بينهم وبين الناقة، فلهم يوم وللناقة يوم؛ لقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ *﴾ [الشعراء].
٣ عدم المساس بالناقة بأي سوء، منذرًا لهم بأن أي مساس للناقة بسوء يستدعي العذاب القريب العظيم الأليم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ *﴾ [هود]، وفي موضع: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ *﴾ [الشعراء]، وفي موضع آخر: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ *﴾ [الأعراف].
فبقيت هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يومًا بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم (^٣).
ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ واصْطَبِرْ *﴾ [القمر]؛ أي: اختبارًا لهم أيؤمنون بها أم يكفرون؟ …
فلما طال عليهم هذا الحال اجتمع ملأهم، واتفقوا على أن يعقروا هذه الناقة، ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم (^٤).
_________________
(١) يُنظر: صحيح قصص الأنبياء، لابن كثير، تحقيق سليم الهلالي (٩٤ - ٩٥).
(٢) يُنظر: أسباب هلاك الأمم السالفة (٣٩٩ - ٤٠٤).
(٣) صحيح قصص الأنبياء، لابن كثير، تحقيق سليم الهلالي (٩٥) بتصرف.
(٤) المرجع السابق (٩٥).
[ ٢٢١ ]
فقال الله تعالى حكاية عن فعلهم: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *﴾ [الأعراف]، وقال ﷻ: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ *﴾ [هود]، عقر الناقة أشقاهم بموافقتهم جميعًا؛ لأجل ذلك نُسب الفعل إليهم كلهم (^١).
ولم يقفوا إلى هذا الحد من الطغيان والعتو؛ بل تجاوز الأمر إلى أشنع من ذلك.
ففي أثناء مدّة الثلاثة أيام، اجتمع الرهط التسعة الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ *﴾ [النمل]، وتآمروا على قتل نبيّهم وكتموا أمرهم؛ خشية أن يمنعهم أهل بيت نبي الله صالح ﵇؛ لأنه كان ﵇ في بيت عز وشرف (^٢).
كما قال تعالى عن مؤامرتهم: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ *وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ *فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ *﴾ [النمل]، فدبروا هذا المكر العظيم، فحين كمنوا في أصل جبل؛ لينظروا الفرصة في قتل نبي الله صالح ﵇، أنزل الله العقوبة بهم؛ ليكون هلاكهم سلفًا مقدمًا لقومهم إلى نار جهنم، فأرسل الله ﷻ صخرة من أعلى الجبل فرضختهم وشدختهم، وقتلوا أشنع قتلة (^٣).
ثم لما تمت الثلاثة أيام، جاءتهم الصيحة (^٤) من فوقهم، والرجفة (^٥) من تحتهم، وصعقوا، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس، وأصبحوا في ديارهم
_________________
(١) يُنظر: المرجع السابق (٩٦).
(٢) يُنظر: تيسر الكريم الرحمن، لعبد الرحمن السعدي (٢٩٤ - ٣٨٤ - ٦٠٦).
(٣) المرجع السابق.
(٤) الصيحة: الصوت الشديد المرتفع. المفردات، للأصفهاني (٤٩٦).
(٥) الرَّجْفَةُ: الزلزلة الشديدة التي ينال معها الإنسان اهتزاز وارتعاد واضطراب. المحرر الوجيز، لأبي بكر الأندلسي (٢/ ٤٢٩).
[ ٢٢٢ ]
جاثمين خامدين، جثثًا لا أرواح فيها ولا حراك بها (^١).
كما قال تعالى في وصف العذاب الذي أصابهم: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *﴾ [فصلت]، وقال ﷻ: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ *﴾ [هود]، وفي موضع أخر قال ﷻ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ *﴾ [الأعراف].
وبعد هلاكهم تولى عنهم نبي الله صالح ﵇ ناعيًا كفرهم، كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ *﴾ [الأعراف].
فاستحبوا العمى والطغيان، على الهدى والإيمان، فوقع عليهم العذاب والخسران.
* * *
_________________
(١) يُنظر: صحيح قصص الأنبياء، لابن كثير، تحقيق سليم الهلالي (٩٨)، تيسر الكريم الرحمن، لعبد الرحمن السعدي (٢٩٤ - ٣٨٤ - ٦٠٣).
[ ٢٢٣ ]